هل هي الجولة الأخيرة لإصلاح الأوضاع في تونس؟
بقلم أعلية العلاني* 

في تونس، الكل يتحدث اليوم عن شبح الإفلاس سواء من رجال السلطة أو من المعارضة. والكلّ ينادي بحوار اقتصادي واجتماعي. فهل تُحَلّ الأزمة بالحوار فقط أم بحزمة من الإجراءات الجذرية التي تَمُرّ بنا من دولة المحظوظين إلى دولة المواطنين.
1) ما هو جوهر المشكل الحقيقي؟
يتمثل هذا المشكل في ثلاثة عناصر: أولا، تأخر الإصلاحات السياسية (في مجال الهيئات الدستورية وتغيير نوعية النظام السياسي والانتخابي إلخ)، وثانيا، تأخر الإصلاحات القضائية بما يدعم استقلالية فعلية للقضاء، وثالثا، ضبابية الرؤية بخصوص خطة الإنقاذ الاقتصادي. وفي هذا الإطار نجد تَوَجُّه وزير المالية إلى واشنطن لحضور اجتماع صندوق النقد الدولي أملا في الحصول على قروض بفوائض ضعيفة لتمويل الميزانية لن يكون سهلا هذه المرة إذْ عليه أن يحمل معه إمضاء رئيس الحكومة ومحافظ البنك المركزي ورؤساء منظمات المجتمع المدني وفي طليعتها اتحاد العمال واتحاد الأعراف، والتزام صريح بتخفيض كتلة الأجور وتقليص الدعم وحَوْكمة جديدة للمؤسسات العمومية.
2) هل هي الجولة الأخيرة في الإصلاح؟
لم يَعُدْ رفْع الشعارات المجردة مفيدا هذه المرة. فلا الحكومة قادرة على تأمين الأجور في حال تواصل انسداد الوضع السياسي، ولا اتحاد الشغل قادر على الدفاع عن مصالح العمال في صورة ارتفاع وتيرة المُسَرَّحين من الشغل، ولا اتحاد الأعراف قادر على حماية النسيج الاقتصادي الذي أنفق أموالا طائلة لمدة عقود من أجل إنشائه. فالجميع مطالبون بقراءة عقلانية لهذه الأزمة. وبإمكان اتّحاديْ العمال والأعراف وكذلك الحكومة الاتفاقُ حول عقد اجتماعي جديد يتضمن منْوالا جديدا للتنمية يعيد النظر في منظومة الدعم، ويعطى مساحة أكبر للاقتصاد التضامني، ويعتمد حوْكمة جديدة للمؤسسات العمومية وتغطية صحية تشمل الفئات المُسرّحة والفئات الهشة. وبإمكان اتحاد الأعراف إنشاء صندوق مالي هام، مناصفة بينه وبين الحكومة يُخصص لتمكين الشباب من إنشاء مشاريع، وصندوق مالي آخر يشترك فيه الاثنان يخصص لتطوير البنية التحتية خاصة في مجال الجسور والطرقات والسدود وهو ما من شأنه أن يمتص جزءا لا بأس به من العاطلين عن العمل ويُشجّع المستثمرين على إقامة مشاريع لهم في دواخل البلاد. وسيكون تحقيق هذه الإصلاحات حَبْل النجاة الأخير لمنع سقوط مدوّ لما بقي من الدولة التونسية. ولاستكمال هذه الإصلاحات لا بد من الشروع من الآن في تصحيح الخارطة السياسية والحزبية في البلاد.
3) هل حان الوقت لتشبيب القيادات السياسية والحزبية في الحكم وفي المعارضة؟
تزامنا مع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقضائية المذكورة آنفا لا بد من خوض تجربة تَشْبيب القيادات السياسية وتصحيح الخارطة الحزبية بخلق تكتلات حزبية كبرى تستند إلى أربع أو خمس عائلات فكرية وسياسية. وحبذا لو يقتنع شيوخ السياسة في بلادنا بضرورة الانسحاب من المسؤوليات الحزبية والسياسية وتسليم المشعل لقيادات شابة لأن معظم الوجوه القديمة في تونس استُهْلكتْ ولا تصلح لمواجهة التحديات القادمة. ويمكن لشيوخ السياسة الاكتفاء بتقديم النصح وعُصارة تجاربهم عبر جمعيات ورابطات ومراكز دراسات يُنشئونها. وإذا تأمّلنا ما يحدث حاليا من تغييرات في عدة بلدان عربية شرقا وغربا أدركنا أن منظومة الحكم السائدة منذ عُقود استَنْفدت أغراضها، وشبابُنا العربي قادر على تقديم قيادات سياسية كُفْأة في كل المجالات على غرار البلدان المتقدمة. ولي ثقة في قدرة هذا الشباب على النجاح في تحقيق الانتقال من دولة المحظوظين إلى دولة المواطنين، لأنها هي الدولة التي تنجح في مكافحة الإرهاب ومقاومة الفساد وتحقيق الازدهار الاقتصادي وتفجير طاقات الإبداع.

أكاديمي ومحلل سياسي*
‎2021-‎03-‎06