عقد على الفوضى” الخلاّقة” في ليبيا (3)!
————————
من حَرَضَ أوباما على إسقاط القذافي؟
سلام مسافر .
تجسد الهمجية التي قتل بها العقيد معمر القذافي ، والرقص لخمسة أيام بلياليها، حول جثمانه نصف العاري في مدن الملح ، عقلية وسلوك القائد نفسه مع شعب؛ بذل القذافي كل ما بوسعه لتكريس بداوته ، فاختار الخيمة لحكم دام أربعة عقود ، لم يحقق خلالها لبلد شاسع بموارد هائلة ، الا القليل من التنمية . خاض منظّر” الكتاب الاخضر” ، حروبا عبثية ، شملت رقعة جغرافية، تمتد من ايرلندا الشمالية، الى تشاد، والنيجر، مرورا بالسودان.
ودعم الحركات الانفصاليين بمن فيهم أكراد العراق وتركيا .
كنت آخر صحافي يمثل قناة تلفزيونية عالمية ” روسيا اليوم ” التقى القذافي وهو في سدة الحكم قبل انطلاق حملة الناتو العسكرية على ليبيا بيومين في اذار / مارس 2011 .جرى اللقاء في الخيمة التي رايت فيها وفي أثاثها
المغبر، نموذجا صارخا لنظام الحكم القائم على فكرة ان الشعب قطيع ، والسلطة هبة من السماء لمن إختاره الرب راعيا للأغنام، اذا تمردت خِرافه فان عملية تاديبية صغيرة تكفي لإعادتهم الى الطريق المستقيم .
وصلنا وفريق التصوير الى طرابلس من تونس التي تكدس على حدودها مع ليبيا في مركز ” ابو جدير ” الوف
الأجانب، الهاربين من مدن العقيد ،غداة اندلاع ما بات يعرف في الأدبيات السياسية الدولية بالثورة الليبية ، وظل العقيد المثقل بالزي البدوي الليبي ، يصفه بالتمرد
المسلح ؛لان ” ثوار ” بنغازي سرعان ما استولوا على ثكنات الجيش ومخازن الاسلحة وبدات معركة طويلة لإسقاط
النظام ، وتحقق ذلك بفضل تدخل الناتو .
وفقا لحديث خاص مع السيد عبد الرحمن شلقم ، مندوب ليبيا الدائم في الامم المتحدة سابقا ؛ وكان من أوائل المسؤولين الليبين الذين أعلنوا انشقاقهم عن النظام ؛ فقد بذل قبل التدخل العسكري، جهودا مع العقيد، لاحتواء الاحتجاجات، والاستماع الى صوت الشارع الغاضب.
وكان شلقم، وفق ما قاله لنا، غادر طرابلس عائدا الى مقر عمله في نيويورك، قبل تفاقم الأحداث ، ببضعة أيام ، بعد ان مكث في عاصمة بلاده، فترة، كان ينتظر خلالها؛ تحسنا في أداء السلطات، من منطلق ان العقيد سيسمع، رفاقه في
القيادة الليبية ، ودعواتهم، بعدم اللجؤ الى القوة المفرطة، في معالجة ما تبدى وكأنها، اعتصامات محدودة، تطالب بالكشف عن مصير سجناء، قتلوا في عصيان “سجن بوسليم” العام 1996، وكان الحديث حينها يجري عن 1270 ضحية؛ استنادا الى تقرير منطمة “هيومن رايت ووتش”.
وفِي الخامس عشر من شباط/ نوفمبر 2011 جرى اعتقال محامي ضحايا سجن بوسليم؛ فتحي تربل، اندلعت اثرها، تظاهرات تطالب باطلاق سراحه.
لعل مقولة لينين الشهيرة، “من الشرارة ينطلق اللهب” وجدت بعد حوالي القرن صداها في ليبيا؛ فقد أشعلت شرارة اعتقال المحامي، مدنا بكاملها، وخرجت الجموع، ترفع شعارا
جذابا، كان دوّى، في ساحات وشوارع وحواري؛ تونس المجاورة:
” الشعب يريد اسقاط النظام”.
وينفي عبد الرحمن شلقم، في حديثه معنا، ان يكون للعامل الخارجي والإقليمي اي دور في تاجيج، لهيب الاحداث
الليبية، مؤكدا على ان الامور ماكان لها ان تنفلت ، لو ان العقيد تعامل بروية وحصافة معها، ولم يركبه الغرور، والعناد، وتجاهل المتغيرات في العالم وفِي الجوار.
واذا كانت تظاهرات العاصمة طرابلس، محدودة، فانها اكتسبت طابعا شعبيا واسعا في بنغازي ومدن الغرب الليبي، الامر الذي كشف عن سوء إدارة متجذر في هيكل الدولة، التي عمق العقيد القذافي، تشظيها، بحكمه القبلي.
وحسب إفادة شلقم؛ فان العقيد القذافي وكبار
المسؤولين، اثناء اندلاع الاحتجاجات، ضد نظام الرئيس التونسي بنعلي، وامتداد تأثيراتها، الى مصر ،اعتبروها جرس إنذار لنظام العقيد الذي كان يحضر حينها لفعالية دولية أرادها مدوية، رغم عدم واقعيتها.
يقول سفير القذافي السابق في الامم المتحدة، ان العقيد كان يُؤْمِن بانه يستطيع إصلاح الامم المتحدة او خلق بديل عنها، بالدعوة الى عقد مؤتمر دولي تحضره 130 دولة زائدا الصين، يضع حدا لهيمنة واشنطن على الامم المتحدة.
واضح ان الأوهام التي تراود مخيلة العقيد، تجعله موقنا، بانه سيتمكن بفضل المال الليبي، وشعارات الكتاب الاخضر، قلب المعادلة الدولية راْسا على عقب.
ويقول شلقم، بانه حاول إقناع الزعيم الليبي، بعدم واقعية المشروع، وان إضافة اعضاء غير دائميين الى مجلس الأمن الدولي، يمثل أقصى ما يمكن ان تقدمه الدول الخمس دائمة العضوية من تنازلات لاعضاء المنظمة الدولية ، مع احتفاظها بحق النقض( فيتو).
ويشير الوزير والدبلوماسي الليبي السابق؛ الا ان العقيد كان يستمع باهتمام الى آراء محدثيه، ويبدى تفهما، لكنه لا يأخذ بها في نهاية المطاف.
وعلى نفس النسق؛ لم يستمع الى النصائح بعدم استخدام القوة للسيطرة على الاحتجاجات. ويقول :
-” اخبرت كبار المسؤولين بمن فيهم مدراء المخابرات عبد الله السنوسي وموسى كوسا ورئيس الوزراء المحمودي البغدادي وغيرهم، ان الدم في الشوراع مثل الخرقة الحمراء في حلبة مصارعة الثيران”.
عاد عبد الرحمن شلقم الى مقر عمله في نيويورك، ليعلن في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير، اي بعد ازيد من أسبوع بقليل على اندلاع التظاهرات ، ادانته لاستخدام القوة، وزج الجيش في قمع المتظاهرين، والتحضير لعمل عسكري ضد عاصمة الغرب الليبي بنغازي. وبذلك كان اول دبلوماسي ليبي ينشق، الامر الذي منح الملف الليبي المتفجر، بعدا
دوليا، تلقفته عاصمة القرار الدولي، واشنطن؛ على الفور.
فِي حفل استقبال؛ أقيم بمناسبة افتتاح المقر الجديد لبعثة الولايات المتحدة في الامم المتحدة، دًُعي السفير المنشق، الى الحفل،وفِي زحمة الحضور،أبلغوه ان الرئيس أوباما ينتظره في قاعة جانبية.
يتبع …
سلام مسافر
‎2021-‎02-‎23