تونس … الامتحان الصعب للاخوان …. 3!

ابو زيزوم .
لكل وظيفة شروطها ، فأن يصبح المرء حارساً او معلماً او جندياً او ضابطاً لا بد من تحقق شروط محددة عند المتقدم لشغلها . والشروط تزداد كلما ارتفع شأن الوظيفة ، فالشروط المطلوبة لتعيين مدير غير تلك الخاصة بالفرّاش . اما الغريب في امرنا فهو ان الوظيفة الاخطر من وظيفة المدير والوزير لا يتطلب شغلها أية شروط ! تلك هي وظيفة رجل الدين. لا جدال في ان المركز الاجتماعي لرجل الدين أهم بكثير من جميع الوظائف الحكومية . فأولئك موظفون يخدمون ردحاً من الزمن ثم يمضون مشكورين او مذمومين حسب أداء كل منهم ، بينما يبقى رجل الدين رجلاً للدين مدى الحياة بل ان بعضهم يستمر تأثيره بعد ان يموت . الموظف يُكافأ اذا احسن ويعاقب اذا أخطأ اما رجل الدين وحسب القاعدة التي سنّوها لأنفسهم فإنه يثاب حتى عندما يخطىء لأنه اجتهد بنيّة (الخير). ومع ذلك لا يطلب منه المجتمع شهادة علمية او سيرة ذاتية او عمر او سلامة حواس … كل المطلوب ان يطيل لحيته ويلبس الرداء المتعارف عليه ويلهج بالتعابير الدينية ليتسنم المركز المرموق . ثم وبقدر من التمثيل عند زيارة المرضى وحضور المآتم يبدأ العوام بالتبرك به ، والويل لك ان تجرأت على انتقاده مهما كان رأيك صائباً .
يستطيع اللص ومرتكب الفواحش والمجرم ان يصبح على حين غرة رجل دين ذائع الصيت نافذ الكلمة يشار اليه بالبنان . ولا يكون ماضيه السيىء مأخذاً عليه بل نقطة لصالحه ، فالناس يتخذونه آيةً على قدرة الله في هداية الفاسقين وتحويلهم الى تقاة . ترى الناس في احاديثهم عنه يبالغون في وصف مساوئه القديمة ثم يبالغون في وصف ورعه الحالي لتأخذ قصته نفساً ملحمياً يخطف الالباب . وهو نفسه عندما يتحدث للآخرين يذكر بتفاخر كم كان ضالاً وعاصياً قبل ان يحدث في روحه الانقلاب وتصطفيه العناية الربانية لجادة الصواب . وطبعاً لا بد من إدخال عنصر الدراما في اللحظة التي ادت الى التحول والسبب المباشر الذي احدثها . كل ذلك والجمهور مصغٍ بذهول حتى لتنسكب الدموع من العيون خشوعاً لله . هل يوافق هذا الجمهور ذاته على تعيين لص او زانٍ او مجرم معلماً لأولادهم ؟ مستحيل ، ولا مكان لكلمة التوبة في هذا المقام .
هل اريد من هذا الكلام نفي ان تتحقق الاستقامة عند البشر بعد حقبة من الانحراف ؟. لا أبداً ، فأنا واحد من الذين لا ييأسون من الانسان مهما اوغل في الرذيلة . لكني اقول وبمنتهى البساطة ماذا يمنع شخصاً سيئاً رأى في امتهان الدين مهنة مربحة فدخلها بسوء نية ووظف فيها كل مواهبه التي كان يستعملها في النصب والاحتيال .. وظّفها في مواصلة مقاصده الخبيثة بإسم الدين هذه المرة ؟ لا شيء يمنعه . وما نلاحظه من تناقضات وتقلبات وفظاعات بعض رجال الدين المشهورين يؤشر خطورة الامر . تجده متابَع من قبل عشرين مليون شخص فتظن انهم معجبون بالخط الذي يمثله ، فإذا اقتضى الظرف السياسي ان ينتقل من النقيض الى النقيض وتذهب الى صفحته وانت متأكد من ان تلك الجماهيرية الطاغية قد تلاشت تفاجأ بانها على حالها وربما ازدادت !. هنا تكمن الخطورة .
الخلاص من هذا الوضع الشاذ والمدمر يحتاج وعياً من نوع آخر .. الوعي القادر على خلع القداسة عن الاشخاص الحاليين والماضين ، والتعامل مع الشؤون الدينية بالعقل والمنطق فإذا ضاع العقل ضاع كل شيء واستبد الظلام .
ان عناصر التحرر من هذه العبودية النتنة غير جاهزة الان في اي من بقاع وطننا الكبير لكن تونس اقرب نسبياً لتسليط الاضواء الكاشفة على مكمن الخلل القاتل في جسد امتنا.
( ابو زيزوم _ 1074 )
‎2021-‎08-‎04