لا معنى لمفهوم حقوق الإنسان في القاموس الجمهوري والديمقراطي الأمريكي.. ملف خاشقجي والشمراني تحت المجهر!
فاطمة عواد الجبوري.
تبريرات غير منطقية وخارجة عن السياق العام هي ما قدمته الإدارة الجديدة لتبرير امتناعها عن فرض عقوبات على ولي العهد السعودي في قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي. لم تكن التكهنات التي تنبئت بفرض عقوبات على ولي العهد السعودي مبتنية على أهواء أو عداوة شخصية مع ولي العهد. ولكنها كانت بناء على تصريحات سابقة للإدارة الأمريكية الحالية ادّعت فيها مراراً وتكراراً بأنها ستعاقب من كان ضالعاً بعملية الاغتيال.
ولكن وبعد أن تمّ نشر تقرير وكالة المخابرات والذي اتهم صراحة ولي العهد بالوقوف خلف هذه العملية، تراجعت إدارة بايدن عن فرض عقوبات أو معاقبة ولي العهد دون تقديم أي مبررات تذكر. في ذات السياق كثرت التكهنات حول الأسباب الحقيقية التي دفعت بايدن للتراجع. فالبعض استند في تحليلاته إلى العلاقة الاستراتيجية القديمة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، واعتبروا أن معاقبة ولي العهد يضر بهذه العلاقة، كما أن الظروف غير مناسبة لتغير كبير في شكل العلاقة مع الحليف القديم الجديد. والبعض الأخر قدم تحليلاته بالاستناد إلى دور السعودية في مواجهة إيران (وكأن إيران ترغب باحتلال العالم كله)، وينطلق هذا الفريق بكل تأكيد من قواعد راسخة وخطط استمرت لسنوات. كما دُفع لهؤلاء ملايين الدولارات لصرف النظر عن العدو الرئيسي وهو “إسرائيل”، واستبداله بعدو وهمي هو “إيران” (وهذا نهج تتبعه أغلب وسائل الإعلام العربية التابعة لمحور التطبيع مع إسرائيل).
ولتوضيح موقف الفريق الأخير، يجب القول بأنّ إسرائيل منذ نشأتها واغتصابها للأرض العربية في فلسطين المحتلة، أقامت استراتيجيتها على اختيار عدو لها. وفي مرحلة متأخرة وبعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة، حوّلت إسرائيل اهتمامها من صدام حسين إلى الجمهورية الإسلامية في إيران. وفي ذات السياق وفي سبيل التقرّب نحو العرب، عملت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية على إظهار بأن عدو العرب هي إيران وليست إسرائيل. وتحركت العديد من وسائل الإعلام العربية في هذا السياق وصورّت إيران على أنها العدو الأول للعرب، في الوقت الذي لم تتحرك فيه إيران إلا بطلب من الحكومات الشرعية العربية وانطلقت من مبدأ نصرة الأخوة المسلمين أينما كانوا. وعلى الرغم من هذا التحليل، إلا أنّ ما يفترض بأن السعودية محور مهم في مواجهة إيران هو تحليل بعيد الواقع. والحقيقة هي أن امتناع الولايات المتحدة عن معاقبة بن سلمان نابع من الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة في مواجهة الصين. هذه المواجهة التي تظهر في شكل حرب اقتصادية أكدّ عليها ترامب مرّات عديدة وسيستمر بها بايدن كذلك.
التنين الصيني وقدراته الاقتصادية الهائلة، ينتظر أي دولة تخرج من المعسكر الأمريكي ليتم ضمها إلى المحور الصيني. وفي الوقت الذي شهد العالم تراجعا اقتصاديا مخيفا بعد جائحة كورونا فإن الصين شهدت انتعاشا اقتصاديا جيد نسبيا وينتظر لهذا الانتعاش أن يرتفع في العام الحالي. ناهيك عن حرب أسواق الطاقة والنفط والذي يشهد اليوم ارتفاعاً جيداً للغاية من الممكن أن يساعد الصين إذا ما عززت علاقتها بالسعودية، خصوصا بعد توسيع مبادرة الحزام والطريق أو ما يعرف باسم “حزام واحد وطريق واحد”.
ولكن السؤال الأهم هو ما هي النتائج التي تترتب على عدم معاقبة ولي العهد:
تعتبر عدم معاقبة ولي العهد رسالة للدكتاتورين والطغاة بأن هناك دوما إمكانية للإفلات من العقاب. وهذا ما أكدته مقالة نُشرت في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز”.
هي رسالة سيئة للمعارضة السعودية بأن المصالح تتطغى على حقوق الإنسان.
هي تأكيد على الكيل بمكيالين من قبل الولايات المتحدة، إذ أن الولايات المتحدة هذا هو ديدنها منذ الحرب العالمية الثانية. إذ لا معنى لحقوق الإنسان في القاموس الأمريكي وهذا الأمر لا يختلف مع قدوم إدراة ديمقراطية أو جمهورية.
إن من أخطر النتائج المترتبة على عدم معاقبة ولي العهد هو تأثير هذه الرسالة على الداخل الأمريكي. فهذا يعبر عن حقيقة مرة بأن الولايات المتحدة لا تهتم أبدا بمواطنها الأمريكي كذلك. إذ أن ولي العهد السعودي هو نفسه الذي أمر بقتل خاشقجي وهو نفسه أمر بإرسال محمد الشمراني إلى الولايات المتحدة ليتلقى تدريباً عسكريا هناك. ومحمد بن سلمان يتحمل هذه المسؤولية بوصفه وزيرا للدفاع. محمد الشمراني الذي أطلق النار في عملية إرهابية ضد أصدقائه في القطعة العسكرية وأدى إلى مقتل وجرح عدد من الجنود الأمريكيين في ولاية فلوريدا في 2019. ورفعت عائلات ضحايا هذا الهجوم دعاوى قضائية ضد الحكومة السعودية وولي عهدها، ويدّعي هؤلاء بأنه كان ينبغي على الحكومة السعودية التأكد من شخصية الشمراني العدائية وبأن لديه ميول إرهابية قبل إرساله إلى الولايات المتحدة. إن خطوة بايدن هذه تعرّض حياة الأمريكيين للخطر وترسل رسالة واضحة لهم كذلك بأنّ حياة أبنائهم الذين قتلوا أو سوف يُقتلون في هجمات إرهابية مصدرها السعودية سيكون مصيرها مصير ملف خاشقجي.
‎2021-‎03-‎08