واشنطن تحارب من أجل العراق…. فما علاقة الدستور وموقع يوتيوب؟


براء سمير إبراهيم.
استمرار الرفض الداخلي الحاد للوجود الأمريكي في العراق، والهجمات الصاروخية العديدة التي تعرضت لها القواعد الأمريكية المنتشرة في أنحاء البلاد من قبل فصائل المقاومة العراقية، منذ استشهاد نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس” وإلى حد اليوم، أرغمت الأمريكيين على التفاوض مع الحكومة العراقية حول جدول زمني لإخراج القوات الأمريكية، حيث أعلن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عقب لقائه رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” يوم الاثنين، عن انتهاء مهمة الجنود الأمريكيين في العراق بحلول نهاية العام الحالي، مع إبقاء مستشارين عسكريين مهمهتم تدريب القوات العراقية وتقديم المساعدة لها.

ومع أن الأمريكيين كشفوا عن رغبتهم بالانسحاب من العراق، إلا أن كل المعطيات المحيطة تشي بعدم حصول ذلك، إذ صرّح مسؤول أمريكي رفيع المستوى في وزارة الدفاع قبل أيام قليلة لمجموعة من الصحافيين وطلب عدم ذكر اسمه، أنه “يجب إبقاء القوات الأمريكية في العراق”، وفي السياق ذاته أوضح موقع “بوليتيكو” الأمريكي أن الانسحاب الأمريكي المزعوم من العراق هو مجرد “خطوة رمزية”، كذلك فقد أجمع خبراء ومحللين عدة على أن ماتقوم به أمريكا اليوم فيما يتعلق بالعراق لا يتعدى كونه “حبرٌ على ورق”.

[ الأمريكيون يكذبون الكذبة ويصدقونها]

وفي الآونة الأخيرة بدا واضحاً لكل مهتم بالشأن العراقي أن الأمريكيين من سياسيين ومسؤولين ومحللين بدأوا ببث دعاية أو الترويج ل”كذبة” جديدة، مفادها أن العراقيين يريدون بقاء القوات الأمريكية وأنهم يساندون الوجود الأمريكي في بلادهم، ومن هذه الحملة الدعائية ما يلي :

1_ البنتاغون قال في تصريح صحفي قبيل الحوار الاستراتيجي العراقي_الأمريكي الأخير :

” العراقيون يريدوننا أن نبقى وأن الكلام عن أن الوفد العراقي سيطلب الانسحاب هو كلام غير صحيح”.

2_ القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط “جوي هود”، قال في مقطع مصور توجه به إلى اليوتيوبر العراقي “علي عادل”، الذي نشر اكثر من مقطع فيديو على يوتيوب طالب فيها الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بترحيله من العراق إلى الولايات المتحدة الأمريكية كي لا ينتحر:

“حبيبي علاوي لا تقفز، نحن في أمريكا نحبك لا تقفز، الحياة ثمينة ممكن أن نجعلها أفضل سوية، العراقيين والأمريكان”.

كذلك فإن “هود” صرّح في منتدى سياسي افتراضي عُقِد في الرابع عشر من الشهر الجاري، لمناقشة السياسة الأمريكية حيال العراق :

“نحن نشيطون للغاية في القيام بأعمال هادفة لتحقيق الاستقرار ومساعدة العراقيين على التعافي من تنظيم «الدولة الإسلامية». وقد أصبح لدى المواطنين الذين يعيشون في المناطق المحرّرة من «داعش» مياه نظيفة وكهرباء ورعاية صحية ومدارس للأطفال، وهم يستخدمون على الأرجح مرافق أعيد تأهيلها بتمويل من الحكومة الأمريكية…تريد الميليشيات التسبب بصراع وتصوير الولايات المتحدة كقوة احتلال. لكنّنا لسنا في حالة حرب مع الميليشيات، ونريدها فقط أن تتركنا نحن والشعب العراقي وشأننا…يرغب الكثير من القوميين العراقيين في رؤية مستقبل أكثر إشراقاً مع دولة قوية، وهذا ما سنعمل عليه معاً.”

3_ معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى بدوره حاول الترويج عدة مرات إلى أن الشعب العراقي يدعم رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” في الإجراءات التي يتخذها ضد فصائل الحشد الشعبي، ومن ذلك ما ذكره المعهد العام الماضي عندما قال في تحليل أنجزه كل من “منقذ داغر” و “كارل كالتنثالر” :

“أظهرت نتائج الاستطلاع أن 64 في المائة من العراقيين يؤيدون الكاظمي…في 26 حزيران/يونيو، أمر الكاظمي (جهاز مكافحة الإرهاب) العراقي بتوقيف مسلحين من (كتائب حزب الله) كانوا يخططون وفق معلومات استخباراتية لضرب القوات الأمريكية. وقد أثنى على هذه الخطوة العديد من العراقيين الذين كانوا قلقين بشأن قدرة هذه الميليشيات على التصرف كدولة داخل الدولة”.

لكن معهد واشنطن ذاته الذي يحاول دائماً إظهار أن الشعب العراقي يدعم حكومة الكاظمي ويؤيد بقاء القوات الأمريكية، لطالما ما كان وما يزال يحذر إداراتي بايدن ومن قبلها إدارة ترامب، من أن يكون لواشنطن دور ظاهر في أي إجراءات تتخذ ضد فصائل المقاومة العراقية والحشد الشعبي، ومن ذلك ما يلي :

_ المعهد حذر واشنطن مراراً من توجيه ضربات جوية أمريكية إلى مواقع الحشد الشعبي لأنها “ستجعل العراقيين يتعاطفون معهم”.

_ معهد واشنطن الذي يلعب دوراً جوهرياً في السياسة الأمريكية، نصح إدارة بايدن بالوقوف وراء الكواليس فيما تقوم به حكومة الكاظمي من خطوات ترمي إلى تحجيم دور الحشد، كما حثها على عدم إظهار التشجيع العلني لإجراءات إصلاح الحشد الشعبي كي تؤتي هذه الإصلاحات أُكلها، إذ جاء في مقال نشره المعهد :

“من خلال الضغط الشديد والعلني للغاية الذي قامت به الإدارة الأمريكية، يمكن القول إنها قضت على هذا التطور الناشئ، مما جعل أية خطوة فورية يتخذها السيستاني تبدو وكأنها تمت بإملاء من الولايات المتحدة…وفي النهاية، على العراق انتقاء الخيار الذي يجب عليه اتباعه وليس إدارة بايدن. وستحظى السياسة المختارة بفرصة أفضل للنجاح إذا كان العراقيون هم الذين يقودون القرار، في حين أن الضغط الأمريكي العلني قد يعرقله، حيث حدث ذلك كما يُقال في عام 2020. وإذا التزم المسؤولون من الولايات المتحدة وحلف “الناتو” والتحالف بالتشجيع الصامت وراء الكواليس لإصلاح «قوات الحشد الشعبي»، فبإمكانهم منح رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الميزة التي يحتاج إليها من أجل مواصلة الضغط لإجراء تغييرات إيجابية”.

_ وفي مقال آخر نشره المعهد تحت عنوان “اختبار قدرة العراق على اتخاذ إجراءات صارمة تجاه الإرهاب الموجه ضد الولايات المتحدة”، أوصى كاتب المقال “مايكل نايتس” بما يلي :

“إن اكثر تدابير الإصلاح الأمني فعالية في العراق، هي تلك التي يصورها العراقيون، وينفذوها ويفسروها بأنفسهم، دون أي تدخل دولي علني”.

وإذا ما أخذنا كل المعطيات السابقة بنظر الاعتبار وإذا ما أشرنا أيضاً إلى أن قوات الحشد الشعبي المناهضة للاحتلال الأمريكي هي قوات عراقية تقدر أعدادها بالآلاف، وتنتمي إلى الشعب العراقي ذاته الذي يحاول الأمريكيون إظهاره على أنه داعم لهم مدافع عن وجودهم، فعلينا أن نسأل الأمريكيين هنا :

إذا كنتم تحظون بالتأييد الجماهيري الواسع في العراق كما تحاولون أن تروجون، فلماذا كل هذه الخشية من الحشد الشعبي ومن ردود فعل الشارع العراقي على أي تدخل علني تقومون به طالما أنكم نصبتم أنفسكم أولياء على هذا الشعب وصورتم أنفسكم على أنكم المنقذون له؟.

إذن الحقيقة الثابتة بناءً على كل ما سبق هي أن الأمريكيين وكما يقول المثل الشعبي :

“كذبوا الكذبة وصدقوها”.

[ التلاعب القانوني وسيلة للبقاء الأمريكي في العراق]

ومن الطرق والوسائل الأخرى التي تحاول واشنطن استغلالها لإبقاء قواتها في العراق هي البحث عن ثغرات قانونية تشرّع وجودها في العراق، وفي هذا الصدد يحاول “كريسبين سميث” عضو الفريق القانوني المعني بشؤون الأمن القومي الأمريكي، إثبات أن الوجود الأمريكي في العراق ليس احتلالاً، حيث يرى أن هناك إدعاءات قانونية واهية تستخدمها المقاومة وهي :

“_ الإدعاء الأول: الوجود الأمريكي في العراق هو انتهاك مستمر للدستور العراقي الذي يمنع ذلك صراحةً. هذه حجة واهية تستخدمها الميليشيات بشكل متكرر، علماً أنه لا يوجد بند في الدستور العراقي يمنع القوات الأجنبية من العمل على الأراضي العراقية بناء على دعوة من الحكومة.

_ الإدعاء الثاني: الوجود الأمريكي في العراق هو انتهاك واضح لقرار مجلس النواب العراقي. يشير هذا الادعاء إلى محاولة بعض النواب في 5 كانون الثاني/يناير 2020 إصدار قرار بطرد القوات الأمريكية…وكان التصويت غير ملزم، حيث لم يكتمل النصاب القانوني في البرلمان وفقاً للمادة 59 (1) من الدستور. وفي الوقت الحالي، يبقى رئيس الوزراء و مجلس الوزراء برئاسته السلطة التنفيذية المباشرة المسؤولة عن السياسة العامة للدولة، ويبقى هو القائد العام لقواتها المسلحة. ويشمل ذلك صلاحية التفاوض وتوقيع الاتفاقات والمعاهدات الدولية (المادة 80)”.

ونحن الآن بصدد الرد على هذه المحاولات الأمريكية الزائفة لتبرير الوجود الأمريكي في العراق ومنحه الشرعية، “كريسبين سميث” يقول أن الدستور العراقي لا يمانع وجود قوات أجنبية في البلاد، وهذا وإن كان صحيح إلا أنه لا يسقط صفة “الاحتلال” عن القوات الأمريكية، كذلك فإن قرار مجلس النواب العراقي صحيح وقانوني وخالي من أي إشكالية وسنوضح كل ذلك استناداً إلى العوامل الآتية :

_ القوات الأمريكية صحيح أنها جاءت بطلب من بغداد إلا أن المهمة التي جاءت من أجلها وهي “محاربة داعش” قد انتهت، فالعراق منذ العام 2017 قد أعلن الانتصار على التنظيم الإرهابي، إلى جانب ذلك فإن الحكومة العراقية التي طلبت من القوات الأمريكية القدوم هي نفسها التي تطالبها الآن بالمغادرة، لأن الحكومة ملزمة قانونياً ودستورياً بتنفيذ قرارات مجلس النواب لأن نظام الحكم في العراق وفق الدستور العراقي هو “جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي”.

_ صفة الاحتلال صحيح قانونياً إطلاقها على القوات الأمريكية، بدليل أن الدستور العراقي وفي المادة الأولى منه يقول :

“جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة”، وعندما تقوم القوات الأمريكية باختراق الأجواء العراقية وتوجه ضربات إلى “الحشد الشعبي” الذي ينتمي رسمياً إلى “الجيش العراقي المعترف به دوليًا” دون التشاور مع الحكومة العراقية ودون الحصول على الإذن القانوني الذي يخولها القيام بذلك، وعندما تقيم قواعد عسكرية على أراضي العراق دون أي أساس قانوني بل على العكس تتجاهل رغبة العراقيين المطلقة الممثلة بقرارات البرلمان العراقي بضرورة إخراج القوات الأمريكية من البلاد، فهي بذلك تنتهك سيادة العراق وتعتدي على استقلاليته وبذلك فهي قوات محتلة بطبيعة الحال.

_ الادعاء بأن جلسة مجلس النواب التي جرى التصويت فيها على إخراج القوات الأمريكية من العراق، لم تحقق النصاب القانوني اللازم لانعقاد الجلسة هو أمر مثير للسخرية، فإذا كان القانون والدستور العراقي يلزمان البرلمان بعدم افتتاح جلسة المجلس إلا بحضور الأغلبية المطلقة لأعضائه، فكيف جرى عقد الجلسة إذن؟ لاسيما وأن الجلسة كانت برئاسة رئيس مجلس النواب “محمد الحلبوسي” وحضرها رئيس الوزراء حينها “عادل عبد المهدي”، أي بمعنى : من سيتجرأ من هؤلاء المسؤولين وغيرهم من النواب تحمل العقوبة القانونية لمخالفة الدستور بهذه الطريقة الصريحة، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن من يحاول الطعن بشرعية الجلسة لعدم حضور النواب “الكرد” و “السنة”، فلا بد من الإشارة هنا إلى أن عدد نواب مجلس النواب العراقي هو 329 وعدد النواب الكرد والسنة بحسب انتخابات 2018 مجتمعين هو 129 نائب فقط، أي أن النصاب القانوني هو متحقق حتى في ظل عدم حضور هؤلاء النواب لأن النصاب القانوني لعقد الجلسة يتحقق بحضور 165 نائباً من نواب المجلس.

_ صحيح أن المادة 80 من الدستور العراقي تمنح رئيس الوزراء صلاحية التفاوض وعقد المعاهدات والاتفاقات الدولية، إلا أنه غاب عن ذهب الفريق القانوني الأمريكي على مايبدو أن المادة 61 من الدستور تقتضي بأن يصادق مجلس النواب العراقي على أي معاهدة أو اتفاقية تعقدها الحكومة المركزية بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس حتى تعتبر تلك المعاهدة أو الاتفاقية نافذة قانونياً.

[ إشعال الداخل لصرف النظر عن الخارج]

واللافت في الشأن العراقي أنه ومنذ ارتفاع حدة المطالبة بتفعيل القانون وإخراج القوات الأمريكية من البلاد، ارتفعت وتيرة المشاكل والأزمات الداخلية التي تعصف بالعراق، فمن الانفجارات والمظاهرات إلى تردي الخدمات وتفشي الفساد وصولاً إلى حرائق المستشفيات وأبراج الكهرباء، كلها عقبات حاول ويحاول الأمريكيون وضعها لإشغال العراقيين عن هدفهم في إخراج القوات الأمريكية من العراق، وإظهار أن هناك مسائل ملحة وعاجلة تقتضي من الدولة العراقية الاهتمام بها أكثر من قضية إخراج الأمريكيين من البلاد.

[ ضبط النفس وحفظ ماء الوجه الأمريكي]

كذلك لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وفي عدم ردها على كل هجمات المقاومة العراقية ضدها، هي تعمل على الحفاظ على وجودها في العراق وتحاول أن تبرر ذلك بالقول أن ضربات الحشد على مواقعها لا تستدعي الرد وأن فصائل الحشد تعمل على تضخيم هذه الضربات والمبالغة في نتائجها، ومن ذلك ما ذكره “حمدي مالك” المساهم في موقع “المونيتور”، إذ قال في إطار تبرير نقص نسبة الضربات الأمريكية ضد مواقع المقاومة العراقية، مقارنة بالمعدل المرتفع لضربات المقاومة على قواعد القوات الأمريكية :

“في أعقاب الغارة الجوية الأمريكية في 28 حزيران/يونيو، تعرضت الميليشيات العراقية لانتقادات من بعض أنصارها المتطرفين الذين طالبوا بعمل جاد ضد القوات الأمريكية في البلاد، وقد توفرت الأدلة بالفيديو على أن هؤلاء القادة يتعرضون للانتقاد من قبل قواتهم. لذلك يتوجب على الميليشيات أن تبدو وكأنها تنتقم لموت عناصرها. ولكن ذلك لا يستدعي بالضرورة قتل الجنود الأمريكيين والمخاطرة بضربات انتقامية من قبل الولايات المتحدة. فهذه الميليشيات بحاجة إلى إعطاء الانطباع بأنها انتقمت. ولهذا السبب كانت الشبكة الإعلامية الواسعة لفصائل المقاومة تعمل جاهدة على المبالغة بحجم هجماتها الأخيرة وفعاليتها”.

إذن وسائل وإجراءات متعددة تحاول الولايات المتحدة الأمريكية اتخاذها في سبيل الحفاظ على وجودها في الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص في العراق أو “منبع النفط” كما يراه ترامب، فمن التلاعب والغش والخداع إلى المماطلة والكذب وإطلاق الوعود والضمانات من أجل استمرارية سيطرة أمريكا وهيمنتها في أنحاء العالم، ويبدو أننا أصبحنا الآن أمام عهد جديد من الانتداب، ففي الوقت الذي تظهر فيه أمريكا نفسها كمنقذة للعراق تعمل فرنسا على تقديم نفسها كوصية على لبنان، ولا يسعنا القول إلا أن المنطقة باتت في الوقت الحاضر في خضم مواجهة جملة جديدة من المؤامرات والتحديات.
‎2021-‎07-‎29