«لبنان الغربيّ» يترنّح يا نيافة الكاردينال؟
د. وفيق إبراهيم.
تجتمع معظم القوى الطائفية اللبنانية تحت عباءة نيافة الكاردينال الماروني في محاولة تاريخيّة جديدة لفرض نهج غربي على لبنان يجدد حلته التي اتسم بها منذ عشرينيات القرن الماضي.

هذه المحاولة تجمع بين نداء تاريخي لنيافته يطالب فيه بتدويل لبنان وبين أحزاب القوات والاشتراكي والمستقبل والكتائب التي تؤيّده وتذهب على منواله.

بداية، لا بد في المنطلق من تأكيد أن هذه الوجهة ليست طائفية لأنها تضمّ في مضمونها طيفاً كبيراً من أحزاب لبنان التي تعتبر فيها نفسها ممثلة لطوائفها وهي الحريري عن السنّة وجنبلاط عن الدروز وجعجع عن الموارنة ونيافة الراعي عن تاريخيّة الموارنة.

للتذكير فقط فإن الراعي هو وريث الكنيسة المارونية التي غطت الفرنسيين في تأسيس لبنان في النصف الأول من القرن العشرين.

لماذا يطالب هؤلاء بتدويل لبنان؟

الصراعات الداخلية اللبنانية المرتبطة بنوعين من الصراعات الاسرائيلية والتطور الداخلي، أدت بعد أربعة عقود من صراعات داخلية وخارجية الى تراجع الفئات المتحالفة مع الراعي داخلياً.

وأدّت الى إنتاج حزب الله تنظيماً لبنانياً كبيراً بوسعه أداء أدوار اقليمية هامة واذا كانت أحزاب الراعي مدعومة من الغرب وتقف على الحياد في الصراع مع «إسرائيل» التي احتلت لبنان أكثر من مرة ولا تزال تعتدي عليه يومياً، فإن أحزاب السوري القومي الاجتماعي وأمل وحزب الله والأحزاب الوطنية تعبر بصدق عن التفاعلات اللبنانية الوطنية، وتمكنت بقيادة حزب الله من إصابة المعادلة اللبنانية الموالية للغرب بارتجاج كبير.

لكن هذا النجاح الكبير أدرك مرحلة تقدم كبيرة استطاعت بموجبه القوى الوطنية من تأييد قوة تحكم لبنان ليست محسوبة عليها بشكل كامل لكنها تحكم بالتعاون الوثيق معها.

هذا المستوى أثار الطبقة التاريخية الحاكمة ودفعها الى الاستعانة بتغطياتها الخارجية، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي ماكرون لكن هذا العيار لم يؤمن المستوى المطلوب فانتفض الكاردينال الراعي لإعطاء زخم للفرنسيين في محاولة منه للتذكير بفرنسية تأسيس الكيان السياسي اللبناني المقتطع من سورية ودور الكنيسة المارونية في التحالف مع الانتداب الفرنسيّ لإنتاج لبنان غربي يمتلك الموارنة فيه حصة وازنة.

لكن التطورات التاريخية انتزعت من الموارنة الكثير من امتيازاتهم الانتدابية وأبقت لهم «غربية الدولة» ورئاسة الجمهورية، لكن التطورات المتسارعة وازدياد قوة الاتجاه المعادي لـ»إسرائيل» وارتفاع حدة الصراع العربي – الاسرائيلي وبالتالي اللبناني الاسرائيلي أثار رعب أحزاب الكاردينال ومعه الكنيسة وتساءلوا كيف يمكن منع تطور لبنان نحو دولة الاتجاه المستقل المعادي لـ»إسرائيل».

فمن يصدق ان المرحوم كمال جنبلاط الذي كان يقود الأحزاب الوطنية في الوجهة المعادية لـ»إسرائيل» أصبح يمتلك قيادات تلتقي بـ»إسرائيل» وقيادات اخرى تنادي علناً بطائفية لبنان ومنع حزب الله من أداء أدواره الوطنية؟ ومن يصدق أن الأحزاب السنية التي كانت تقف مع كمال جنبلاط في محور العداء للغرب ومحاربة «إسرائيل» تتهاوى وترثها قوات من المستقبل وبعض الدكاكين تنادي بالحياد في الصراع العربي الاسرائيلي.

هذا التدهور أثار رعب الكاردينال الراعي الذي بات يخشى من انقلاب الهوية اللبنانية الانتدابية على عهده وتحوّلها الى هوية لبنانية وطنية تقضي على لبنان وليد الانتداب الفرنسي والسيطرة الغربية التاريخية.

هذا ما جعل الكاردينال ينتفض داعياً الغرب الى التدخل في الشؤون اللبنانية وداعماً الأحزاب المطالبة أيضاً في التدويل.

الراعي إذاً خائف على هوية لبنان الغربية التاريخية والأحزاب التقليدية التي لا ترى امكانية لاستعادة قواها التاريخية إلا بالتدويل، اجتمعا على هذا المنحى الذي لا بديل منه.

فهل هذا ممكن؟

إن القوى الوطنية المناهضة للتدويل تمتلك وسائل عدة تجعلها أكثر قوة وطنياً وسياسياً وعسكرياً، فعلى المستوى الداخلي نجحت هذه القوى الوطنية بالإمساك بتأييد جمهور كبير يحوز على ميزة أساسية وهي انه منظمة وطنية غير طائفية لا تنتمي الى مناطق لبنان غير الطوائفية في طرابلس الى اميون والكورة وجبيل وجبل لبنان وصيدا والجنوب.

هذا لا يعني وجود قسم طائفي لا يعيب على الجمهور الكبير، خصوصاً في بلد طوائفي كلبنان.

ويحوز هذا القسم على دعم إقليمي بالسلاح والتمويل من سورية ولبنان مقابل التمويل الغربي الأميركي الأوروبي السعودي للقوى الأخرى.

هل يحقّ للكاردينال التدخّل في السياسة اللبنانية الوطنية الداخلية؟

أولاً هذا التدخل يشجّع رجال الطوائف الأخرى على النحو المماثل ما يؤدي إلى إلغاء تطور لبناني عمره ثلاثة أرباع القرن على الأقل.

وقد يشجع على حروب أهلية لهدفين عرقلة الدور الوطني للأحزاب في وجه مطامع «إسرائيل» وتسجيع التدخلات الاسرائيلية والغربية وفسح الطريق لإعادة الرشى السعودية الى لبنان.

لذلك فإن الدور السياسي للكاردينال غير مقبول لأنه يسمح بالتدخل الخارجي. كما انه يفتح أبواب لبنان لحروب أهلية.

النقطة الثالثة هي أن محاولات الراعي بالتدويل لن تنجح لأن القوى الوطنية اللبنانية اصبحت من القوة بمكان بحيث إنها تقاوم أي مشروع دولي نظراً للدعم الكبير الذي تتمتع به. بالإضافة الى قواها المسلحة التي لا يستهان بها.

لذلك فإن مشروع التدويل ساقط لا محالة لكن الموقع الوطني للكنيسة الوطنية يحظى دائماً باحترام شديد على أمل أن تنجح تيارات هذه الكنيسة بوقف تمادي الكاردينال وعبث الأحزاب.
‎2021-‎02-‎25