أيلول 2021: نخدمكم بأشفار العيون.. ونكسر الحصار!
ليلى عماشا

في البدء، يغرق القلب في فيض النور الذي في الخاتمة… قال: “ابنكم هادي” فارتمت القلوب خارج أقفاص الضلوع.. ودّت لو تجتمع كلّها لتشكّل صوت هادي في كلمة “يا والدي”.. الكلمة التي وحدهم آباء الشهداء يشتاقونها، ويحصون غيابها بأيّام ليست كأيامنا، بل بأيّام ساعاتها الشوق، شمسُها الإيثار وليلها دمع يردّد “أرضيتَ يا ربّ..”.

قبل الخاتمة، مرّ كعادته على كلّ تفاصيل أيامنا، وكالعادة، أصغى إليه المحبُّ والمبغِض، والصديق والعدوّ، وجيشٌ من العشاق الموقنين بصدق وعده، وبطهر سيادته، وبحرصه الأنقى على كرامات الناس وقلوب الناس وحياة الناس.

الموضوع الأساسي لإطلالة الأمس كان “البواخر”، أي التخفيف من ثقل الأزمة التي تنكّل بالناس في لبنان، بكلّ ما تعنيه كلمة “التنكيل”؛ فمادة المازوت التي اختفت بين حصار أميركي واحتكار تديره عوكر بشكل مباشر، هي الوقود الأساسي الذي يؤمّن عمل القطاعات الحيوية من مستشفيات وأفران وغيرها، ويوفّر وصول الكهرباء والمياه إلى البيوت. ولهذا لم يهمل السيّد أي تفصيل يتعلّق بوصول الباخرة الأولى وآلية توزيع حمولتها بين جزءين: جزء سيوزّع مجانًا على المستشفيات الحكومية ودور الأيتام والعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة بالإضافة إلى مؤسّسات المياه الرسمية والدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني والبلديات الفقيرة التي لديها آبار للمياه وتحتاج إلى المازوت لاستخراجه، وجزء سيتمّ بيعه بالليرة اللبنانية وبسعر أقل من الكلفة للمستشفيات الخاصة ومستودعات الأدوية والمطاحن والأفران والاستهلاكيات الغذائية وكذلك المؤسسات التي توزّع الكهرباء للبيوت على أن تتعهّد بأن تكون الاشتراكات الشهرية بأسعار أقل مما هي عليه اليوم.
هذا التفصيل الدقيق في ما يتعلق بتوزيع المازوت الذي حمّلته الباخرة الأولى هو تأكيد من جانب السيد نصر الله على أن الهدف من استقدام البواخر هو رفع بعض الثقل عن كاهل الناس، كلّ الناس الذين أنهكتهم الأزمة، بعيدًا عن أي اعتبارات حزبية او طائفية أو غيرها. ودخول السيّد إلى عمق هذه التفاصيل هو انعكاس ملموس لعبارة “سنخدمكم بأشفار عيوننا”.

ومن حمّل نفسه، بناء على منظومته الأخلاقية والقيمية، مهمّة خدمة الناس بأشفار العيون، لن يلتفت طبعًا لأقاويل صغار الأدوات الناطقة بمّا يريده مشغّلها الأميركي، ولن تؤخرّه عن فعل ما يراه الأنسب في خدمة الناس وتخفيف معاناتهم، مع مراعاته دائمًا لحال الانقسام اللبناني الذي يسهل توظيفه أميركيًا، واعتماده مبدأ “قطف العنب وليس قتل الناطور”، وهي عادة حكماء القوم وكبارهم.

ومن هنا كان اختيار مرفأ بانياس تجنّبًا لإحراج السلطات اللبنانية، وإبقاء البواخر بعيدًا عن التغطية الإعلامية تجنّبًا لاستفزاز المستفزّين أصلًا والساعين إلى البلبلة، وإبعادًا للموضوع عن شبهة التوظيف السياسي.

في ١٣ أيلول، بكلّ ما تحويه الذاكرة عن هذا التاريخ الفوّاح بالدم المظلوم المستهدف عند جسر المطار، والحامل لنسمات الجبل الرفيع وشهدائه، أطلّ السيّد الرؤوف ليبلغ الناس بأنّ معاناتهم المعيشية ستخفّ ولو قليلًا في غضون أيّام، معلنًا عن الدخول في معركة التحرير الاقتصادي، وتحرير رقاب الناس من سكّين عوكر، التي تقوم بمهمة المكتب التنفيذي لسياسات الإرهاب الاقتصادي الأميركي في لبنان.

سمعه الجميع.
أهل الحبّ التفوا حول كلماته يستدفئون، ويدمعون من فرط شعورهم بعاطفته.
أهل التعب أصغوا إلى كلماته بارتياح اشتاقوه، وغفوا على بسمة دامعة تحمد الله على نعمة نصر الله.
أهل المعاناة المرّة شعروا بلطفِ أن يسعى سيّد حكيم لتخفيف مرارة أيامهم.
أهل المواجع المستعصية الذين ضاقت بهم المستشفيات تحسّسوا أملًا باستكمال علاجاتهم المهدّدة بالتوقّف.
أما أهل البغض الناطق باللكنة الأميركية، وأهل الارتزاق على أعتاب عوكر، وكل الأعتاب الموظّفة لديها، فقضوا ليلتهم أسرى حقدهم، لا سيّما أن ذاك الكبير شملهم وأهلهم بعاطفته، وما ردّ صاع ارتكاباتهم إلّا بلفتة حبّ تقول إنّ ما سيقدمه حزب الله ليس محصورًا بأي فئة، ككلّ نصرٍ حقّقه هذا الحزب.
وأما أهل العداء الصريح المباشر، فلا ريب أنّهم يتحسّسون حرّ هزيمتهم، وهو حرّ اعتادوه وما تابوا.

وبعد، في كلّ خطوة، وعند كلّ مفترق، ومع كلّ تحدّ، وداخل كلّ معركة، وبعد كلّ امتحان، خابَ من عاداك، بل ما عاداك سوى خائبٌ.
‎2021-‎09-‎15