نحن العرب: من نحن وإلى أين؟ – الجزء الرابع!

د.عبدالحق العاني.
عقدة النقص الأولى.
لم يجد اليونانيون من سكان حوض البحر الأبيض المتوسط صعوبة أو حرجا في تقبل الدين الجديد الذي نشره أتباع السيد المسيح (ص) وذلك لأنهم من أبناء المنطقة وورثة فكرها وكل تطور أو جديد ينتج عنه. أما أهل روما فالحال معهم كان مختلفاً.
يمكن تبسيط أصل الأوربي بالحديث عن إنه بالرغم من تعدد الأقوام التي استوطنت وسط وغرب أوربا إلا انه يمكن تحديد عنصرين متميزين فيهما وهما العنصر اللاتيني والعنصر الجرماني. وأغلب سكان وسط وغرب أوربا اليوم هم نتيجة التزاوج بين هذين القومين ويثبت ذلك لغات القوم اليوم فهي في الغالب إما لاتينية كما هو الحال في ايطاليا وفرنسا والبرتغال وأسبانيا وإما جرمانية كما هو الحال في ألمانيا والنمسا وهولندة ودول اسكندنافيا (باستثناء فلنده). أما اللغة الإنكليزية فهي مصداق ذلك التزاوج لأنها خليط من اللاتينية والجرمانية والتي تمثل الناتج الأوربي الذي وصفته سابقا وتنطق في بريطانيا، ثم سادت لسانا في المستوطنات التي احتلها الأوربي في شمال القارة الأمريكية واستراليا ونيوزلندة وجنوب افريقيا. إن وجود لغات أخرى في وسط أوربا وغربها تختلف في الجذر عن اللاتيني والجرماني ليست دليلا على تناقض ذلك لتعريفي للأوربي بل هي على العكس حيث إن وجود هذه اللغات في الجزر البريطانية وأسبانيا والمجر وفلنده، على سبيل المثال، تثبت النظرية في سيادة الأوربي واستضعافه للقبائل التي سبقته في أوربا أو تعايشت معه لاحقا بصعوبة كما هو الحال للأسكتلندني والباسك والكاتلوني.
أما شرق أوربا فقد سبق أن بينت أن أهلها في الغالب هم من السلاف الذين لا يريدهم الأوربي لكنه لم يتمكن من استعبادهم ولا تطهير الأرض منهم برغم كل المحاولات على مر التأريخ.
واستوطن اليونانيون جنوب ايطاليا وجزيرة صقليا من القرن الثامن ق م. لذا فان القبائل الرومانية تأثرت مبكرا باليونانيين فأخذوا عنهم الأبجدية والمقاييس والعملة والآلهة والإدارة والتجارة والصيرفة بل حتى بناية المعابد. وقد بلغ تأثير وتمكن اليونانيين من روما حدا جعل الإمبراطور فالنتنيان الثاني أن يأمر بطردهم من روما مما نتج عنه مجاعة فالغى القرار.
كانت اللغة اللاتينية لغة القبائل التي سكنت حول روما بحدود عام 75 قبل الميلاد وهي بل شك متاثرة باليونانية التي أخذت عنها الأبجدية والتي أخذها اليونانيون من الكنعانيين كما اسلفنا. ثم توسعت مملكة روما لتصبح إمبراطورية ضمت في قمة مجدها أغلب أوربا كما نعرفها. واستعار الرومان آلهة اليونان وإن غيروا أسماءها فإن الهدف كان واحدا في تقديسها.
وحين ولدت النصرانية/المسيحية على يد اليونانيين فقد تنصر عدد من الرومان على أيديهم. وعانى أولاء لقرنين ونصف أشد المعاناة على يد الرومان كما هو الحال في أية ديانة جديدة تسفه أفكار القديم. حتى يقال إن نيرو أدعى ان حريق روما عام 64 كان بسبب النصارى فأعدم العديد منهم. وتقول الرواية إن من بين الذين اعدموا في ذلك الوقت كان سمعان الذي قال له السيد المسيح (ص) “يا سمعان اأنت الصخرة وعليك أبني كنيستي”، وحيث إن كلمة صخرة هي (بتروس) في اللغة اليونانية فهكذا ولد الإسم (بطرس) عند النصارى. ولعمري لا أدري لماذا عدل اخوتنا النصارى عن اسم (سمعان) السامي الذي استعمله السيد المسيح (ص) الى الإسم (بطرس) الغريب! ولا بد أن أستدرك هنا بالقول إنه لا يوجد أثر تأريخي يدل على ان سمعان/بطرس زار روما، لكن هذا ليس مهما فالتأريخ تصنعه القناعات ولا يقتضي أن تصنعه الأحداث.
وانتصر الفكر المسيحي بشكل تدريجي بسبب المبادئ السامية التي جاء بها والتي لم يتمكن الفكر الوثني الروماني أن يأتي برد عليها إضافة للتفاني العجيب للنصاري الأوائل في الدولة الرمانية. ودخل الدين الجديد بيت الإمبراطور، فليس مهما ما اذا كان الإمبراطور قسطنطين (306- 337) قد تنصر هو أولا أم تنصرت أمه هيلينا وتبعها هو. إنما المهم أن الإميراطورية أعلنت تنصرها رسميا عام 312 وأعلن الإمبراطور فتوى ميلانو عام 313 التي حرمت تجريم الديم المسيحي.
وهذا هو العام الذي ولدت فيه عقدة النقص الأولى لدى الأوربي والتي ما زالت قائمة وما زالت تلعب دورا رئيسا في خططه وسلوكه مع منطقتنا.
فالرومان الذين أقاموا امبراطورية حكمت أوربا اكتشفوا انهم بحاجة لعقيدة دينية لكنهم لم يقدروا أن يأتوا بواحدة فأخذوا العقيدة الدينية التي ولدت في ذلك الوقت في منطقتنا في مبادئ السيد المسيح (ص). فلم تنفعهم قوتهم ومجدهم حين انتهى الأمر بهم يأخذون دينهم من قوم كانوا يحتلونهم وينظرون اليهم بازدراء. فقد انتهى الروماني يعبد ربا ولد بيننا. وتلك هي عقدة النقص الأولى. وبرغم كل محاولات روما خلال القرون التي تلت ذلك الإنتقال للسيطرة على الدين والتحكم به عن طريق خلق المرجعية الدينية في الفاتيكان وإدارة المؤتمرات الكنسية وجعل اللغة اللاتينية لغة القداس فإن الحقيقة التي ولدت عام 312 وما زالت حتى اليوم هي أن الأوربي أخذ دينه عن الساميين وما زال ربه ساميا في كل شيء في الولادة والأصل والإنتماء والفكر.
ولكي اقرب معنى عقدة النقص هذه التي تعيش في عمق نفسية الأوربي سواء أحس بها أم لم يحس فإني اعقد موازنة بينها وبين عقدة النقص التي يحس بها العربي اليوم تجاه الأوربي الذي يمتلك ناصية العلم والتقنية. فكما إن هذا العربي يحس بمرارة الحالة التي هو فيها في أن يأخذ كل العلم والتقنية عن الأوربي فكذلك حال الأوربي الذي مهما حاول أن يزدري بنا فهو يدرك انه يعبد ابننا.
وأحتل البرابرة الجرمان روما فسقطت عام 476. لكن ذلك لم يغير من تمكن الدين المسيحي من أوربا تمكنا كاملا. فانتقلت الإمبراطورية الرومانية للشرق فسميت الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت حتى سقوك القسطنطينية عام 1453 على يد الخليفة العثماني محمد الثاني.
وكان وجود الرومان في بلاد الشام حتى ولادة الإسلام تأكيدا لعقد النقص تلك في انهم أولياء الدين والحريصون عليه والمدافعون عنه.
وحين انحسر الوجود الروماني عن منطقتنا فإن ذلك لم يضع نهاية لشيء فقد ظلت عقدة النقص الأولى تتحكم بالفكر والسلوك الأوربي تجاهنا. إن كل ما حدث هو ان انشغال الأوربي بمشاكله المحلية هو الذي أجل لفترة من الزمن محاولاته للتعويض عن عقدة لنقص الأولى وذلك قبل أن تولد عقدة النقص الثانية التي تلت قيام الدولة الإسلامية وانتشار الفكر اليوناني على يد العرب.
هذا ما سأحاول بحثه في القادم..
فللحديث صلة….
‎2021-‎03-‎04