توظيف السياسة لفهم الشعر!

ابو زيزوم.
قديماً كان الشعر العربي غذاءً للمجتمع برمته ، ما ان تظهر قصيدة جديدة حتى يتلاقفها الجميع ويظلون يرددونها الى ان تحل محلها قصيدة اخرى . كان البسطاء يفهمون الشعر كما يفهمه الفلاسفة . واستمرت هذه الحالة الى القرن الماضي عندما غزا التجديد حقل الشعر ككل الثقافة والحياة ، فلم تعد القصيدة مفهومة لكل الناس . وشيئاً فشيئاً راح جمهورها يتناقص حتى لم يعد المتتبعون لها يزيدون على عدد الأصابع في البلدة … نصفهم لا يفهمها وانما يتظاهر بفهمها ليقال عنه مثقف .
القصائد الحديثة فئتان : فئة الغموض التي يلجأ اليها العاجزون عن الإبداع فيكتبون طلاسم تقيهم تطفل الناس ليكونوا في وادٍ والمجتمع في وادٍ آخر . وفئة الإبداع التي يفهمها الناس العاديون وإن كتبت بالأسلوب الحديث ، وحتى عندما تكون رمزية يكتفي من لا يتوصل الى الرمز بالجانب المباشر منها ويجد فيه متعة كبيرة . خذ مثلاً ( أنشودة المطر ) القصيدة العربية الأشهر لإمام الشعر العربي الحديث بدر شاكر السياب . في القصيدة رموز مبهرة شغلت العالم منذ انبثاقها الى اليوم ومع ذلك يجد القارىء البسيط في كلماتها المباشرة وموسيقاها الطربة كل ما يحتاجه من الشعر . فإذا رغب في التعمق لا يحتاج مفسرين لكل عبارة وانما حسبه الحصول على المفتاح ليفتح به كل مجاهلها بسلاسة ويسر .
وكان الناس في ذات الفترة يفهمون بلا عناء احاديث الساسة . لم يكن المواطن بحاجة الى من يفسر له خطاب هذا القائد او ذاك ، ليس فقط لأن الكلمات مفهومة وانما أيضاً لأن القضية مفهومة . القضية كلها ان عدواناً صهيونياً مدعوماً من الغرب يقع على امتنا وليس لدينا بديل عن مواجهته . الكلمات التي نطق بها السياسيون في القرن الماضي هي ذاتها التي ينطق بها السياسيون اليوم ، الا ان القضية تغيرت والمقاصد انحرفت باتجاهات شتى . فعندما ترد اليوم لفظة ( العدو ) لا نفهم بداهةً كنه المقصود ، خصوصاً اذا كنّا على درجة مقبولة من الغباء . بل نحتاج قبل معرفة القصد ان نعرف المتحدث لنستدل بخلفيته السياسية على من يكون عدوّه . كذلك عندما ترد كلمة ( ارهاب ) وكلمة ( المجتمع الدولي ) الى آخره من التعابير التي نسمعها كل يوم ونفسرها حسب موقعها من الخارطة السياسية . وطبعاً تكون غير مفهومة لبسطاء الناس .
المسألة وما فيها عملية هروب يمارسها الشاعر والسياسي على حدٍ سواء . الشاعر العاجز عن الإبداع يهرب الى الغموض كما يهرب العاري الى الظلام ليستتر به . والسياسي الخائن يهرب عن تطلعات الناس الفطرية الى تلاعب بالألفاظ يمارس فيه الخداع باللف والدوران . فالذين طبّعوا قبل اشهر على سبيل المثال قالوا انهم يطبعون من اجل الشعب الفلسطيني . والذين دمروا البلدان العربية بدعمهم للإرهاب قالوا انهم يفعلون ذلك خدمةً للشعوب وهكذا دواليك .
ليس من باب الصدفة ان أعلام الشعر الحديث الذين فهم الجمهور العربي قصائدهم فشاعت وانتشرت انتشار النار في الهشيم جميعهم من المتحمسين للقضية الفلسطينية … السياب والنواب وقباني ودنقل وشعراء المقاومة وأضعاف مضاعفة من الشعراء الشعبيين . وكذلك الساسة الذين آمنوا بالقضية الفلسطينية وعملوا لها خلدوا في الذاكرة الجمعية للامة .
هناك حالة يمر بها كل إنسان ، عندما يجادل وهو على حق يجد نفسه طليقاً وبليغاً وقوياً وتحضر على لسانه الكلمات المؤثرة والمعبرة . وعندما يجادل وهو على خطأ تراه يتلعثم ويبحث عن الكلمات بحثاً فلا تحضره ، ويبدأ بتكرار الجمل فتأتي ركيكة ويخونه الصوت وأحياناً يعمد الى الشجار تعويضاً عن ضعف الحجة . ذاك هو الموضوع ببساطة .
( ابو زيزوم _ 1004 )
‎2021-‎02-‎22