التأريخ الشفوي لاحتلال فلسطين.. الباحث عادل مناع نموذجا!
نبيل السهلي.
تعتبر عملية التأريخ الشفوي الفلسطيني كوسيلة هامة جنباً إلى جنب مع التاريخ المكتوب المتاح؛ حيث لا يهمل البحث الوثيقة الشفوية من خلال مقابلات تجرى مع من عايشوا الأحداث وكانوا شهود عيان عليها، لاستحضار المراحل التاريخية التي مرّ خلالها الشعب الفلسطيني، وخاصة النكبة الكبرى عام 1948 وتداعياتها الجغرافية والديموغرافية والاجتماعية؛ وهنا يبرز اسم المؤرخ الفلسطيني الدكتور عادل مناع الذي اعتبر التاريخ الشفوي وتسجيله وتوثيقه مكملاً للتاريخ الفلسطيني المكتوب. فمن هو الدكتور عادل مناع؟ وماهي أهم بحوثه التاريخية حول فلسطين وتاريخه الكفاحي الطويل؟
التشبت بالأرض والهوية
الدكتور عادل مناع من مواليد 20 تشرين أول/ أكتوبر 1947 في بلدة مجد الكروم شرقي مدينة عكا في الجليل الفلسطيني الأعلى، وهي البلدة التي ارتكب فيها الجيش الصهيوني مجزرة مروعة في الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، حيث أعدم الصهاينة ثمانية من سكانها العزل. ويقيم الدكتور مناع حالياً في مدينة القدس عاصمة فلسطين الأبدية.

الدكتور مناع مؤرخ فلسطيني بارز؛ ركزت غالبية بحوثه على تاريخ فلسطين في العهد العثماني، فضلاً عن تاريخ القدس في الحقبة العثمانيّة، عن فلسطينيي الداخل وتاريخ النكبة وإسقاطاتها المتواصلة على الشعب الفلسطيني، كما أنه عكف على القيام في بحوث عديدة عن القضية الفلسطينية وخاصة فصول النكبة بتجلياتها المختلفة. ويعتبر كتابه “نكبة وبقاء” الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 2016، من أهم بحوثه، نظراً لأنه سلط خلاله الضوء عبر تسجيل الذاكرة الشفوية خلال الفترة (1948- 1956)، وهي عبارة عن حكاية الفلسطينيّين الذين صمدوا في حيفا والجليل الفلسطيني وحافظوا على هويتهم الوطنية الفلسطينية رغم محاولات التهويد الشرسة والمبرمجة.

كانت تلك الفترة من أشد الفترات مرارة مرّ فيها فلسطينيو الداخل الفلسطيني منذ إنشاء دولة الاحتلال على 78 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية وطرد غالبية أهلها بقوة المجازر الصهيونية وبدعم من المحتل البريطاني.

ينفرد كتاب “نكبة وبقاء” في تناوله لتجارب البقية الباقية في وطنها؛ غير مرغوب بها وترزح تحت الحكم العسكريّ الصهيوني، وللشكل الذي صِيغَت فيه علاقتها مع دولة الاحتلال الناشئة بدعم غربي مطلق ومستمر. وأهم ما جاء في كتاب “النكبة والبقاء”، أنه يسرد حكايات إنسانية وشخصية للمهمشين، مغايرة للروايات التاريخية النخبوية. فأسباب وحيثيات البقاء في فلسطين بعد سنة 1948 ظلت ضبابية، وقلما سلط المؤرخون الأضواء عليها. وهذا البحث سلط الضوء على بعض حالات من فلسطينيي الداخل الذين لم تستطع آلة البطش الصهيونية من طرد أهالي مدينة الناصرة وأغلبية قرى ناحيتها، والقرى الدرزية وغيرها، وقد شمل البحث حكايات من لم يطردوا، وآخرين اقتلعوا ثم عادوا إلى وطنهم.

ويوثق الكتاب لصراع البقاء وحيثياته منذ النكبة حتى حرب السويس ومذبحة كفر قاسم اعتماداً على منشورات ومخطوطات قلما عاينها الباحثون؛ وفي سبيل إسماع صوت المهمشين في شمال فلسطين حينذاك لا يهمل البحث الوثيقة الشفوية من خلال مقابلات أجريت مع من عايشوا الأحداث وكانوا شهود عيان عليها.

واللافت أن بلدة مجد الكروم قد حظيت باهتمام خاص في الكتاب، لأنها احتضنت مئات المهجرين من الجليل الفلسطيني، وقد تعرضت لمجزرة وللترحيل ولكونها بلدة المؤلف الذي تعرض وعائلته للتهجير للبنان حتى عادت على متن قارب ليلا وتسللت من صيدا إلى شمال عكا عام 1950؛ وثمة المئات من الفلسطينيين الذين تعرضوا للطرد والتهجير، استطاعوا العودة إلى فلسطين، وبالتحديد إلى قراهم أو مناطق وقرى ومدن مجاورة، ومن بينهم عدة أفراد من قرية صفورية قضاء الناصرة، استطاعوا العودة من لبنان أو سوريا.

باكورة بحوث الدكتور مناع

إضافة إلى بحثه الكتاب “نكبة وبقاء”؛ الذي رصد من خلاله عبر التاريخ الشفوي قصة من صمد في الجليل وحيفا عروس الساحل الفلسطيني الجميل، ثمة بحوث تاريخية للمؤرخ الدكتور عادل مناع، ومنها كتاب “المجتمع العربي في إسرائيل؛ السكان، والمجتمع، والاقتصاد” وقد صدر عام 2008 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 2008.

وقد أكدت بحوث الكتاب أنه رغم التحولات الكثيرة على حياة فلسطينيي الداخل، وعلى الرغم من وزنهم الديموغرافي الكبير، فما زالوا يعانون من ضائقة كبيرة، وما زالت الفجوات بينهم وبين السكان اليهود قائمة، حيث يعتبر ثمرة جهد بحثي لباحثين عرب في مجالات العلوم الاجتماعية والآداب، برئاسة المؤرّخ الدكتور عادل منّاع وطاقم إحصائي برئاسة رمسيس غرّة، وقد عالج الكتاب مواضيع مركزية في حياة فلسطينيي الداخل في مستويات الديموغرافيا، والعمل، والمستوى المعيشي، والتربية، والتعليم العالي، والصحة، والحكم المحلي.

ومن الكتب الهامة أيضاً “مبروك: الأعراس العربية في إسرائيل”، إذ أشار إلى أن الطقوس التقليدية مزالت تتبوأ مكانة مركزية في الثقافة الشعبية بين فلسطينيي الداخل. ويعتبر ذلك بمثابة دلالة جوهرية للحفاظ على الهوية العربية الفلسطينية؛ والتي تجذرت وترسخت بشكل جلي خلال هبة الأقصى الرمضانية، من خلال المشاركة الواسعة لفلسطينيي الداخل مع إخوانهم على امتداد فلسطين التاريخية للدفاع عن الأقصى والمقدسيين، الذين يواجهون مخاطر الطرد والتطهير العرقي من قبل دولة الاحتلال الصهيوني.
*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا
‎2021-‎08-‎04