مصر والسودان .. هدف إستراتيجى أم تكتيك مرحلى ؟!!
بقلم / ياسر رافع.
تحظى الزيارة المرتقبة للرئيس المصرى ” عبد الفتاح السيسي ” للسودان فى السابع من الشهر الجارى ، بتغطيه خاصه فى وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية ، نظرا للعوامل السياسية المحيطة بكلتا البلدين الشقيقتين . ولكن الزيارة تأتى فى ظروف أقل ما توصف بأنها مختلفة جذرية عن زيارة قام بها الرئيس المصرى فى العام 2015 حيث شهدت تلك الزيارة توقيع إتفاقية ” إعلان المبادئ ” بين مصر والسودان وأثيوبيا كإطار للتعاون حول ملف سد النهضة ، ولكن بعد مرور ست سنوات تأتى تلك الزيارة المرتقبة محملة بتغيرات كثيرة وعميقة ، حيث وصول المفاوضات حول سد النهضة إلى طريق مسدود بسبب التعنت الأثيوبى ، وقيام الثورة السودانية التى أوجدت نظاما سياسيا جديدا بديلا عن نظام الرئيس المخلوع ” عمر البشير ” ، وما جرى فى نهر العلاقات المصرية السودانية من تغييرات مهمة وملفتة ، حيث التعاون بين البلدين قد وصل لمستويات عالية تعكس عمق العلاقات الأخوية بينهما ، وتلاقى وجهتى نظريهما حول موضوع سد النهضه ، مما حدا بأثيوبيا إلى إظهار روح العداء تجاه السودان ، مما جعل من التعاون المصرى السودانى يشهد دفعة كبيرة نحو الشراكه الإستراتيجيه لمواجهة التحديات المشتركة التى تهدد امنهما معا .
منذ أيام إنتهت زيارة رئيس الأركان المصرى الفريق ” محمد فريد ” قام بها للسودان ، ضمن وفد عسكرى رفيع المستوى لبحث سبل التعاون العسكرى بين مصر والسودان ،وقد صرح فى نهاية الزيارة بأن هدف الزيارة هو سعى القاهرة ” لترسيخ الروابط والعلاقات مع السودان فى كافة المجالات خاصة العسكرية والأمنية والتضامن كنهج إستراتيجى تفرضة البيئة الإقليمية والدولية ” و ” أن السودان ومصر يواجهان تحديات مشتركة وأن هناك تهديدات متعددة تواجه الأمن القومى فى البلدين “
ما الذى حدث فى السودان ليجعل من زيارة الرئيس المصرى ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية ، هدفا لتسليط الأضواء عليها ؟!!
……………………………………………………………………….
مع إندلاع المظاهرات ضد نظام الرئيس ” عمر البشير ” المتحالف مع التيار الدينى فى السودان ، فقد بدا واضحا أن السودان على موعد مع تغيييرات كبرى ليست فقط فى الداخل السودانى ولكن مع محيطة الإقليمى والدولى ، ولم يكن مشهد المرأة السودانية ” الكنداكة ” وهى تقف عاليا تغنى وتحمس الشباب الثورى وتدفعه لتغيير الأوضاع ، إلا إستدعاءا عفويا من الضمير الجمعى السودانى الذى لم ينس أنه صاحب حضارة وأنه يجب أن يكون له مكان فى المستقبل بين الأمم المتحضرة ، حيث تمثل ” الكنداكة ” لقبا للملكات الحاكمات للحضارة النوبيه القديمة فى السودان ذات التاريخ العريق .
ومع مرور التحول السياسى فى مسارة بمساعدة الدول الإقليمية والدولية ، وظهور كيان سياسى جديد ، جعل من السودان يخطو خطوات واسعة نحو الإندماج مع العالم بعدما عزلها نظام البشير وجعلها هدفا للعقوبات الدولية ، إلا أن الكنداكة السودانية فوجئت بتداعيات موروثه جعلتها تستدعى مظاهر القوة لمواجهة تعنت أثيوبى فى ملف سد النهضه ناتج عن تصورات خاطئه لنظام البشير ، ومواجهة محاولات إثيوبية متكررة لإغتصاب الأراضى السودانية  ، الأمر الذى جعلها تستدعى الموروث الحضارى والدينى واللغوى لتحسين العلاقات المتوترة بينها وبين شقيقتها فى الشمال ” مصر ” ومحو ما لحقها من آثار نظام البشير ، وهكذا ظهر التعاون العسكرى والتدريبات الجوية المشتركة ، لتعطى إشارة واضحة للجارة الجنوبية أثيوبيا بأن السودان ومصر لن يفرطا فى حقوقهما مهما حدث حتى ولو إضطرتا لإستخدام القوة المسلحة لإنتزاع الحقوق، وهو ما جعل من أثيوبيا تعادى النظام السودانى وتتهمة بالعمالة ” لطرف ثالث ” تلميحا على مصر ، وهو ما رفضته ” الكنداكة ” السودانية الآبيه ، التى إستعادت قواتها المسلحة الأراضى التى إحتلتها آثيوبيا وقت إشتعال الثورة السودانية ، وهو ما أعطى إشارة بأن السودان لن يقف مكتوف الأيدى مع التعنت الأثيوبى فى ملف سد النهضة خصوصا وأنه قد تضرر بشدة من جراء الملء الأول للسد .
ما سبب تلك الإنتفاضة السودانية القوية والتى جعلتها كطائر الفينيق الأسطورى ؟!!
…………………………………………………………………………
لقد كانت الثورة السودانية مبعث قلق وترقب لدى الدول الإقليمية والدولية ، لما يمثله السودان من أهمية إستراتيجية ، لهذا ليس مستغربا أن نجد إهتماما عالميا لما يحدث فى السودان ، وأحتل الأمن الإقليمى والدولى أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافى ، فقبل نهاية نظام البشير ، قام الرئيس ” عمر البشير ” بعقد إتفاقية مع روسيا يتم بموجبها إعطاء روسيا قاعدة عسكرية بحرية على البحر الأحمر ظنا منه أنها ستكون حماية لنظامه من أمريكا ، لكن القدر لم يمهله وسقط النظام ، لكن الروس طالبوا بتنفيذ الإتفاقية لكن ظهور السفن الحربية الأمريكية فى الموانئ السودانية عقد المشهد الأمنى السودانى ، وأصبح السودان المهدد من تداعيات سد النهضة والحرب فى ليبيا ، وصراع مكتوم من القوى الكبرى على الكعكه السودانية ، كل هذا وسط مشهد إقتصادى وسياسى وإجتماعى داخلى معقد ، مما جعل النظام السودانى مدفوعا للتعاون الحيوى والضرورى مع النظام المصرى الذى لدية رغبة عارمة لا تقل عن نظيرة السودانى لتلبية الرغبة السودانية مدفوعا بأسباب أمنية إستراتيجية تهددة فى حال عدم التعاون .
فماذا يقدم الطرف المصرى للطرف السودانى ليجعل أمنهما القومى فى حالة أمان ؟!
………………………………………………………………………………….
أعتقد أن الزيارة المرتقبة للرئيس المصرى سيغلب عليها التهديد الأمنى المشترك بين مصر والسودان ، وعليه فإن على القاهرة أن تقدم للخرطوم ضمانات أمنية فعليه ، وهى قادرة نظرا للقدرات العسكرية المصرية والخبرة الكبيرة ، وأن التدريبات الجوية المشتركة ” نسور النيل 1 ” التى بدأت كإشارة لا تخطأها العين ، يجب أن تتحول إلى شراكة إستراتيجية ممتدة ، وأن تتحول القاعدة البحرية الجوية المصرية على البحر الأحمر ” برنيس ” إلى مظلة حماية تكون بديلا لتصارع القوى الدولية لإنشاء قواعد بحرية ، إلى حين أن يستطيع السودان أن يقف على قدميه وينمى قدراته العسكرية الذاتية .
وعلية يجب أن تدرك القاهرة ، أن الشراكة الإستراتيجية مع الخرطوم هى أمر حتمى تفرضة ضرورات الأمن الإستراتيجى والقومى كما تحدث رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية ، وأن أى محاولة لجعل تلك الزيارات والإتفاقيات مع السودان مناورات تكتيكية تنتهى متى حلت قضايا الأمن المائى مع أثيوبيا ، فإن ذلك سيجعل من الصدام مع النظام السودانى أمرا واردا ، ويضع السودان فى موقف البحث عن حليف إقليمى ودولى حتما لن يكون فى مصلحة مصر .
…………………………………………………………………………….
مصر والسودان لأول مرة فى التاريخ الحديث يقفان على حافة الخطر منذ الإحتلال الإنجليزى ، حيث تهددهما تداعيات المشهد الإقليمى والدولى ، ومحاولات دول إقليمية ودولية خصم من رصيدهما ، وتقويض أمنهما القومى ، وتصدير الإرهاب لداخلهما ، لهذا تمثل زيارة الرئيس المصرى للسودان فرصة تاريخيه للبلدين من أجل بناء شراكة إستراتيجية لا تشمل قضايا الأمن فقط ، بل تتعداها إلى الشراكة فى جميع المجالات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية ، بما يحقق مصالح البلدين .
لذلك يجب أن تكون الزيارة رسالة قوية ومؤثرة لأثيوبيا ، لتكون بداية النهاية لأزمات ملف سد النهضة وأزمة الحدود السودانية الأثيوبية ، ورسالة للشعبين المصرى والسودانى بأن زمنا جديدا بدأت تشرق شمسه الذهبية على ضفاف النيل . 
‎2021-‎03-‎06