(البحث عن الذات)!ابو زيزوم
يتمتع بتفاوت كبير بين طموحه وسعيه لتحقيق ذلك الطموح . يمنّي نفسه ومستمعيه بدخول كلية الهندسة ليتخرج منها فيثاغورس زمانه ، لكنه لا يستعد لإمتحان الثانوية استعداد ذوي الطموح . كل ما لديه احاديث في المجالس عما سيفعل . يتحدث عن مستقبله الزاهر كما يتحدث الناس عن ماضيهم باعتباره أمراً واقعاً لا جدال فيه . متخذاً من لباقته الفذة والثقة التي يتحدث بها أداةً لإقناع البسطاء بما ينتظره من نجاحات . حتى بات مضرباً للمثل في التفوق الدراسي وصار الآباء يقرّعون أبناءهم لأنهم لا يحتذون حذوه . وطبعاً لم ينجح ، فزعم انه تعمد الرسوب لوجود مفاصل في منهج الاعدادية تحتاج من طالب العلم الحقيقي استيعابها حتى لو ضحى في سبيلها بعام دراسي .
لكنه ادرك في نفسه انه لم يُخلق للدراسة وقوقعتها ، فهذا اللسان الذرب له مكان آخر . هكذا اصبح بين عشية وضحاها رجل اعمال ، حيثما اجتمع التجار والاغنياء وُجد بينهم يتصدر الحديث . ومع انه كان مفلساً تمنى عديدون من اهل المال لو ملكوا بعض ما يملك من مواصفات شخصية تبعث على الاعجاب . ما كانوا يعلمون بفقره المدقع ، فذاك شيء يمكن تغطيته مؤقتاً بالاكاذيب .
الاغنياء يلتقون دورياً على ولائم فخمة ، وهو عاجز حتى لو باع افراد عائلته عن تحمل تكاليف مأدبة واحدة مما يفعل غيره . فاضطر على الاستدانة ثم المماطلة ثم البلف ثم أبق من ربقة هذا العالم الجشع الذي يزن الاشخاص بأموالهم . وكرد فعل على فشله في تسلق جبال الثراء العصية انتقل الى حالة من الزهد مدعياً انه اصطفاها تعبيراً عن الجوهر الانساني في اعماقه ، محاولاً تأطير فاقته برداء اخلاقي مزركش . وراح يجلس تحت الاشجار بملابس رثة وشعر أشعث على طريقة الهيبيز وبيده بيانو يعزف عليه انغام لا تترك أثراً في آذان المارة بقدر ما يثيرهم مظهره الغريب .
لم يطُل به المقام على هذه الحالة واختفى ليعود بعد سنوات بهيئة شاعر أضناه العشق فتفتقت قريحته بقصائد تذوب رقة وحرارة . لا يعرف الناس شيئاً عن معشوقته التي هيّجت في وجدانه كل هذه الاشجان . وشكك بعضهم بقدرته على نظم الشعر . الا أن إلقاءه الجذاب للقصائد وتفاعله العميق معها جعل السواد الاعظم يُكبرونه وينظرون اليه كمريد لقيس في افتتانه بليلى . وحظي بسبب ذلك بجمهور عريض يغدق عليه كل شيء الا المال . ولأن حياةً بدون مال خدعة سرعان ما تنكشف هجر صاحبنا جمهوره الذي يشبه رواد السينما ، وانتقل بلا مقدمات الى حالة من التدين . ربما كانت مهرباً من خيبات الامل ، غير انه وجد فيها إقبالًا من العوام لم يرَ نظيراً له في الفصول السابقة من حياته . خصوصاً وانه برع بتفسير الاحلام ومعالجة النساء الممسوسات . وحصل على مسجد مزدحم فطار صيته في الآفاق رغم ضحالة معلوماته الدينية . كان يكمل النقص في المعلومات بقدراته الزئبقية وهذا الوجه النوراني والصوت الرخيم في التلاوة . لا يدري كيف اصبح غنياً في وقت يسير ، ولم يعد قادراً على مزاولة جميع المهام ، فترك الاذان لأحد اتباعه وجلب شخصاً ينظم له المواعيد وآخر على الحسابات وثالث يتولى الرد على متابعي صفحته الذين يتكاثرون بالانشطار . فكر لبعض الوقت بأنه وجد ضالته الا انه عندما يكمل أعماله اليومية ويأوي الى سريره في ساعة متأخرة من الليل تتوافد عليه وساوس تزين له السفر الى ليبيا او اليمن ليقاتل الى جانب احد الاطراف . فما زالت احلام الطفولة بأن يصبح قائداً عسكرياً يدحر الاعداء ويحقق الانتصارات لم تمت في روحه ، تتململ في الصدر مثل جذر شجرة سنديان قطعها الحاطبون ولبث تحت التراب يتكىء على الرطوبة ليخرج غصناً . فلا ينام قبل ان يطردها جميعاً وهو غير واثق من قدرته على طردها في الليلة القادمة.
( ابو زيزوم _ 1137 )

2021-11-24