الضاحية.. تُطعن فتنزف رفقًا!
ايهاب زكي.

كما كل الناس حين يريدون الكتابة ينكبون على الورق، وتكون عيونهم إلى الأسفل وجباههم محنيّةً، وأنا مثلهم وأكتب على الورق غالبًا وعلى”اللابتوب” مباشرةً أحيانًا، ولكن في اللحظة التي قررت فيها موضوع المقال، قررت بالتوازي أن أكتب على “اللابتوب” مباشرة، حتى أستطيع وضعه في مكانٍ عالٍ، فأكتب بعنقٍ متسامٍ وجبينٍ مرفوع، وأن تكون عيناي للأعلى، فأنا سأكتب عن ضاحية بيروت الجنوبية، الضاحية التي تجعلك مختالًا بانتماءاتك موقفًا وعرقًا وعقيدة وجغرافيا، وهي ليست مكانًا تزوره أو تمشي فيه أو حتى تسكنه، إنّها قدسٌ تزورك وتمشي فيك وتسكنك، فالضاحية هي عين أمةٍ بأكملها على قدس فلسطين، وهي قلب شعوبٍ بأسرها تنبض كلما هللت مآذن القدس، ووقتما دقت الأجراس فوق أبراج كنائسها، وهي سبابة جيلٍ كامل تتحرق لزنادٍ فوقه بوصلة صفراء، وتشير إلى أصفرٍ تكتسيه قبة الصخرة، إنّها الضاحية التي احترفت الكرامة، وأتقنت تقديم قرابينها من زكيّ الدماء وريحانة الأرواح.

لم أزر يومًا الضاحية لأنّي لم أزر لبنان، ولكن حين أرى بعض مشاهدها عبر أيّ وسيلة، أعرف أنّها ليست شوارع وأزقة، بل معارج نورٍ إلى السماء، حيث تطل عليك أسماء الشهداء، وتحدق فيك أعينهم أينما وليت وجهك، فكأن وجوههم كعبة العاشقين، ويستحثك مسك دمائهم.. لا تنسَ. لا تفرط. لا تجبُن. ولأنّ الضاحية جُبلت على الفرائد، فالغالب أن يهتز ميزان الأخلاق عند كثيرٍ من البشر حين امتلاك القوة، فيصبح سوء الخلق جزءًا من تكريس معادلات البطش. في المقابل تكون الأخلاق بالنسبة للضعيف ملاذًا آمنًا. ولكن ما نراه من خلال فرادة الضاحية، هو انقلاب الآية رأسًا على عقب، فالضعيف يلوذ بسوء الخلق، فيما القوي يعتصم بحسن الأخلاق. فالضاحية التي تقف على خرائط المنطقة بين الكبار، تقول هنا لبنان وليس الضاحية، وهي التي تمتلك صواعق النسف لمخططات وأطماع إمبراطوريات الشرّ غربًا، تقول هذه صواعق الجمهورية اللبنانية لا صواعق “دويلة” الضاحية. الضاحية الكبيرة تقول لبنان أكبر، وهذه الضاحية يتطاول عليها ضعاف النفوس خاوو القلوب فارغو العقول، لا يملكون إلّا محركًا بقوة ألف حصان لابتذال السخافات، رغم أنّ السخافات لا تُحتمل وهي ذاتية المنشأ، فكيف بها وهي تُبتذل وتُجترّ وتُصطنع.

والضاحية التي تعملقت قوةً وجبروتًا جعلت من”إسرائيل” الكيان المريض، يطعنها ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة، لكنها لا تنزف غضبًا بل تنزف رفقًا، فالضاحية حين تنزف غضبًا، يقف أقوى جيشٍ في المنطقة على “إجر ونص” لستة أشهر ولا زال، جيشٌ كان لا يُقهر قبل ميلاد الضاحية، فأصبح مجرد غضب الضاحية تسيح له جلدة وجهه، بينما نحن أمةٌ غضبى منذ مئة عام، وكلما غضبنا قبل ميلاد الضاحية أكثر، تورّدت جلدة وجه العدو أكثر. هذه الضاحية تُغرس خناجر السمّ في خاصرتها ليل نهار، وكلما نزفت أكثر ترفعت أكثر، وكلما ترفعت أكثر تبلّد الطاعنون أكثر، والحليم إنّ كان عفّ اللسان عن الغضب فإنّ قلبه يغضب، وإن كان عقله حصينا ضد الغضب فإنّ يده تغضب، ويدّ الحليم الغاضبة رغم أنّها باطشة، إلّا أنّ فيها دقة مشارط الجراح وقت استئصال الورم، لكن البثور والقشور لا تحتاج إلى جراحات ولا جراحين، بل بعض ماءٍ بارد. والضاحية اعتادت يدها البطش جنوباً، و”إسرائيل” التي تقبع مرتاعة في فقاعتها الزمنية جنوب جنوب الضاحية، تحاول عبر بعض الأدوات وبعض الأساليب استفزاز يد الضاحية لتبطش شمالها وشرقها، ولكن عقل الضاحية لا يوازيه تفوقًا سوى سمو أخلاقها، وسمو أخلاقها لا يوازيه سوى تضخم الحنو في أصابعها، وقتما يكاد قلبها ينفجر ألمًا، وهذا لأنّها الضاحية التي ولدت لتكون فارقًا تاريخيًا وليس قارعةً للعابرين.

سألني طفلٌ كبير ذات مرة، لماذا سُمّي الذباب ذبابًا؟ فقلت لأنه سمج. فظن أنّي أتهمه بالسماجة بشكل غير مباشر على سؤاله، ولكني أوضحت له الحقيقة، حيث اشتُق اسمه من سلوكه، لأنّه كلما ذُبَّ آب. وهذا الاستذكار ليس من باب الإسقاط على الآيبين أبدًا لطعن الضاحية، فهم لا يُذَبُّون أصلاً، لأنّ الضاحية منشغلة بمن ذُب ويتحيّن غفلتها بالآيبين أبداً ليؤوب، ولكن من باب المقاربة أو من باب تذكير من يتهمون الضاحية بالقمع وكاتم الصوت، ويطالبون بحرية الفكر والقلم واللسان، كيف سيكون حالهم لو أنّهم عاشوا في ظل حكم “داعش”، ومن سيسمح لهم بسماجات الأفكار والأقلام والألسنة، وتحت أيّ سكينٍ سيبيعون حرية أفكارهم. لا أجوبة، إنّها مجرد سماجاتٍ لحشر الضاحية في فقاعةٍ من باطل، وإلباسها قميصًا من نفورٍ محليًا وعربيًا وإسلاميًا، فتتحرر “إسرائيل” من فقاعتها الزمنية، ونغدو كلنا أسرى فقاعة الزمن التي اسمها “إسرائيل”، ولكن من سوء طالعهم ستبقى “إسرائيل” فقاعة زمنية، وستظل الضاحية فارقة تاريخية، وسيعلم هؤلاء أنّ الأشياء الساقطة من القوافل أثناء المسير لا يذكرها أحد على بخاستها.
‎2021-‎02-‎19