الحزب الشيوعي وتخنيث الشعب العراقي؟/1!

عبدالامير الركابي.
لايتوقف الحزب الشيوعي العراقي، او المتبقيات التي تدعي الانتساب لهذه الظاهرة، عن تكرار وإعادة تكرار نغمة “التضحيات”، والنضال الذي خاضه الحزب، وقدم في غماره الشهداء، ومن عرفوا السجون والمعتقلات والتعذيب، ومثل هذه النغمه تزداد الحاجة اليها بعد ان لم يعد لدى هذا الطرف مايرتكز اليه، او يقوله عن نفسه، علما بانه يستعمل هذه النغمة من دون ان يفكر باحتمال ارتفاع الصوت بالسؤال عن الحصيلة، او النتيجة التي تمخضت عنها سيرة التضحيات الضخمه، والى اين انتهت، او وصلت بالعراق، واذا كانت النتائج تساوي حجم المتحقق، ام انها كانت عبثية بلا معنى، وبلا دلالة تاريخيه تساوي قيمتها وحجمها، او انها بالأحرى ذات مدلول مغاير لذلك الذي ينطق به من ينطقون اليوم بلا توقف.
والحزب المذكورلم يقرا او يتم تناول تاريخه “وطنيا”، أي ارتكازا الى بنية وكينونة الموضع الذي أسس ونشا ضمنه، وهو اذ يقدم او يقرا اذا قرا تاريخه، كحزمة واحده، متصورة جاهزة ومقحمه على الواقع، ولا احد حتى الساعة قال لنا، ماهو العراق، وكيف كان، وماهي بنيته المجتمعية وصفاته التاريخيه قبل ان ينشا فيه حزب شيوعي، وهل الموضع الذي اسمه العراق كان بلا تشكل الوطني سابق، وماهي أسس وملامح مثل هذا التشكل، بغض النظر عن المروية المعتبره ” حديثة”، والتي تلحق هذا البلد بالغرب وظاهرته، وسوقه الراسمالية العالمية، لتبرر التحاقه البنيوي به، وبآلياته، والاهم من كل هذا، ماهي ياترى خاصيات هذا المكان كما تعرف، ويمكن استقاؤها من التاريخ، وماهي خواصا وتميزات بنيوية، والى أي حد جاء مايعرف بالحزب الشيوعي، ليتناغم معها، ويعبر عنها، بالاتفاق مع ماهي عليه، فضلا عن ان يثورها كما يوحي.
ويلح هنا سؤال: هل تاريخ العراق هو تاريخ نضال وتضحيات، واحتدام مستمر بين المجتمع الأسفل المشاعي تاريخيا ومايركب فوقة من حكومات من خارجه، ام ان الشعب العراقي عرف عنه التطامن والقبول بالحاكمين، وهل الثورة والتمرد والعصيان ومايرافقها ويتصل بها من شرط التضحيات الغزيرة، هي خاصية عراقية، ام انها لم تكن معروفه من قبل، وان الحزب الشيوعي هو الذي انشاها وزرعها بين العراقيين، اكثر من ذلك، هل كان الحزب الشيوعي وبناء على خاصيات هذا الموضع العريق تاريخيا، عنصر اذكاء للخاصية التمردية العصيانيه التضحوية العراقية،ام انه على العكس، لعب دور المحبط للنزعه المذكورة، وكان بالأحرى قوة ترويض، ومحاولة ادراج حركة الرفض البديهية والمعارضة الحادة العريقة المستمرة كينونة، باليات وسياقات مفتعلة، مقننه على حسب إيقاع مخالف لها، من غير جنسها، يخضعها لما هي ليست من نوعه، دوليا و “امميا” من ناحية، وترجمة لمثل هذه “الدولية” كما تفرضها المنظومه الحديثة، باشكالها وصيغها المفترضة، بالاخص خارج المنشأ، في بلدان مايسمى العالم الثالث، حيث التشبهات الاكراهية ب”نموذج” غالب.
تصدمنا في هذا الباب كثرة الإشارات الصارخة الى تميز تاريخ العراقيين بالعصيان والتمرد، ومنها ذلك الشهير الذي جاء على لسان الجاحظ وهو يقارن بين نزعه اهل العراق للعصيان، وميل اهل الشام للممالأة الحكام، وثمة في هذا الميدان ادب كامل كان ينبغي جمعه وتبويبه تحت عنوان “ماقيل في عصيان اهل العراق”، وصولا الى طه حسين(1)، وأخيرا الملك فيصل، عدا الحجاج، وقبله معاوية بن ابي سفيان في وصيته لابنه معاوية، وأخيرا مقالات صدام حسين في جريدة الثورة اثر انتفاضة 1991 ، هذا وتقول الدراسات الموضوعه عن العراق القديم في دورته الأولى، انه أسس لمفهوم نفي الدولة المطلقة، وان الحاكم في العراق كان نائب الالهه بعكس مصر، حيث الحاكم هو الاله، وان العراقيين عرفوا مااطلق عليه احد الباحثين “الديمقراطية البدائية” (2) وجرى وصف مكانة الحاكم وافتقاده للسلطة (3) وهذا المكان هو الأول الذي عرف ثورة المضطهدين وسجل كلمة ( الحرية/ امارجي) على جبين التاريخ البشري في لوج مكتوب، مع كل مامعروف اليوم من حقوق الانسان،على يد الثائر الراعي كوراجينا، وتذكر الروايات ان الاسكندر المقدوني فكر بان يرحل سكان العراق من ارضهم، ويستقدم أناسا غيرهم لصعوبة التعامل معهم، واستحالة حكمهم، لولا ان مستشارا حكيما كان بقربة قال له كلمة بمنتهى الروعة والحكمة الدالة، مفادها : ان من ستاتي بهم بعد ان ترحل من هم امامك الان، لن يلبثوا ان يصبحوا مثل من رحلتهم. وهذه مقولة بمنتهى العمق على المستوى الاجتماعي، تعلمنا ان المكان هو الأصل والاساس، وليس البشر. والعراق مكان ازدواج، ونمط نوعين من المجتمعية والنظام، الامر الذي كان متعذرا على العقل كما هو متوفر الى اليوم ان يدركه، ويعي خلفياته، ويضعه في الاعتبار تعاملا.
واذا عبرنا الدورة الثانيه العباسية القرمطية بكل زخم ثوراتها التي لم تتوقف يوما، وانتقلنا الى العصر الحديث، يوم جاء الإنكليز، لنجد العراق وقد عرف ثورة لاشبيه لها، ولامثيل في التاريخ (5) لامن حيث درجة الاستنفار ومستوى المشاركة المجتمعية قياسا لعدد السكان، ولا نوع الممارسة ضد جيش حديث، من لدن مجتمع شبه اعزل “متخلف”، ناهيك عن اشكال التنظيم، ونوع التكتيكات العفوية الممارسه، ماقد أدى الى مايقارب الهزيمه المؤكدة لحقت بالجيش الغازي، واجبرته على التفكير الجدي بالانسحاب، حتى انه وضع ترتيبات مثل هذا التصرف على الورق، لينفتح من يومها تاريخ اصطراع مجتمعية اللادوولة، ضد اشكال الفبركة الاحتلالية التي لجأ لها الإنكليز كصيغة وتدبير اضطراري، لاجل ضمان استمرار نوع من نفوذهم على العراق، باعتمادهم وسيطا محليا هو “حكومه من اهل البلاد”، مكررين ضمن الاشتراطات الاستعمارية ـ التي تغيرت من وقتها ـ (6) الارتكاز الى احد طرفي الازدواجية الكيانيه العراقي التاريخيه، وقد جددوها اليوم بما يوافق ظاهرتهم الحديثة الغربية، معتمدين على الاطار الأعلى منها، محولين إياه الى “دولة” وكيان.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التقى طه حسين المنصب “عميدا للادب العربي” في القاهرة في “مؤتمرللمجمع اللغوي العربي” بممثل العراق، الشاعر محمد حسين الشبيبي فقال له “لقد قرات كل تاريخ العراق فوجدته كله تمردا وعصيانا على الحكام، وثورة” فقال له الشبيبي ” وانا قرات كل تاريخ مصر، فوجدته كله طاعة للحاكمين وممالاة لهم ورضوخا لارادتهم” فغضب طه حسن غضبا شديدا، الا ان الحاضرين قرروا وقتها وبعد نقاش، ان الجواب كان من جنس السؤال.
(2) عن نزعة الفردوية لدى الانسان العراقي في الدورة التاريخيه الاولى نقرأ “فان الفرد في هذه البلاد لاينظر الى الالهة الكبار الا كقوى نائية، ليس له ان يتضرع اليها الا في الشديد من الازمات، ولايفعل ذلك الا عن طريق الوسطاء. اما العلاقات الشخصية الوثيقة ـ كعلاقة الفرد بالسلطات التي في عائلته من اب وام واخ واخت اكبر منه، فلا توجد الابينه وبين اله واحد فقط ـ الهه الشخصي.ـ”240/ ماقبل الفلسفه: الانسان في مغامرته الفكرية الأولى/ ترجمة جبرا إبراهيم جبرا/ المؤسسة العربيه للدراسات والنشر/ ثوركيلد جاكسون/ ص 240 ، ويقول باحث اخر “اما في مابين النهرين فان الاله لايتجسد في رئيس الدولة الفاني، كان عالم الالهه وعالم الناس عندهم منفصلين كل الانفصال” 68فجر الحضارة في الشرق الوسط/ هنري فرانكفورت/ ترجمة ميخائيل خوري/ منشورات دار مكتبة الحياة/ ط 2/ ص 68
(3) وعن شكل الدولة العراقية الأولى في الدورة التاريخيه الابتدائية يرد : “وإذ غدت القرية مدينة، برز مافي الحضارة الجديده من نمط سياسي: الديمقراطيه البدائية ـ ففي دولة المدينه الجديده، كانت السلطة السياسية العليا في يد مجلس عام يشترك فيه جميع الاحرار البالغين. وفي الفترات العادية كانت شؤون الحياة اليوميه تصرف بارشاد مجلس للشيوخ، اما في الازمات ـ في حالات خطر الحرب مثلا ـ فكان بوسع المجلس ان يخول احد أعضائه السلطة المطلقة ويجعله ملكا. ولكن هذه الملكية منصب يتقلده صاحبه لزمن محدد، اذ ان المجلس الذي يخلق هذا المنصب يستطيع أيضا ان يلغيه حال انتهاء الازمة”/ المصدر أعلاه/ ص 149 ، والكاتب يطلق على هذا النوع من الدول اسما يعرفه هو ” الديمقراطية البدائية” لانه لايعرف مفهوم “مجتمع اللادولة” الذي وكما يصفه، وكما هو معروض امامنا، ارقى من أي نظام لدولة بما فيها الدوله الحديثة.
(4) وفي وصف لموقع الحاكم الملك في بابل على سبيل المثال وليس باعتبارها ممثلة نوع الدولة الاسفل المختلف نوعا أي / دولة اللادولة/ بل المتاثرة بها، والمضطرة للتوافق مع ايقاعها لغرض احتوائها، يرد مايلي :”كان الملك يلعب في الاحتفالات الدينية اللاحقة دورا مهما حيث يدور في ارجاء المعبد ويلقي كافة شارات حكمه امام الاله، ثم يقدم تقريرا عن اعماله في السنة المنصرمه، ويعترف بذنوبه وعليه ان يعلن براءته عن وقوع بعض الاحداث التعسه والمصائب، وبعد ذلك يتلقى الملك صفعة على وجهه من رئيس الكهنه مع جر الاذنين منبها إياه بتادية كل الواجبات الدينيه على اكمل وجه. وبعد ذلك يسمح له بحمل شارته الملكيه”/ رحله الى بابل القديمه/ الدكتورة ايفلين كنكل ـ براندت/ ترجمة الدكتور زهدي الداوودي/ دار الجليل/ ص 156/ ولا اعرف حالة في التاريخ يمكن مقاربتها او تشبيها بالحاله المذكورة على مستوى المعمورة، لجهة مكانة الحاكم ورمزيته التي يحرص على تكريسها في البنيه السلطوية، كما الحال الرافدينيه، ماكان ومازال يستوجب التوقف المتامل امام حالة هي من دون ادنى شك نمط بذاته، ونوع مستقل بنية وشكلا.
(5) لم تقيم ردة فعل مجتمع اللادولة التاريخي العراقي الحديث على الاحتلال الإنكليزي في 31 حزيران 1920 الى اليوم وفق منهجية ومنظور يطابق طبيعتها، ويمكن ان يكشف خاصياتها، وكل ماهو موضوع بهذا الشأن، هو أنماط من النظر الجاهز والقياسي المسيق، الاسقاطي، يستغل حالة اللانطقية العراقية “الوطن/ كونية” بما هو حالة استبدال عاجز عن استكناه الحالة او الحدث بذاته، ولايمت له باية صلة، الامر الذي ينطبق على ثورة 14 تموز 1958 ، حيث يظل الحدث هنا منظورا له من خارجه، ولاجل تطويعه وادخاله قوالب النظرالمتوفرة الشائعه مع مايواكبها من اغراض.
(6) يعتبر لجوء الإنكليز لوسيلة ال”حكومة من اهل البلاد” عام 1921 ، لحظة انتهاء ظاهرة “الاستعمار الكولونيالي” على مستوى المعمورة، وبدء الصيغة الابكر لشكل الاستعمار “الجديد” الذي صار معروفا لاحقا في الستينات.
‎2021-‎04-‎06