يوم كان لامتنا مشروع!
سلام موسى جعفر.
عملية تدمير الحفار “كينتينج”! إهداء من أبناء وبنات جيل التحرر الوطني والقومي الى المرأة في يومها!
“عماشة في الأدغال” كوميديا من اخراج محمد سالم وتمثيل فؤاد المهندس وصفاء ابو السعود. وعلى الرغم من توصيف أغلبية النقاد للفلم كونه كوميديا باهتة، إلا أنه كان يُخفي قصة مأثرة عظيمة! مأثرة شعب وقيادة ونُخب قررت المضي بالمشروع الذي بدأ في العام 1952 وعدم القبول بالهزيمة والاستسلام للعدو.
فلم أُنْتِجَ أيام كانت الأمة تُدافع وتُهاجم، في نفس الوقت، ولم تكن سلبية تنتظر أن يأتيها الفرج من السماء. لأنها ببساطة شديدة امتلكت مشروع سياسي كبير وشامل. مشروع بناء صرح نهضة عظيمة؛ تنمية شاملة صناعية، زراعية، علمية، أدبية وفنية تعزز الاستقلال الوطني.
مشروع قدره أنه كان يتعارض جذرياً مع المشروع الصهيورأسمالي المزروع في المنطقة. فتكالبت عليه ذئاب الرأسمالية وصنيعتها في المنطقة، بتعاون وتحريض من الرجعيات العربية، وشنت حرباً كان هدفها اسقاط النظام ومشروعه. إلا أن الشعب المصري العظيم رفض الهزيمة وأعاد قائده كي يتولى إدارة المشروع مجدداً! فبدأ الجميع ومن كل المستويات بإعادة تنظيم مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش المصري. حيث راحت مصر بقيادتها وشعبها وجيشها وفنانيها وادباءها ومؤسساتها الثقافية والإعلامية والأمنية تُعِدُ العُدة لحرب التحرير!
وعلى الرغم من مرارة الهزيمة العسكرية القاسية في الخامس من حزيران من العام 1967 واحتلال جيش الكيان الصهيوني لشبه جزيرة سيناء، إلا أن الروح الإيجابية كانت هي السمة الغالبة في الوعي العام. أخذ الجيش المصري المهزوم، بعد فترة قصيرة جداً، يُدافع… يَردع… ويُهاجم حتى تمكن من انتزاع المبادرة الاستراتيجية من العدو الصهيوني خلال فترة قياسية. وصار هو الذي يُقرر مكان وزمان المعارك، مدعوما بالتفاف شعبي لم يشهد له مثيل سوى في أيام النصر العظيم على بلدان العدوان الثلاثي في سنة 1956.
في تلك الفترة شهدت مصر قيام أبناءها بتنفيذ سلسلة من العمليات السرية، عسكرية ومخابراتية، ضد العدو الصهيوني. عَكَسَ القيام بتلك العمليات البطولية، سيادة الروحية الإيجابية لدى بنات وأبناء مصر في فترة الهزيمة! روحية لا تكتفي بالدفاع السلبي، بل بمهاجمة العدو أينما وجد وفي الأمكنة التي لا يتوقعها، وعدم تركه يشعر بالأمان.
“عماشة في الأدغال” واحدة من تلك العمليات السرية التي أخفت عملية تدمير الحفار الإسرائيلي في ساحل العاج في يوم المرأة العالمي الثامن من آذار من العام 1970. تلك العملية التي كان يُتابعها الرئيس المصري شخصياً.
حسب رواية “الحفار” للراحل صالح مرسي، فأن تقارير وردت الى الرئيس جمال عبد الناصر عن حصول الكيان الصهيوني من حكومة كندا على أحدث وأكبر حفار نفط في العالم، انتجته شركة كندية “كناديان بتروليم”. وسوف تستخدمه للتنقيب عن النفط والغاز في شبه جزيرة سيناء المُحتلة. اسم الحفار “كينتينج” ومن المقرر أن تديره شركة إيطالية.
ما زال الحفار في كندا حين وردت هذه المعلومات الى القيادة المصرية. في بادئ الأمر وفي محاولة دبلوماسية للحيلولة دون حصول الكيان الصهيوني عليه، وَسَّطَ عبد الناصر كل من نهرو وتيتو من أجل إقناع كندا وثنيها عن إرساله. وفي نفس الوقت كلف المخابرات المصرية بمراقبة الحفار، ومعرفة وسيلة نقله من كندا الى الكيان الصهيوني.
حين فشلت المحاولات الدبلوماسية، أعطى الرئيس ناصر أمراً الى المخابرات المصرية بالبحث عن الحفار وتدميره قبل وصوله الى سيناء. اعدت المخابرات المصرية خطط بديلة في حالة فشل أي خطة، كان آخرها تدميره في البحر الأحمر عند الضرورة كآخر حل. تمكنت المخابرات المصرية من متابعة الحفار وعلمت أن القاطرة التي ستقوم بنقله من كندا اسمها “جاكوب فون ليمز ايرو” ومملوكة الى شركة هولندية.
أُنيطت مهمة متابعة القاطرة الهولندية وتدمير الحفار قبل وصوله الى سيناء ب “محمد نسيم” الملقب بقلب الأسد. أعد قلب الأسد مجموعة من ثمانية من أفضل رجال الضفادع البشرية، من بينهم من شاركوا في عملية إيلات البطولية المعروفة.
وصل الحفار الى ميناء داكار في السنغال. ورغم أن السفينة رست قرب قاعدة فرنسية، مما يُصَعِب من مُهمة مراقبة السفينة، الا أن محمد نسيم قرر الانقضاض المفاجئ عليها والانسحاب بسرعة. ولكنها غادرت الميناء حتى دون استكمال إجراءات الصيانة الضرورية! وقبل وصول رجال الضفادع.
اتجهت القاطرة الهولندية بعد ذلك نحو ساحل العاج. ورست في ميناء “أبيدجان”. ولحس الحظ أنها رست على بعد كيلومتر واحد من غابة، اختارها محمد نسيم لتكون مكان لتصوير فلم سينمائي. التصوير هو عملية تمويه على العملية ولتسهيل تنفيذها. فتم احضار رجال الضفادع البشرية ورجال المخابرات، ومنحهم أسماء جديدة، وتسليمهم جوازات سفر مزيفة بصفتهم فريق عمل لفلم سينمائي مصري، حتى يتمكنوا من إخفاء الألغام والمتفجرات ومعدات وملابس الغوص بين معدات التصوير وقطع الديكور وملابس الممثلين. وبطبيعة الحال حضر طاقم التصوير والإخراج والممثلين والممثلات والراقصات من بينهم فؤاد المهندس ومحمد رضا وصفاء أبو السعود وسهير زكي ونجوى فؤاد وغيرهم.
ولحسن حظ أبطال العملية أن رجال الأمن في ساحل العاج انشغلوا في ذلك اليوم بتأمين حماية رواد الفضاء الأمريكيين الذي صادفت زيارتهم مع تصوير الفلم. وفي يوم الثامن من آذار من العام 1970 تسلل رجال الضفادع البشرية الى الحفار، ولصقوا على جدرانه الألغام والمتفجرات ونجحوا بتدميره، في واحدة من العمليات الخالدة لامتنا أيام كان لها مشروع نحن بأمس الحاجة الى إعادة احيائه!
يُقال أن المخرج محمد سالم أضاف الى المادة التصويرية في أبيدجان مشاهد جديدة وأخرج منها فلم “عماشة في الأدغال” من تمثيل محمد رضا وفؤاد المهندس وصفاء ابو السعود… وعلى الرغم من التهريج والكوميديا الباهتة في الفلم حسب بعض الآراء، إلا أنه حقق أعلى الإيرادات
عند عرضه في العام 1972!
‎2021-‎03-‎09