محطة “مجاورة” وإبعاد الشباب عن خطر “الهامش” تجربة خضتها مؤخراً..!

بقلم بكر السباتيتن..

قبل الحديث عن محطة” المجاورة” دعونا نستذكر أجمل ما قيل عن الجار وحسن الجوار .. فمن منا لا يعرف المثل الشعبي القائل: الجار قبل الدّار؟ هذه العلاقة بين الجيران ومدى تأثير الجار على جاره سلباً وإيجاباً جعلت من الجيرة موضوعاً مهماً حتى في الشِّعر العربي.

يتناول الشُّعراء والحكماء علاقة الجيرة من باب الحقوق والواجبات، فللجار على جاره حقٌّ لا بد من احترامه وصيانته لينعم الجيران جميعاً بالسَّلام والاستقرار والأمان في بيوتهم وخارجها،.

لذلك يفتخر أبو فراس الحمداني بشيمه وخصاله في جيرانه فيقول:

“أنا الجارُ لا زَادي بَطيءٌ عَليهمُ ولا دُونَ مَالي لِلحَوَادثِ بَابُ

ولا أطلُبُ العَورَاءَ مِنهُم أصِيبُهَا، ولا عَورَتي للطَّالِبِينَ تُصَابُ

وأسطُو وحُبِّي ثابِتٌ في صُدورهِمْ، وأحلُمُ عَن جُهَّالِهِمْ وأُهَابُ”.

من هنا يأتي مفهوم “المجاورة” وقد تعبق الجوار برائحة الطيب التي تجلب الوفاق والفرح.. وتؤلف بين القلوب.. وتساعد على التعاون والتثاقف البناء وترسيخ عرى المحبة والوئام بين الجيران.. فالجار أوشك أن يورثه الرسول الكريم بحكم القرابة المكانية،

وإحدى البرامج التفاعaلية الناجحة التي انبثقت من مفهوم الجيرة العميق بكل أبعاده، كانت محطة “المجاورة” التي تمتد بين الفترة 14 – 19 فبراير 2021. حيث أثبتت جدواها في التغيير وإعطاء الشباب هامشاً من الحرية الإيجابية، والتغلب على التردد والخوف.

ومحطة “مجاورة” مشروع تنموي ثقافي تشرف عليه “مساحة ليوان الشبابية” مع منتدى خدمة السلام المدني “ForumZFD” حيث “يجاور” أو يتفاعل بعض النخب الشبابية مباشرة مع من يجدون فيهم النماذج الناجحة من الشخصيات الأردنية الفاعلة في كافة الصعد.. وقد حظيت بفرصة المجاورة لثلاث شابات مبدعات وقع اختيارهن عليّ من خلال القائمين على المشروع.. وهن:

– ديالا محمد برجا.. طالبة طب سنة ثانية مهتمة بعلم النفس والفلسفة والرسم والتأثير بالآخرين والتطوع من خلال تعليم الآخرين والتعلم منهم.. رسالتها أن تترك أثراً في حياة الآخرين كمعالجة وطبيبة.
– رسميه سامي عبد العال.. خرجية إدارة عامة.. تهتم بعلم النفس والفلسفة والجانب الإنساني من خلال مساعدة الآخرين، لديها القدرة على تعليم اللغات وتحديداً العربية.. تسعى من خلال محطة “المجاورة” لتحقيق وايجاد ذاتها، تهتم بنقد العادات والتقاليد السلبية، وتهتم بمعالجة المشاكل والقضايا المجتمعية التي تتعلق بالمرأة والطفل.
سهير ماهر كردية، وهي طالبة تدرس اللغتين الإنجليزية والصينية في الجامعة الأردنية.. تحب الرسم والعزف على البيانو وتسعى الى التَمَيز والقدرة على التأثير في المجتمع، وأن تكون مثلاً أعلى للأجيال القادمة، شغوفة بالثقافة العلمية، والتطوع والعمل المجدي والإعلام، وهي عضو اتحاد الطلبة بالجامعة الأردنية، مبتدئة بالتصميم.
ويأتي اختيار الفريق لي شخصياً من باب الرغبة الجادة للاستفادة من تجربتي الثقافية وتحفيزهن على النماء.. وقد لمست فيهن قدرة متفردة على التفاعل الإيجابي المثمر..
وتجدر الإشارة إلى أن محطة “المجاورة تهدف إلى تنمية ورفع الجاهزية للعمل في المجال المجتمعي، من أجل تطوير الذات وتعزيز المشاركة البناءة للفئة الشبابية المهتمة أو المنخرطة في العمل المجتمعي والتطوع والعمل العام.
فقد لفت انتباهي أهداف محطة “المجاورة” البناءة كونها تساعد على إخراج الشباب من منطقة الهامش والعزلة، والنأي بهم عن خطر التطرف الداهم، وتحررهم من التبعية السلبية في إطار القطيع المسلوب الإرادة، وتنقلهم إلى منطقة المركز والعطاء والوعي والقبول بلآخر.
وقد سعيت جاهداً من منطلق ما أنيط بي في إطار تجربة”المجاورة” تحقيق تلك الأهداف اعتماداً على قبول المشاركات في محطة “المجاورة” للتجربة بكل أبعادها وشروطها الموضوعية بكل وعي؛ بغية اكتساب ما يتاح لهن من خبرات المُجَاِوْر.. وهو ما ساعدني على الانفتاح عليهن بكل تجاربي.. فالمجاورة بالنسبة لي كانت مسؤولية ثقافية وأخلاقية قبل كل شيء. فتعايشنا معاً التجارب وتبادلنا الخبرات واعترفن بأنهن اكتسبن المزيد من المعرفة من خلال العرض البسيط للمعرفة والتدريب القائم على المشاركة في كافة المجالات التي تعاملنا معها في سياق هذه التجربة البنائية الثقافية، فتدربن على كتابة القصة وفق شروطها الفنية، ومبادئ كتابة الرواية وكيفية كتابة السيناريو والحوار وبينت لهن في إطار تبادل الوعي بعض المفاهيم السائدة مثل اليمين واليسار وكيف يتطرف اقصاهما، وأفضل السبل لاختيار المواضيع المناسبة للقراءة حسب أهميتها، أو متابعة المواد البصرية عبر المواقع المنتشرة على الشبكة العنكبوتية وخاصة فيديوهات اليوتيوب ومحاذير الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي لذلك تناقشنا حول أهم تلك المحاذير من خلال البرمجة اللغوية والعصبية، فتعرفن على بعض المفاهيم السائدة مثل الإدمان الرقمي والشرائح الجلدية الإلكترونية التي تساعد على التحكم بالبشر من خلال الحفن تحت الجلد، أيضاً تقنية النيروفون ما لها وما عليها.. والهولوغراف. ثم تطرقنا في سياق هذه التجربة المتفردة إلى فلسفة الجمال للرقي بالذائقة الفنية، من خلال نظرية الألوان والتناسق.. وكانت الفرصة متاحة للتدرب على الرسم والتظليل.. ثم أنيط بالمشاركات تبني مشاريع إبداعية وفق ما يناسبهن للبناء عليها تحت إشرافي في إطار مخرجات هذه التجربة التفاعلية.
هذه محطة “مجاورة” التي وفرت فرصة للمشاركات للمعايشة ومبادلة الخبرات، وتقدير تنوع التجارب الإنسانية وتعددها، والتعمق في الأفكار والبديهيات، وتعزيز العلاقات بين المبدعين والشباب في تفاعل أتمنى لو تتاح له فرصة أوسع للانتشار في المشهد الثقافي الأردني كي تتحول إلى ثقافة شبابية، من خلال تعاون مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني مع وزارة الثقافة؛ لتعميم هذه التجربة وتوسيع أفقها..
وأخيراً أتمنى أن أكون قد نجحت في مجاورة من وقع اختيارهن عليّ.. لقد أثلج صدري تجاوبهن الإيجابي.. فخرجت بهذه الأبيات التي تمثل موقفي من هذه التجربة الفذة.. بعنوان”مجاورة الفوانيس”
تُرْخِي الكآبةٌ أدْلاساً إذا غَمَرَتْ مدارٍجَنا..
فتَنْحَجِبُ النجومُ عن الأنظار..
ويبحثُ كلُّ تائهٍ
عن ذاته ومسالِكَ الأسفارِ..
ويطيبُ للمنارةِ أنْ تجودَ
بأضواءِ المعارفَ
للذين يقارعونَ في الدُّجى الخطوبَ..
فيتاحٌ لي مجاورةَ الحمائمَ الهَتَّافَةِ
بما جادت حلاوةً وهديلَ..
ثلاثُ زُهَيْرَاتٍ نبَتْنَ في حرثِ السؤال..
يُطْرقْنَ سَمْعاً لأسرارِ النواقيسَ؛
حتى انبرتْ ريحُ المُنى
لجَحَافِلَ الظلام..
يفيضُ الأبلجُ الشافي نعيماً
وتنطوي الأسدافُ
في عقولٍ أيْنَعَتْ
ويُشِرقُ المعنى ويخضلُّ الربيعُ..
لمحتُ في عيونِهِنَّ الغضاضةَ والثناءَ..
وفي استحياءِ
تُزْهِرُ في ثُغورِهِنَّ زنابقُ الكلام..
فتستحمٌّ بعطرها الزرازيرُ
ويستوي الحوارُ..
ثلاثُ زهيراتٍ
عَشِقْنَ في الثّقافَةِ
ما لذَّ وطابَ..
ينتخلْنَ من عناقيدَ اللقاءِ
ما جادتْ به الرطبُ..
فيرتَشِفْنَ من عسلِ الثقافةِ
ما تجوُد به الأحلامُ ..
غمامةٌ يتظلَّلُ السؤالُ بها؛
لتُمْطِرَ السما قمحاً وفكراً..
مجاورةُ الفوانيسَ
اعتمارٌ للمنى وخيرُ آسٍ..
25 فبراير 2021
_________
*بعض المعاني التي وردت في النص
أدلاساً: ظلاماً- الأبلج: الوضّاء- أينعت: أزهرت- الغضاضة: الحياء والحرج
ينتخل: يقطف عناقيد البلح- الثغر: الفم- آسً: الطبيب.
 

2021-02-26