انحلال الحزب الشيوعي العراقي/1!

عبدالامير الركابي 
ضمن لحظة بعينها بعد الاحتلال الإنكليزي للعراق، والثورة اللاارضوية غير الناطقة عام 1920، وفبركة الاحتلال للدولة عام 1921، قامت مجموعة من الاحزاب سرعان مااستقرت منذ الثلاثينات على صيغة، حددت ملامحها العامة الحزبية الايديلوحية، بعد محاولات تمهيدية فاشلة، سرعان ماتبين انها غير متوافقه مع اشتراطات الصراعية الوطن/ كونية العراقية، الغربية الانكليزيه الناشبه في حينه، وفي محرى وعند اخر فترات التشكل الحديث التاريخي السابق على حضور الغرب، والعائد الى القرن السادس عشربمحطتيه، القبلية التي بلغت ذروتها مع الثورة الثلاثية عام 1787، والدينية الانتظارية التي بدات من حينه.
وكان مجيء الإنكليز واجمالي الظاهرة الغربية الحديثة، ومااتصل بها على مستوى منطقة الشرق المتوسطي، والاحتلال المباشر على وجه التعيين، قد ولد ظروفامن التصادم مع القوى المحتله، اول سماتها واهمها تعذر النطقية الوطن / كونية العراقيه، واستمرار تجاوز الخاصيات الذاتيه، للطاقة الاستيعابيه، والاحاطة العقلية المتوفرة والمتاحة في حينه، ماقد اوجد حالة من “الاستبدال” الضروري واللازم، كشكل من اشكال ضمان عمل الاليات الذاتيه بظل عدم اكتمال أسباب وعيها ذاتها، وتعبيرها عما يطابق كينونتها.
هنا يجدر التذكير بان ماننوه به أعلاه، ليس حالة فريدة في التاريخ العراقي، على العكس من ذلك، عاشت هذه البلاد تاريخها الطويل بدوراته، الأولى السومرية البابلية الابراهيميه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، والحالية الثالثة النطقية، ومامر بينها من انقطاعات، من دون ان تتمكن من مقاربة طبيعتها البنيوية المجتمعية، ومنطوياتها، إدراكا، الامر الذي هو من طبيعة علاقة العقل بالظاهرة الاجتماعية عموما، حيث العقل ادنى قدرة من الارتقاء لمستوى الظاهرة مدار البحث، ويظل كذلك على مدى الاف السنين من التاريخ، لم يلح مايدل على بدء انتهائه الا مع منتصف القرن التاسع عشر، مع النهوض الغربي الحديث، حين لاح مايشير الى بدء نوع مقاربة مستجدة، اتخذت عنوان “علم الاجتماع”، وهذا على وجه العموم، وبما خص المجتمعات كافة، الامر الذي تتزايد، ان لم تكن تتضاعف أسباب وشروط استمراره وتاخرساعة الخروج من وطاته بحالة مجتمعية، بنيتها كونية ابتدائية، مختلفة عن سواها، ان لم تكن تتمتع بفرادة لاشبيه لها على مستوى المعمورة، هي البنيه الازدواجية اللاارضوية/ الارضوية المتعدية للكيانيه، والتي لاتتجلى ضمن حدودها الجغرافية، ماجعلها ومنذ الانطلاق تتخذ صفة الإمبراطورية ( الاكدية الأولى في التاريخ البشري من اصغر نقطة في جنوب العراق) ذهابا الى الامبرطورية البابلية، ومقابلها التجلي السماوي الابراهيمي، او (الإمبراطورية اللاارضوية السماوية الشاملة للعالم بمعظمه)، ثم ماعاد وتبعها من تجليات ازدواجية امبراطورية، عباسية قرمطية اسماعيلة وتشيعية انتظارية، في الدورة التاريخيه الثانية المنتهية بسقوط بغداد عام 1258 .
وكل هذه المعطيات يأتي الغرب الحالي لكي يلغيها ويطمسها، أولا باعتباره الاعتباطي لارض الرافدين من ذات ونفس بنيته، او بقية البنى المجتمعية الكيانيه المعروفة، بلا أي تلبث امام تاريخ وخاصيات سردية هذا الموضع، وتجليه الكوني، ودوراته، ومن ثم الغائه لمقتضيات وماتوجبة الازدواجية المجتمعية كينونة، من نوع معالجة وتدبر مناسب، الامر الذي دل من الابتداء، على قصورية الغرب وعيا وسلوكا، وعلى كونه حالة نهوض، وقمة صعودية لنوع بذاته من المجتمعات هي “المجتمعات الأحادية” التي يحتل الغرب بينها بازدواجيته الطبقية مكان المجتمعية الأحادية الأعلى والارفع ديناميات، ضمن صنفه ونمطه الأحادي، الامر الذي هو دون، ولا يمكن مهما ارتقى سلم التصير، ان يقارب اشتراطات ونوع تجلي وعمل ديناميات المجتمعية الازدواجية الأصل.
بغض النطر عن هذا، ماكان للغرب حضورا ونموذجا ومفاهيم، سوى ان يكرس ذاته التي هي اليوم في ذروة تجليها، ومعه ماكان ممكنا لاولئك الذين كان لهم ان يتصدوا لشؤون بلادهم، ووجدوا تحت فعل ودفع المتناقضات الاصطراعية بين النمطين، الاحتلالي الغالب، والازدواجي المجتمعي غير الناطق، غير اختيارلبس جلد الظاهرة الطاغية المهيمنه نموذجا واعقالا، خاصة مع ماهو سائد على مستوى المعمورة من اعتماد لموضوعات ونموذج الغرب، ماقد هيأ الأسباب لتبلور، ومن ثم ظهور نوع من “الوطنيه الزائفه” الايديلوجيه الحزبيه العملية، مع الحد الاقصى الأدنى من الممارسة الايله للفكر وعالمه.الامر الذي اوجبته كما اسلفنا، وحفزته، ردة فعل الواقع والياته، بمواحهة ماصارت تحت وطاته وقتها، هذا اذا اعتبرنا ان الاليات العراقية ليست، وان لم تكن في حالة نطق بعد، مفتقرة للوسائل وأسباب المعالجة، وردة الفعل الملائمه لطبيعتها، ونوع دينامياتها، إزاء ما يمكن ان يحل بها من اشكال التحدي الوجودي، بما في ذلك ماحصل وقتها وآنيا انتقاليا، من تحوير للتجليات الغربية، مدعية الحداثوية والوطنيه، وابرزها الماركسية، والقوميه، والليبرالية الشعبوية، كما امكن لها ان تتجلى ضمن اشتراطات، امتازت وقتها ببروز حالة هامة على هذا الصعيد، تمثلت بالازدواج التصادمي الغربي بعد ثورة أكتوبر الروسية 1917 وماانعكس عنه.
هكذا وجدت البنية الازدواجية متعدية الكيانبة، (الوطن/ كونيه) العراقية، نفسها امام حالة ومشروع افنائي طاغ، كان مكتوبا له ان ينقسم الى نوعين، كل منهما ينطوي على مستهدف بعينه، الأول افنائي جزئي، والثاني افنائي كلي، الأول يبدا مع عام 1921 مع فبركة الكيان و”الدولة” المقامة من خارج النصاب الاجتماعي، وخارج الاليات والاشتراطات التشكليه العراقية الحديثة، وتمحور بصورة أساس في التركيز على محاولة قتل اصل ومبعث الديناميات اللاكيانيه الازدواجية، عن طريق تغيير علاقات الملكية في الريف، واصطناع طبقة لالون لها ولا شبيه في أي مكان من العالم( يسمي الحداثيون، الملاك الريفيون العراقيون المصنعون بلا اصل ولا أساس تاريخي، وظاهرتهم ب “شبه الاقطاع”، وهي تسميه متهافته لادلالة لها، وبعيدة كليا عن ان تصف ماتدعي انها معنية بوصفه، لان من تذكرهم هم طبقة تخص مجتمعات أخرى، لم توجد ولا عرفتها بنيه العراق التاريخيه) بالاخص بنيويا وموضوعيا تاريخيا، لا كاقحام براني، وهي الفترة الممتدة من 1921 الى 1958 انتهت مع ثورة 14 تموز التي قبرت ومسحت من الوجود، دولة الفبركة، ومرتكزها الاجتماعي المفترض، واكلته في الشوارع والساحات والريف.
الطور الثاني وهو موصول بالثالث، يبدا مع عام 1968 مرتكزا الى الريع النفطي، العامل المستجد المقحم على الاليات الاصطراعية الازدواجية، كركيز أساس، قامت بظل الاقتناع باستحالة الحضور الاجنبي الكلية، وبضرورة شكل من اشكال “الوطنيه الزائفة” المحورة، أي “الحزب العقائدي السلطوي” مع النواة القرابية، وتلك هي ركائز الطور الافنائي الجزئي الثاني، الاخطر بحكم توفير الريع النفطي لاستقلالية الدولة عن المجتمع، وتحولها الى ” مشغل اكبر”، وشموليتها البنيوية الحزبيه، ماقد أدى الى انقلاب تعدى نطاق العراق، طرا على ردة الفعل على الخطر الافنائي غير العادي، أدى منذ عام 1980 الى دخول العراق طور ” العيش على حافة الفناء الثاني”، المستمر الى اللحظة الراهنه، ابتداء من الحرب العراقية الايرانيه 1980/1988 ،أطول حرب بين دولتين بعد الحرب العالميه الثانيه، حين تخلخلت وقتها بنية وركائز النظام، مع فقدة ركيزته الريعيه الأساس، بسبب ضخامة نفقات الحرب، ماادى لخروجه من وقتها مما كان يمثل مشروعا وبنية واستراتيجياته، لينتهي الى التخبط وفقد الرؤية والزمام، بحيث صار يشكل خروجا خطرا على الثوابت الغربيه الامريكيه، والركائز الاستراتيحيه الناظمه لعلاقتها ببئر النفط الشرق اوسطي، لتبدا وقتها وضمن متغيرات دولية حاسمه، فترة، هي الثالثة الأخيرة من تاريخ الافنائية التدميرية، تغيرت معها الاستهدافات من الجزئية، الى الافناء الكلي، وهو مااضطلعت به الولايات المتحدة عبر حربين كونيتين، وحصار دام 12 عاما، هو الاقسى المفروض على دولة في التاريخ، واحتلال اضطلع بسحق كل ركائز الدولة التي كان الغرب هو من أقامها وسمح بوجودها، ليتخذ وريثة الأمريكي اليوم موقفا يتعدى استحالتها، الى استحالة الكيانيه العراقية.
ينتمي الحزب الشيوعي العراقي الى الفترة الأولى واشتراطاتها، ونوع الاصطراع الذي ميزها في حينه، وظواهرها الدالة على طبيعة، ونوع الصراعية المستجدة، وبعد محاولات إقامة حزب شيوعي، وحزب بعث في بغداد، عاصمة الدورة التاريخيه الثانيه المنهارة، بدون جدوى، ظهر الحزبان جنوبا في مدينه الناصرية في ذي قار، سومر الجديده، ومنطلق التشكل العراقي الحديث، سيرا على القاعدة التشكلية في هذا المكان من العالم، حيث البدء الازدواجي يكون جنوبيا، وسط التركز الأعلى للاليات المجتمعية المتعدية للارضوية، قبل ان يتجسد ازدواجا مع نزول التشكلات الأحادية الأعلى”عراق السواد/ وعراق الجزيرة”، على امل بسط السلطة المعتاد،على الحيز الخصب، الامر المستحيل، والذي ينتهي بالاتجاه الى إقامة بنية المدينه الدولة المحصنه اشد تحصين والمعسكرة السلاليه من داخلها خارج الكيانيه السفلى وعند حافتها العليا، قبل ان تبدا بالميل الى خارج المكان، وبالدرجة الأولى لساحل الشام والاناضول وعيلام كما فعل اول امبراطور في التاريخ و” حاكم زوايا الديا الأربع بحسب قوله “سرجون الاكدي”، وتلك هي اليات الإمبراطورية اللاكيانيه من اعلى، بداية، قبل ان تتبلور رؤية اللاارضوية السماوية من اسفل، لتاخذ مسارها وشكل تجليها اللاكياني، هي أيضا، خارج ارضها.
اليوم ظهرت حالة استبدال يكرسه الازدواج البنيوي، بقيام شكل من اشكال “الدولة الحداثية المستبدلة”،بمقابل وبالضد من “الدولة البرانيه المفبركة”، ليظهر كحصيلة عالم “جبهة الاتحاد الوطني” في الخمسينات، ومرتكزه وعاصمته، ارض السواد، وابتداء الناصرية، قرب “سوق الشيوخ”، عاصمة اللادولة القبلية الاولى الحديثة، قبل دولة اللادولة الانتظارية النجفية، ممثلة الفترةالثانية من التشكل العراقي الحديث.
لم يكن مهما مايقوله الشيوعيون والبعثيون واللييواليون، الاسقاطيون الاتباعيون وقتها، في ثلاثينات القرن الفائت، واصفين ذواتهم، ومبررين وجودهم التاريخي و “الطبقي”، اذا كان لايمنع ولايحول دون ان تكون مثل هذه القوى من قبيل الأدوات، وحتى القوة الفعالة بمواجهة الحضور الإنكليزي ومشروعه، ودولته المفبركة، وبالذات واساسا، محاولته التدميرية الافنائية الجزئية لعراق اللاارضوية، واللادولة التاريخيه، هذا اذا لم تكن مثل تلك الفذلكات “النظرية” ضرورية لاجل تكريس التوهمية الايجابيه، ضمن ظروف غير عادية، ولحظة فاصلة، مع استمرار وطاة اللانطقية التاريخيه.
ـ يتبع ـ
‎2021-‎09-‎13