الأقليات العرقية في أميركا: إهمال وأوضاع اقتصادية وإنسانية صعبة!
عبير بسام.

أورد مؤخرًا تقرير على محطة الـ CBS NEWS أنّ في أمريكا 30 مليون مؤسسة للأعمال الصغيرة، منها 9 ملايين مؤسسة للأعمال صغيرة ستغلق بسبب جائحة كورونا، وأنّ 3 من كل 10 مؤسسات قال أصحابها إنها مهددة بالإغلاق في نهاية العام 2021 اذا لم تقم الدولة الأميركية بتقديم المساعدات لها. والتهديد بالإغلاق، هو السيناريو الأسوأ بالنسبة للمؤسسات الصغيرة التي تملكها الأقليات العرقية في أمريكا، فبحسب استطلاع أجرته الحكومة الفيدرالية، 8 من كل 10 مؤسسات صغيرة تابعة للأقليات العرقية ترزح تحت وطأة أوضاع مالية صعبة جدًا.

وبحسب تقرير الحكومة الفيدرالية في العام 2020، الأسوأ في الموضوع، أن العديد من الأقليات العرقية في أميركا قد فقدت وظائفها، وأن الأفريقيين الأميركيين هم الأوائل في فقدان وظائفهم، وسوف يكونون آخر من يستردها. وأوصى التقرير باتجاه إجراءات جدية جدًا حتى لا تغلق هذه المؤسسات أبوابها في نهاية العام 2021. ووفق كلام أحد العاملين في القانون، فإن الأوضاع الاقتصادية قبل الوباء كانت صعبة، وعائدات الأعمال الصغيرة كانت قليلة بالنسبة للجميع. اذ قامت الحكومة الفيدرالية بمسح ميداني خلال فترة الكساد الكبير في العام 2010، وأظهر التقرير أن نسبة البطالة قد وصلت إلى 9.6% في عموم أمريكا، ولكن بلغت بالنسبة للأميركيين السود 16%.

وبعد الجائحة وفي الفترة ما بين شهري اكتوبر وديسمبر من العام 2020 كانت نسبة الأعمال الصغيرة المغلقة في البلاد قد وصلت إلى 6%، بينما وصلت النسبة ما بين الأعمال الصغيرة للأقليات إلى 10%. الاقتصادي روب فيرلي الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، قال للـ CBS news في تقرير نشرته في 9 شباط، فبراير، إن الرقم مقلق جداً بالنسبة لأوضاع السود والهسبانك. فنسبة الأعمال الصغيرة بين هاتين المجموعتين قبل الوباء كانت محدودة، وليس لديهم عامل أمان اقتصادي يستندون إليه، والفجوة في الثروة ما بين البيض والأقليات هي أساساً واسعة، ومن المفترض العمل على تصغيرها على المدى الطويل.

بحسب الإحصاءات ما تزال حتى اليوم تملك العائلة البيضاء ستة أضعاف ما تملكه أية عائلة سوداء، وهي ذات النسبة التي سادت ما قبل الستينيات. ولكن بعد أزمة الوباء بلغت نسبة النساء من الأقليات اللواتي فقدن أعمالهن الصغيرة ضعف عدد النساء من الأغلبية البيضاء، اللواتي فقدن أعمالهن. وبلغ عدد النساء من الأقليات اللواتي فقدن أعمالهن حوالي 82000، والجدير ذكره هنا أن هؤلاء النساء هن المسؤولات عن مصاريف العائلة وعن دفع تكاليف التأمين أو الضمان الصحي لعائلاتهن.

وأهم أسباب الفقدان الكبير للأعمال الصغيرة لدى “الملونين” هو عدم وصول المساعدات الحكومية بعد الوباء، وذهابها إلى أصحاب الأعمال الصغيرة من البيض. ويرجح السبب في ذلك، وبحسب كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي بايدن، إلى أنّ السود ممن فقدوا أعمالهم لم تكن لديهم علاقة بالبنوك الكبرى. هذا مع العلم أن الأعمال الأكثر تضررًا خلال الجائحة كانت لأصحاب شركات السيارات العمومية الصغيرة لنقل الركاب “التاكسي”، أو مؤسسات التنظيفات، أو شركات نقل الأثاث، وغيرها، وهي التي كانت أكثر تضررًا من غيرها، والتي توقفت عن العمل تقريبًا بسبب الجائحة وضيق الأحوال الاقتصادية لمستخدميها. وعادة من يملك هذه الشركات هم الأقليات العرقية.

وبناء على ما سبق يمكن فهم ما جاء في الـ CBS NEWS، في 10 شباط/ فبراير، من أن فقط 12% من أصحاب الأعمال من السود والهسبانك قد تقدموا لبرنامج القروض الصغيرة PPP، وهو اختصار لـ “برنامج القروض للحماية”. يقوم البرنامج بتقديم قرض بشيك بقيمة 100 ألف دولار وبفائدة 1% فقط. وبينما ذهبت أموال المساعدات بحسب المحطة الإخبارية، في تقرير سابق أجري في 20 نيسان/ ابريل 2020، إلى شركات كبرى، وقد كشفت المحطة أن دفعات وصلت إلى مئات ملايين الدولارات قد ضلت طريقها إلى شركات مثل: روث كريس ستيك هاوس وفريق لوس انجلوس لايكرز وشاك وشيك، ولم تذهب إلى المتضررين الأساسيين من جائحة كورونا. فعلى سبيل المثال: تعتبر ولاية تكساس في المرتبة العاشرة لناحية انتشار الوباء، إلا أنها كانت في المرتبة الرابعة لناحية تلقي قروض الـ PPP. وفي سياسة ترامب هذا له معناه الذي يجب أن يقرأ وخاصة في المرحلة التي اشتدت فيها المنافسة في الانتخابات الرئاسية. مع العلم أن برنامج القروض الميسرة للأعمال الصغيرة كان يفترض أن تستفيد منه مؤسسات لا يتجاوز عدد موظفيها الـ 500 موظف، بينما ذهب قرض بقيمة 20 مليون دولار لشركة روث كريس ستيك هاوس، والتي لديها 5000 موظف، والتي كانت عائداتها في العام 2019، 468 مليون دولار. ومن هنا نفهم لماذا دفع السود هذا الثمن الباهظ لناحية تدهور أوضاعهم الاقتصادية، وأيضًا سبب حقد ترامب واتهامه الجميع بخيانته.

وفي هذا الإطار كشفت “أسوشيتد برس” أنّ الكثير من الشيكات التي وجدت طريقها باكرًا إلى ملاكي أعمال من البيض، في حين أن الأقليات وخاصة السود لم يتسلموا أيًّا من شيكات القروض حتى نهاية البرنامج. وأخيرًا وليس آخرًا، فإن إحدى أصحاب الأعمال الصغيرة واسمها مايرز تملكها سيدة من السود، قالت للـ CBS إن شركتها لم تحصل إلا على 10000$ والذي كان أقل بكثير مما طلبت، وعندما طلبت قرضًا آخر جاءت الموافقة على 2900$ فقط. وتتابع مايرز: “لا أعرف كيف يحسبونها، وليس من العدل أن يعطوا كل هذه الأموال للشركات الكبرى بينما لا نحصل نحن على أي شيء ذي قيمة”. وما تزال تصارع مايرز للحفاظ على عملها الذي تدفع ديونه من بطاقة الدين التي تملكها ومن خلال المساعدات القليلة التي قدمتها العائلة.

أقر الكونغرس في شهر كانون الأول/ ديسمبر في العام 2020 معونات أخرى بقيمة 285 بليون دولار أميركي كقروض للأعمال الصغيرة، وذلك من أجل إعطاء فرصة أخرى للشركات التي لم تحصل على قروض والتي تضررت أعمالها بسبب الفايروس، ويفترض أنّه قد تم صرف قيمة ثلث هذه الأموال. غير أنها لم تجد طريقها نحو أصحابها الحقيقيين.

الحكومة الفيدرالية الأميركية ومن خلال الدراسات التي أجرتها منذ العام 2017 على اطلاع كامل على الأوضاع الاقتصادية السيئة للأقليات، وقد نشرت تقاريرها حول هذا الأمر على صفحاتها الرسمية على الإنترنت. وهي من المعلومات التي استفاد منها جو بايدن خلال حملته الرئاسية بالتأكيد، وهي التقارير التي بنى عليها برنامج عمل “المئة يوم”، والذي يفترض أن يتضمن بعض الحلول للوضع الاقتصادي المتردي للسود والأقليات في أميركا. ترافق ذلك مع تحذيرات على صفحة نانسي بيلوسي، المتحدثة باسم الكونغرس، بأن الملايين من الأفريقيين الأميركيين يعانون من البطالة. وجاء على الصفحة الرسمية speaker.gov “يبدو أن أوضاع “الملونين” قد ساءت كثيرًا إبان الجائحة وإبان حكم ترامب، مما دفع حكومة بايدن للعمل جديًّا على تفادي الأزمة القادمة بسبب سوء أوضاع الملونين في أمريكا وليس السود فقط”.

وحتى نكون منصفين، منذ العام 2016 إبان حكم باراك أوباما، نشرت تقارير مخيفة حول حالات التمييز العنصري على صفحات كل من: “حقوق الإنسان” التابعة للأمم المتحدة والحكومة الفيدرالية، وخاصة لناحية انتهاكات الشرطة وقتل السود. ويبدو أن برنامج “أوباما كير” للصحة والتعليم لم يكن فاعلاً بشكل حقيقي، وبحسب الـ BBC فإن البرنامج مخصص للأصحاء من الشباب فقط وهو يهمل أصحاب الأمراض المزمنة، وثانيًا، البرنامج معد لزمن محدد، وثالثًا، وهو أحد أسباب إيقاف ترامب للبرنامج، أن إدارة أوباما لم تضع قط الآليات القانونية لعمل البرنامج. وأخيرًا، أوقفت العديد من الولايات البرنامج بعد رفع قضايا ضده بعد أن ربحتها، لأن البرنامج مخالف للدستور. وبالتالي فإن التمييز العنصري ضد الفقراء من السود لم يتوقف حتى خلال سنوات حكم أوباما، بل هو حالة مستمرة متأصلة في النظام الأميركي.

في بداية شهر شباط، وبحسب “رويترز”، اجتمعت وزيرة الخزانة الأميركية جانين يلين بحضور كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي جو بايدن، مع أعضاء غرفة التجارة السوداء، قالت يلين إن جائحة كورونا كانت الأقصى على الأفريقيين الأميركيين وذلك لناحية الخدمات الصحية والوضع الاقتصادي المزري الذي ترزح تحت وطأته هذه الفئة من المجتمع الأميركي. وكان الاجتماع من أجل وضع آليات لتوزيع القروض الصغيرة الجديدة التي أقرها بايدن في برنامجه الانتخابي وابتدأ العمل عليه كرئيس للولايات المتحدة من أجل مساعدة الأقليات على المحافظة على أعمالها ومنع الاقتصاد من الانهيار.

وتضمن البرنامج وضع خطة رصدت لها الحكومة مبلغ 1.9 تريليون دولار أميركي، من أجل التأكد أن الوباء الذي تسبب بركود اقتصادي كبير لن يكون السبب بنكسة جيل كامل وسببًا في تصاعد التمييز العنصري، “والبدء ببناء اقتصادي يعمل بشكل جيد للجميع”، بحسب ما جاء في كلام يلين خلال اللقاء مع غرفة التجارة السوداء. خطة بايدن تضمنت قروضًا للأعمال الصغيرة ومساعدات مادية محفزة والتي ستدفع نحو خلق فرص عمل، كما أوضحت وزيرة الخزانة الأميركية.

بالطبع خلال اللقاء مع غرفة التجارة السوداء كان الكلام عن تأثير فيروس كورونا على المجتمعات ذات الأقلية العرقية حاضراً في الاجتماع. وتحدثت هاريس عن خطورة وضع السود والأعداد الكبيرة للوفيات بينهم بسبب الفايروس. وهنا لنكن قارئين لما يحدث. هذه التصريحات وهذا التوجه إلى الأخذ بالتقارير التي نشرت حول السود وأوضاعهم الصحية والاقتصادية المتفاقمة، والتي بالأصل كانت في حالة يرثى لها، ووضع برنامج المئة يوم ضمن خطة بايدن الرئاسية، كان كفيلاً بإيصاله إلى سدة الرئاسة. كما أن القيمة المضافة لكون نائب الرئيس هي امرأة سوداء أوحى بالثقة لمئات آلاف الأمهات من السود واللواتي هنّ على راس أعمالهن الصغيرة، والمسؤولات عن إعالة عوائلهن. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على الإدارة الأميركية لتدارك الأمر قبل نهاية فترة المئة يوم.
يتبع
‎2021-‎02-‎22