ماذا وراء كمين الرمانة! أرحموا لبنان من التخريب فشعبه يستحق الحياة..!

بقلم بكر السباتين..
في غضون أسبوع شهد لبنان اشتباكات وأعمال عنف تذكر ملامحها بالحرب الأهلية اللبنانية التي اشتعلت عام 1975 وانتهت على الورق في 1990، لكن تفاصيلها ظلت مستيقظة في عقل الجيل الذي هرم وهو يقتات على كوابيسها دون انقطاع، فهل تورث للأجيال الجديدة! فتداعيات حرب جديدة تتكرر معالمها وهشاشة الواقع الذي أوصل إليها يصدع التماسك اللبناني، ولنا في أحداث اليوم عبرة حيث يدق ناقوس الخطر فهل من مستمع حصيف.
بدأت الأحداث بقيام جهة مجهولة بنصب كمين من خلال التمركز فوق أحد المباني بحي عين الرمانة ذي الغالبية المسيحية والدرزية وخليط من الطوائف الأخرى، وإطلاق النار باتجاه المتظاهرين والمحتجين الذين اعتصموا أمام مبنى قصر العدل في منطقة الطيونة المقابلة احتجاجاً على قرار القاضي طارق البيطار بتوقيف أحد الوزراء على ذمة التحقيق في انفجار بيروت الذي تم تدويل ملفه مما أفسح المجال لتدخلات فرنسية وأمريكية وإسرائيلية (من خلف الكواليس).
ممّا أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأدّى إلى تراجع المتظاهرين باتجاه الدوار ، في حين دبَّ الذعر بين صفوف المتظاهرين وسكان المنطقة.
ما جرى في هذا اليوم العصيب، أعاد إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية “الأليمة” على خطوط التماس.
وفي أتون هذه المواجهة كانت الطيون تحت نيران القناصة والأسلحة الآلية المتوسطة، بشكل كامل ما استرعى رداً بالمثل من قبل قوات حزبي أمل وحزب الله والمرده وهي الجهات التي نظمت الاعتصام أمام العدلية، حيث تقدر القوات المستحكمة فوق المباني العالية المقابلة لقصر العدل بالعشرات في إطار خطة عسكرية محكمة تتضمن تصعيداً على مراحل ومن ثم الانسحاب المدروس..
من جهته نشر الجيش اللبناني قواته في المكان وطوق المنطقة لمحاصرة المتسببين بالحادث لاعتقالهم..
واتهم حزب الله القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع الذي قال في أكتوبر 2020، أثناء لقاء جمعه على مأدبة مع وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدّمي الاشتراكي في منزل النائب نعمة طعمة، “إنّه سيمضي في المُواجهة ضدّ حزب الله حتّى النّهاية”، مُؤكّدًا “أنّ لديه 15 ألف مُقاتل، وحزبه قادر على هذه المُواجهة لأنّ حزب الله- وفق تقديراته- بات يُعاني من ضعفٍ كبيرٍ نتيجة الأوضاع في لبنان وفي الإقليم”، وعندما حذّره جنبلاط من خُطورة أقواله هذه ردّ قائلاً:
“نحن اليوم أقوى ممّا كُنّا عليه أيّام بشير الجميل، وحزب الله أضعف ممّا كان عليه أبو عمّار (ياسر عرفات)”.
وبما أن ما قاله جعجع يأتي خلافاً لواقع الحال، ومع أنه يدرك بأن حزب الله يتفوق عليه عدة وعتاداً وخبرة قتالية وحنكة سياسية، فهذا يعني بأن سمير جعجع يسير ضمن الأجندة الأمريكية الإسرائيلية الذاهبة إلى إشعال حرب أهلية من أجل ضرب حزب الله في العمق.. بدعم لوجستي من دولة إقليمية يرجح بأنها دولة الاحتلال الإسرائيلي!
لذلك يرجح مراقبون بأن جعجع هو من يقف وراء كمين الرمانة الذي رتب له عسكريون من تلك القوات بدلالة ما قاله جعجع لجنبلاط أثناء وليمة النائب طعيمة بأنه سيتصدى لحزب الله، وقياساً إلى توصيف كمين الرمانة بأنه محكم واحترافي من حيث التكتيك أو اختيار المكان (الفاصل بين عين الرمانة والطيونة) الذي يرمز إلى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 والذي شهد انفجار الباص في ذات المكان، حيث أشعل ذلك الحادث فتيل الحرب الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس.. وزرعت الخوف في قلوب اللبنانيين الذين شهدوا تلك الحوادث الأليمة .
ويرى مراقبون بأن جعجع المرتبط بعلاقة وثيقة بكل من فرنسا وأمريكا والاحتلال الإسرائيلي، يتحرك وفق أجندتهم المشتركة، ويتغذى عقله الباطن بتاريخه الدموي في تلك الحرب الملعونة التي بلغ عدد الضحايا من جرّائها حسب مصادر (الشرطة اللبنانية) لغاية عام 1992 أكثر من 144,240 قتيلاً و197,506 جريحاً. إلى جانب 17,415 مفقود.
وعليه فإن التداعيات في الحادث الأخير الذي يطلق عليه أنصار حزب الله بالكمين، ينبي بوجود قرار سياسي يستهدف حزب الله الذي يشكل خطراً على دولة الاحتلال، من جهته رفض سمير جعجع هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً متهماً الحزب بأنه يعربد في لبنان دون رادع ويحاول إرعاب القاضي الذي يدير ملف انفجار بيروت..
ويرى خصوم جعجع بأن القوات اللبنانية تعتمد على سيناريو خلط الأوراق الداخلية في وجه حزب الله ومن ثم الخروج من المأزق بحل تحت إشراف دولي (أمريكي فرنسي إسرائيلي) لمحاصرة حزب الله وتجريده من سلاحه وبسط سلطة الجيش اللبناني على الجنوب ومصادرة ما في مستودعات الحزب من ترسانة عسكرية فيما تحتفظ القوات اللبنانية بسلاحها..بدلالة أن القناصة اختاروا إشعال فتيل حرب أهلية جديدة من المنطقة الفاصلة بين عين الرمانة والطيون التي ترمز إلى تدمير باص الرمانة عام 1975.
السيناريو بدأ بانفجار ميناء بيروت.. الذي تم تدويله لتطويق حزب الله فيما يقف سمير جعجع حارساً عليه.
في الوقت الذي تتلقى فيه القوات اللبنانية دعماً شاملاً من قبل حلفائها الغربيين باعتراف قائدها.
ولكن حينما استعاد حزب الله حماهيريته بسبب قيامه بمبادرة جلب مشتقات النفط من إيران.. قام أصحاب سيناريو خلط الأوراق في وجه حزب الله- وفق اتهامات حسن نصر الله- بتنفيذ كمين الرمانة في غمرة تعالي أصوات دعاة الطائفية لزرع الخوف في قلوب اللبنانيين من أجل استحضار شبح المواجهات من جديد.
ورغم أن الغالبية تميل إلى موقف حزب الله إزاء مؤامرة القوات اللبنانية وفق الأجندة المشتركة فإن أنصار سمير جعجع يبرئون ساحة زعيمهم الذي يلقب بالحكيم.. ويطرح السؤال نفسه:
أين الحكمة في إشعال فتيل حرب أهلية ضروس لا تبقي ولا تذر لو صحت تقديرات نصر الله.. وهل من ضمانات كافية لتنفيذ جعجع استراتيجيته وفق السيناريو أعلاه! ألا يعلم بأنه سيواجه حزب الله الذي هزم جيش الاحتلال الإسرائيلي ويمتلك الخبرة الكافية والعتاد اللازم لزلزلة أركان حزب يدعي قائده بأنه يمتلك ترسانة من الأسلحة تكفي لتحقيق التوازن في الداخل اللبناني..ولكن من هي الجهة التي أمنت له هذا السلاح.. الاحتلال الإسرائيلي مثلاَ بدعم مالي سعودي! هذا كلام غير مقنع..
أرحموا لبنان من سطوة أباطرة الموت فشعبه يستحق الحياة..
14 أكتوبر 2021