الحزب الشيوعي وتخنيث الشعب العراقي؟/2!
عبدالامير الركابي.
قال الخليفة الرابع من خلفاء الراشدين ابان دولة الإسلام الجزيرية، ماقاله عن لجاجة العراقيين التي “ملات قلبه قيحا”، الى ان غاب عن الكوفة مقتولا غيلة، ليتركها بركانا لايتوقف عن التفجر، حتى ان احد المؤرخين احصى مايزيد على 32 انتفاضة وتمردا، حدثت في المدينة التي لاتستكين، والتي دعت معاوية بن ابي سفيان لان بقول وهو على فراش الموت موصيا ابنه ووريثه يزيد :”اما اهل العراق فان طلبوا منك ان تعزل كل يوم واليا فافعل” محذرا إياه في حال عدم تطبيق وصيته، من مواجهة مئة الف سيف، ومن الضياع والعجز عن معرفة ما يواجهه وسبل تدبيره. ومعلوم ان العباسيين ذهبوا الى بغداد وبنوها هربا من الكوفة وانتفاضاتها، فقصدوا الرمادي أولا، ثم الهاشمية، فوقعت انتفاضة الراوندية، ماحدا بهم للتفكير بعاصمة بعيده عن موضع الاضطراب الذي لاتوقف له، ومعلوم ان يغداد نفسها كان يمكن ان لاتبنى بسبب الانتفاضات، ففي ساعة احضار مواد البناء وبعد اختيار المكان المقرر وقبل بدء البناء،اضطر أبو جعفر المنصور الى مغادرة المكان، والذهاب لملاقاة ذي النفس الزكية على اثر ثورته في البصرة، تاركا على المواد شخصا يدعى “انس” مالبث ان احرق المواد التي في عهدته، لانه سمع بان الخليفة قد قتل، فلما عاد أبو جعفر، وذكر له انس انه سمع ماسمع، اعفاه ولم يقتله، وتلك اول حادثة من نوعها، لم يسبق لابي جعفر ان فعلها او كررها، لانه معروف بالبطش واستسهال القتل، الامر الذي يعد لغزا.
ومعلوم ماقد عرفه العراق يومها من إعادة صياغة للاسلام الجزيري ابراهيميا، بالامامية مابعد النبوية، مع “التشيع” بتياراته، والاسماعيلية التالهية، والقرمطية، والحلاجية، والخوارجيه، ومراكز بحث واشعاع فكري، وحركة مراجعه وإعادة قراءة، بين اخوان الصفا، والمعتزله، وصولا لثورة الزنج، ماقد افضى لعملية فتح ثانيه، شملت المنطقة من اليمن الى البحرين وسوريا والمغرب العربي، ثم مصر، وعبرها الى ساحل الشام، يوم عم الإسلام الامامي العراقي، مكان الجزيري، شاملا المنطقة، بما فيها الجزيرة العربيه نفسها، تكرارا لحالة وظاهرة “التجلي خارج المكان” بصيغته الثانيه، بعد الأولى الابراهيميه، التي واكبت الدورة التاريخيه الاولى السومرية البابلية الابراهيميه (1)، قبل ان يعم على انقاضه لاحقا، اسلام مرحلة الانقطاع، او الانهيار والتردي اللاحق على سقوط بغداد عام 1258، وماتبعه من حلول تيار ابرز ممثليه “ابن تيميه”من صار اسمه يقرب من “الامام الخامس”، سلفي طلب احياء النبوه خارج زمنها واوانها،ومالحق من تكريس أنواع المذاهب المتبناة من قوى السيطرة البرانيه، المماليكيه والعثمانيه، ابان توقف الديناميات الصعودية، وغلبة حالة التردي بعد ختام الطور النبوي، وانتهاء فعاليته بانهيار الإمبراطورية بعد خمسه قرون على صعودها.
ولاتقوم الإمبراطورية الرافدينيه، وهي بالاصل نتاج الازدواج نقيض الاحادية العبودية بنية ، اكما تتميز الامبراطوريات الفارسية، او حتى الرومانيه، فالامبراطورية في ارض مابين النهرين هي خاصية أساس تكوينيه بنيوية كيانيه، تتشكل ضمن آليات الصراعية الازدواجية للمجالين والحيزين، الأسفل بكينونته التي لاتنتج سلطات مستقله عن المجتمع، متخذه شكل وتجلي مالايتجسد ارضويا من نوع تنظيم اللادولة، والاعلى الذي يضطر للتجلي بصيغة “مدينة/دولة امبراطورية”، داخل مدينة محصنه اعلى تحصين، ومعسكرة من داخلها على النمط البابلي، البغدادي، تمارس سلطتها الداخلية الهشة والاسمية على المستوى “الوطني”، بتجريد حملات الغزو الداخلي، اما للضرورة، وبفعل التهديد من اسفل، او لحلب الريع الزراعي، لتعود وتنكفيء داخل اسوارمدينتها وقلاعها، من دون ان تحلم ببسط سلطتها المباشره على نقيضها، ومكونها الاخر غير القابل للاخضاع.
لم تكن ارض السواد / أي الحيز الأسفل/ يوما من دون مظاهر فريدة دالة عليها، وممثلة لما هي عليه من خصوصية تنم عن شخصيتها، بغض النظر عن التسميات او اشكال التجلي التي لاتذهب من حيث السقف لدرجة التجلي الكياني الارضوي، فيكتفي المجال الأسفل بماهو ضروري لتامين حضوره واستقلاليته، انما من دون كيانيه ثابته من نمط الارضوية التي تظل من اختصاص دول الاطار الأعلى الامبراطوري، بينما يختص المجال الأسفل بمايمكن تسميته الكيانات المؤقته “الاستبدالية”، المفتقرة لنمط السلطات المطلقة المنفصله، وهو ماكان حال القرمطية والاسماعيلية، والتشيع ابان الدورة الثانيه، وظهر من قبل ابان الدورة الأولى باشكال دول اللادولة التي تظل تقوم وتنهار من دون ان تذهب لحد التجسد الكياني النهائي(2) وهنا تكمن كما تتجسد اليات التشكل السماوي خارج “ارضها”، كما الحال مع الابراهيمة الأولى، وبناء “مملكة الله” المفارقة، خارج الأرض الأصل، او اشكال تجلي القرمطية والاسماعيليه في الدورة الثانيه هي الأخرى، خارج ارضها( الفاطمية فرع الإسماعيلية حكمت مصرانطلاقا من المغرب، والقرمطية تجلت في البحرين واليمن، والاسماعيلية وجدت لها ملجئا في سوريا).
وتكرارا ولاجل إيضاح مستوى القصور العقلي، واثره الواقع على الظاهرة الرافدينيه من حيث مقاربة التكوين والنوع النمطي المجتمعي، لابد من ملاحظة الخطل الذي ظل يرافق نظرة الباحثين الاحاديين كما حال ثوركولد جاكبسون، الذي يواصل الاصرارعلى نسبه نمط الدولة الرافديني الأول والتاسيسي، الى “الديمقراطية البدائية”،المتالف معه ويعرفه، مدللا على تناقض قصوري فاضح، ومايقرب من التحايل البحثي المعرفي وهو يقول : “فحضارة مابين النهرين، كما قلنا انفا، اولّت الكون بانه يشبه الدولة. ولكن اساس التاويل لم يكن الدولة كما عرفت في الازمنه التاريخيه، بل الدولة كما عرفت في عصر ماقبل التاريخ: الديمقراطية البدائية،. ولذلك يسوغ لنا ان نفترض ان فكرة الدولة الكونيه تبلورت في زمن مبكر جدا، عندما كانت الديمقراطية البدائية هي نمط الدولة الشائع ـ بل قل عندما تبلورت حضارة الرافدين نفسها”(3) هذا والمعلوم ان حضارة مابين النهرين هي التي وضعت الحد الفاصل بين ماقبل التاريخ و “التاريخ” المرتبط بالتدوين والكتابه، بمعنى ان مايتحدث عنه ثوركيلد هو نمط اصيل بذاته خارج قدرته هو على الادراك كنوع، وهذا النمط تكرر لاحقا وبعد الاف السنين لا ابان الدول الديمقراطية البدائية كما يقول من خلال “دستور مجلس العقدانية” القرمطي، واخوان الصفا ورؤاهم، والاسماعيليون والخوارج، أي انه نمطية وشكل مجتمعية بذاته، ممتنع من المقاربة، بسبب قصور العقل وعجزه عن الإحاطة.
الامر الذي عاد وتجلى اليوم مع الدورة الثالثة ابتداء من القرن السادس عشر في ارض سومر نفسها، وقت ان عادت ملامح التشكل الكياني الازدواجي الرافديني التاريخي للظهور مع “اتحاد قبائل المنتفك”، الذي لم يتوقف خلال ثلاثة قرون ونصف، عن تأكيد الاستقلالية عبر بحر من التمردات والعصيانات المسلحه، والثورات التي وصلت حد تحرير العراق من بغداد الى الفاو ابان الثورة الثلاثية عام 1787 ، وغيرها من عشرات الانتقاضات، بلغت مايزيد على المائة وخمسين واقعه كرست استقلال العراق الأسفل، من دون تجسيد كياني، حتى بصيغه امارة مستقلة، في حين تمكن الكيان المنوه عنه من انتزاع البصرة من العثمانيين ومن الإيرانيين، وتمكن من طرد الأخيرين منها، وتحريرها، كماانه دخل بغداد، ونصب على كرسي ولايتها واليا هو مرشحه المملوك “سعيد” السابق على داود باشا، الذي اضطر وقتها للهرب مع ولاية سعيد ليصبح لاجئا في الشمال عند ال بابان، ويوجه من هنالك رسالته الشهيرة للباب العالي والتي يقول فيها نصا : “ان سعيدا حكم العرب اهل الغشامة والحهل”، ويوم عاد داود باشا عام 1817 وهاجم بغداد بعد محاصرتها، كان على راس المدافعين عنها وقتها، الفا من المقاتلين المنتفكيين.
ان مفاهيم من نوع تلك التي تنظر الى العراق أيام العثمانيين على انه عراق عثماني، هي منظورات ليست عراقية ولا “وطنيه”، ولاتنتمي الى الخاصيات والحقائق التاريخيه العراقية الأساس، فالعراق منذ القرن السادس عشر، “عراقان”، عراق اعلى شبه عثماني، واقع تحت السيطرة البرانيه من خلال عاصمة الدورة الإمبراطورية الثانية المنهارة، وعراق اسفل ” جديد/ حديث” مستقل، يشمل ارض السواد برمتها، لم يكن للعثمانييه، ولا للمماليك الذين اعتمدهم العثمانيون وكلاء عنهم لعجزهم، كما سيحدث مع الانكليزحين يخلفونهم، مستعملينهم كقوة قابله لخوض الصراع مع العراق الأسفل، الامر الذي يستوجب تغييرا كليا في المفاهيم والمصطلحات، واشكال النظر بناء لطبيعه المكان الجاري الحديث عنه، بنمطيته الازدواجيه، ومن ذلك حقيقة انه، ليس كل من يحكم بغداد حكم العراق، وهو ماينطبق حتى على العباسيين انفسهم، فكيف بالعثمانيين الأضعف بما لايقاس، والذين هم من خارج البنيه الازدواجيه، ان مفاهيم ومامتعارف عليه من احكام مطبقة على الكيانات الأحادية، لاتنسحب باية حال على، ان لم تمثل حالة خطل معرفي، ينتج عنها غمط واقعي لاهم ظاهرة مجتمعية كيانيه في التاريخ البشري، مازالت لم تجد الى اليوم تعريفا لها يعين خاصياتها الثايته التاريخيه (4).
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقصر العقل الأحادي مع نفيه البديهي لحالة الازدواج التحولي، عن رؤية اشكال التجلي، او التعبيرية عن الذات حبن تتحقق بما يناسب ويتطابق مع كينونتها، بماهي شكل التجلي التعبيري عن المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا، والتي تضطر للتشكل سماويا خارج ارض المنشا كما حدث مع الابراهيميه، الامر الذي سنعالجه للضرورة واستكمالا لمقومات وملامح الكيانيه الازدواجية الرافدينيه في مناسبات أخرى.

(2) ” كانت هذه البلاد طوال الالف الثالث قبل الميلاد تتالف من وحدات سياسية صغرى تعرف باسم ” دول المدن” وكانت كل دولة من هذه الدول تتالف من المدينه والاراضي المحيطة بها التي يفلحها اهل المدينه. وقد تشمل دولة المدينه أحيانا اكثر من مدينة واحده، اذ تجتمع فيها بلدتان او ثلاث وبضع قرى تعتمد على المدينه الرئيسية وتخضع لادارتها. وبين الاونه والأخرى يظهر فاتحون يوحدون بين معظم دول المدن هذه في دولة قومية واحده كبرى تخضع لحكمهم. غير ان مثل هذه الدول القوميه لم يكن من دابها ان تدوم طويلا، فتتجزا البلاد من بعدها الى دول مدنيه مرة أخرى” ماقبل الفلسفه / الانسان في مغامرته الفكرية الأولى/ مذكور سابقا / ص 220 .
(3) نفس المصدر ص 150 .
(4) تقول البرتين جويده : ” وقلما تعدت السلطة العثمانية اسوار المدن الرئيسية والحواضر. ونظرا لتضامن المجتمع القبلي ولتصميمه على الدفاع عن أراضيه ضد كل القادمين، فان تاريخ الحكم التركي في العراق قد كان تاريخ صراع مستمر” وتعود لتقول في مكان اخر:” فقد حكمت المنتفك كل جنوب العراق، من الفرات الى دجله، كما حكمت، في فترة من الفترات، كل المنطقة التي تصل الى / وتشمل/ مدينة البصرة “/ القبيله والمجتمع الحديث في العراق/ مجلة “الواقع” اللبنانيه الفصلية/ العدد الثاني/ تموز/ 1981 .
‎2021-‎04-‎07