التعامل الفلسفي والتعامل السياسي مع القضايا!
د. صلاح حزام.
قبل يومين قرأت مقالتين فيهما متعة وفائدة . الاولى للاستاذ پول كروغمان ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والذي يكتب عموداً اسبوعياً في صحيفة نيويورك تايمز .
وصلتني المقالة عن طريق الكاتب لأني مشترك في شبكته ومشترك كذلك في الصحيفة المذكورة.
والمقالة الثانية للاستاذ نبيل عودة وهو كاتب فلسطيني محترم يكتب اساساً في شؤون الفلسفة .
الغريب ان كلتا المقالتين تناولتا قضية فيها قدر من الاشتراك.
القضية هي : متى يمكن استخدام السياسة ومتى يجب استخدام الفلسفة في تحليل القضايا المختلِفة والحكم عليها وإعطاء رأي فيها وإتخاذ موقف منها.
الموضوع كان يشغلني لفترة طويلة ،لذلك تحمّستُ لقراءة المقالتين لان فيهما نوع من الحوار غير المباشر مع الكاتبين المحترمين.
السياسة تُعرّف بأنها “فن الممكن”، وهي لاتستند الى القواعد الاخلاقية والقيم الصارمة دائماً وبالضرورة، بل هي قد تَحيد عنها لمراعاة شروط الحياة الواقعية .
اما الفلسفة التي يعتنقها الانسان وبالتالي منظومة القيم التي تنبثق عنها ، فأنها تفرض شروطاً وحدوداً على كيفية تعامل الانسان مع القضايا المختلفة.
القضايا ( issues ) التي يواجهها الانسان ليست بنفس الدرجة من الاهمية والخطورة. فمنها ماهو ثانوي ومنها ماهو جوهري واساسي وبالتالي يثار السؤال الحتمي : هل يجوز التعامل مع كل القضايا من وجهة نظر السياسة فقط؟
في القضايا الجوهرية قد يحصل تناقض بين الموقف السياسي والموقف الفلسفي ( القيمي)، والسؤال الصعب هو : كيف يتصرف الفرد او الكيان السياسي او الحكومة؟
من يَرجَح على مَن ؟ هل ترجَح كَفّة الضرورة السياسية التي تفرضها لعبة العلاقات السياسية الداخلية او الخارجية ( السلوك البراغماتي / الذرائعي)، ام ترجح كفّة القيم والاسس الفلسفية التي يؤمن بها المَعني ؟
كروغمان ، أثار قضية الموقف من اجراءات جائحة كوفيدا من قبل الحزب الجمهوري ( المحافظين) والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة.
طرح تساؤلات عديدة حول موقف البعض من جعل الاجراءات الاحترازية صارمة ومُلزِمة قانونياً او ترك الأمر لقرارات ومزاج الأفراد.
الليبراليون يقولون ان فرضها بالقوة هو انتهاك لحرية الافراد ويعترضون على دعوة المحافظين الى فرضها بالقوة ،
في حين يقول كروغمان ( من وجهة نظر محافِظة) ، ان الحرية الفردية تتوقف عند حدود حرية وحقوق الآخرين. اذ ان الامتناع عن اخذ اللقاح وعدم وضع الكمامات قد يلحق الضرر بالآخرين.
اهداف الليبراليين هي سياسية لمجاملة الجمهور الرافض لفرض الأجراءات بالقوة..اما المحافظين فيعتقدون ان موقفهم مبدئي ويعود الى فلسفتهم..
السيد نبيل عودة يتناول نفس الموضوع من وجهة نظر الآداب والثقافة مثل المنتجات الشعرية والروائية التي يقول ان الكثير منها يتناول موضوعاته حسب الواقع السياسي السائد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتناولها في تلك الاعمال.
ويعتقد ان سيادة الأدب الاسرائيلي والتوجهات الدولية والاقليمية للتعامل مع الشأن الفلسطيني أخذت تفرض نفسها على اعمال الادباء والمثقفين الفلسطينيين ، الذين تخلّوا عن الثوابت الفلسطينية والحقوق التاريخية مُنجَرفين مع الموجة السياسية السائدة.
هل لدينا في العراق حالياً ، هكذا نوع من التفكير عند تناول القضايا الجوهرية؟
من يركن الى المباديء والقيم الفلسفية في حكمه على الأمور؟
بل هل هنالك فلسفة لدى احدهم؟
استمعُ احياناً، الى بعض المتحدثين الذين تدفع بهم الأحزاب الى الواجهة للحديث في برامج تلفزيونية باعتبارهم وجوه جديدة fresh faces ، وأُصابُ بالصداع من فرط اللغو الباهت.
هنالك فراغ هائل !!
‎2021-‎08-‎02