تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سُمّي عالما (9)!

د. عمر ظاهر.

داروين واجترار ما قاله سابقوه ومعاصروه
لم يكن لداروين أي إسهام جديد بأي شكل من الأشكال في أي من مجالات العلوم الطبيعية التي أقحمها في كتابه “أصل الأنواع”. إنه كان واسع المعرفة، خاصة بالنباتات الصغيرة في جنينة منزله، إلا إن عرضه لمعلوماته، في الحالات التي يستند فيها على تلك المعلومات، لا يخرج عن نطاق الوصف، ونادرا ما يتحول إلى التحليل.

سبق أن ذكرنا أن داروين ورث المفاهيم والأفكار، بل وحتى أدوات البحث من باحثين معاصرين له أو سابقين عليه. أما المفاهيم فلم يعطها أي تعريف جديد، وأما الأفكار فلم يعرف كيف يطورها، وأما وسائل البحث فلم يكن واعيا بها، ولهذا استخدمها بشكل عشوائي مغلف بالكثير من مزاعم الشخص الذي ينتظر من القارئ أن ينحني إجلالا لتخميناته، وظنونه، وما يعتقده شخصيا، وما يقترحه في غياب علمه ومعرفته بشيء، وما يراه محتملا، أي كل ما ليس له علاقة بالعلم والمنهج العلمي الذي يقوم على تقديم الدليل الملموس والقاطع.

إن من غير المفهوم أصلا لماذا سجلت هذه النظرية باسم داروين. العجب هنا لا يتعلق بقصة مخطوطة ألفريد راسل والاس التي كان الرجل قد أرسلها إلى داروين عام 1857، وضاعت في البريد، فعاد وأرسلها، فوصلته عام 1858، وطُبع كتاب داروين إثر ذلك، وتم تجاهل والاس إلى يومنا هذا. الأمر يتجاوز ذلك إلى استيلاء داروين على أفكار معاصريه والسابقين عليه ممن تناولوا مواضيع الطبيعة، وإخراجها وكأنها أفكاره هو. داروين لم يضف، مثلا، شيئا يُذكر إلى ما قاله لامارك (Lamarck)، ولا إلى ما قاله السيد تشارلز لايل (Charles Lyell) الذي يعتبره داروين مثله الأعلى، أو الدكتور و. س. ويلس Dr. W. C Wells، فمصطلح “الانتقاء الطبيعي”، وأفكار أخرى أخذها عن الأخير. انظر إلى ما يقوله بنفسه:
وفي عام 1813، ألقى الدكتور و. س. ويلس (Dr. W. C: Wells) أمام الجمعية الملكية بحثا عنوانه “وصف لأنثى بيضاء، يتشابه جزء من جلدها مع جلد أي زنجي”، ولكن هذا البحث لم يتم نشره حتى ظهور كتابه الشهير “مقالتان عن الرؤية المبهمة والرؤية الواضحة” Two Essays on Dew and single vision، في عام 1818. وهو يعترف في هذه المقالة بشكل واضح بمبدأ الانتقاء الطبيعي، وكان هذا أول اعتراف بالمبدأ تمت الإشارة إليه، ولكنه قصر تطبيقه على أعراق الإنسان، وعلى بعض الصفات فقط. وبعد أن أبدى تعليقاته عن أن الزنوج والأخلاس يتمتعون بمناعة ضد بعض أمراض المناطق الحارة، ولاحظ التالي: أولا: أن جميع الحيوانات تميل إلى التمايز عن بعضها إلى درجة ما، وثانيا: أن المزارعين يقومون بتحسين حيواناتهم الداجنة عن طريق الانتقاء، ثم بعد ذلك أضاف، أن ما يتم عمله في الحالة الأخيرة “بواسطة المهارة، يبدو أنه يتم عمله بنفس الكفاءة بواسطة الطبيعة، ولو أن ذلك يتم بمعدل أكثر بطئا، وذلك في تشكيل الضروب المختلفة للجنس البشري، وذلك لملاءمة القطر الذي يقطنونه …”. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 40)

كان ذلك، إذن، أول اعتراف بمبدأ الانتقاء الطبيعي، وتم استخدامه بالشكل الموصوف، فكيف استخدمه هو، أي داروين؟ في الحقيقة، إن هذه السطور التي كتبها داروين عن الدكتور ويلس تلخص إلى حد بعيد كتاب داروين “أصل الأنواع” الذي يسوّد أكثر من خمسمئة صفحة. كل ما يقوله داروين عن التطور في الطبيعة لا يخرج عن نطاق مفهومي الانتقاء الطبيعي، والتماثل بين الانتقاء الطبيعي وبين العمل الذي يقوم به المزارعون في تحسين حيواناتهم الداجنة، واللذين أشار إليهما السيد ويلس. نتناول أولا مسألة الانتقاء الطبيعي، ثم ننظر في معالجة داروين لموضوعة تماثل نموذج التطور في الطبيعة مع نموذج تحسين الإنسان لصفات حيواناته في حالة التدجين.

أحجية الانتقاء الطبيعي
إن داروين لم يعط تعريفا واضحا لمصطلح الانتقاء الطبيعي، وتهرب من ذلك بابتداع فكرة أنه عبارة مجازية أسوة بمصطلحات الكيمياء والفيزياء – حسب ادعائه:
… ولكن على الإطلاق قد اعترض على الكيميائيين عندما يتكلمون عن القابليات الاختيارية للعناصر المختلفة – ومع ذلك فإنه من غير المستطاع أن يقال إن أحد الأحماض قد اختار القاعدة التي يفضل أن يتحد بها. وقد سبق أن قيل إني أتحدث عن الانتقاء الطبيعي وكأنه قوة فعالة أو إله، ولكن من الذي يقوم بالاعتراض على مؤلف يتحدث عن التقارب بالجاذبية على أساس أنه المسيطر على حركات الكواكب؟ كل إنسان يعلم ما الذي يعنيه أو ما الذي ينطوي عليه استخدام مثل هذه التعابير المجازية، وهذه التعبيرات غالبا ما تكون ضرورية بغرض الإيجاز. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 161)

هذه الحذلقة الكلامية لم تسعف داروين في محاولته الالتفاف على ضرورة تقديم تعريف واضح ومحدد لمصطلح الانتقاء الطبيعي، فلو أننا افترضنا، تماشيا مع ادعاء داروين، أن المصطلح الفيزيائي “الجاذبية” تعبير مجازي بحيث أنه يستخدم لوصف انجذاب نيزك إلى القمر، وبقاء الأرض تدور حول الشمس، والتصاق قطعة معدنية بأخرى مغناطيسية، أو تعلق رجل متيم عاطفيا بإمرأة، فإننا نلمس، مع ذلك، أن الجاذبية لها معنى ثابت في كل الحالات. إنها تعني وجود علاقة انشداد بين كيانين بفعل قوانين طبيعية. هل هذه هي الحال مع مصطلح الانتقاء الطبيعي، بحيث أن المرء يرى معنى ثابتا، ولو نسبيا، في كل السياقات التي يستخدمها فيها داروين، مثلا في علاقة ما بين كيانين أو أكثر، أو بين ظاهرتين في الطبيعة، أو بين أي شيئين أو أشياء؟ لا، على الإطلاق، فهو، كما سنرى، تعبير يختلف معناه وفحواه بشكل انتقائي من سياق إلى آخر، وهو طوع بنان داروين يلويه حسب الحاجة.

في غياب هكذا تعريف من قبل داروين نفسه، فإن القارئ يضطر إلى مقارنة استخدامات عبارة “الانتقاء الطبيعي” في مختلف السياقات التي تذكر فيها في الكتاب، بحثا عن تعريف حتى ولو مبطن، وليتثبت من ماهية هذا التعبير المجازي، ومن الدور الذي يلعبه في تطور الكائنات الحية، ولماذا قال منتقدو داروين أنه استبدل عبارة الإله بعبارة الانتقاء الطبيعي الذي جعله قادرا على كل شيء.

داروين يتحدث في البداية عن دور الانتقاء الطبيعي متجسدا في المحافظة فقط على التمايزات المفيدة في الكائن الحي، وينفي مسؤوليته عن التسبب في التمايزات، وكذلك عن أية مسؤولية عن التمايزات غير المفيدة – فالتمايزات غير المفيدة يتم تدميرها (فعل مبني للمجهول) (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 160). لكنه سيغير عند الحاجة ذلك ويصرح بأن الانتقاء الطبيعي يُحافظ، مع ذلك، على التمايزات غير المفيدة. وفي البداية يرسم داروين صورة للانتقاء الطبيعي باعتباره العامل الوحيد في تطور حياة الكائنات الحية، لكنه سرعان ما يُقحم انتقاءات أخرى في الطبيعية لا نعرف كيف تسهم في التطور، مثل الانتقاء الجنسي. ثم نرى أن داروين يغير في مواضع كثيرة دور الانتقاء الطبيعي، فيوسعه، أو يقلصه، أو يشرك معه عوامل أخرى، مثل الاستخدام وعدم الاستخدام، والتمايز المتلازم، وحتى ما يسميه قانون الإبادة؛ بل ويسلبه الدور، ويجعله عاجزا. وفي مواضع حساسة، مثلا في موضوع الغرائز (الباب الثامن) تنتهي محاولات داروين لإقحام الانتقاء الطبيعي في مسألة نشوء الغرائز إلى تقديم أدلة وشواهد تناقض ما يدعيه عن قدرات الانتقاء الطبيعي ونواياه الحسنة تجاه الكائن الحي الفرد. وفي مسألة العقم، يتقلب داروين مرات ومرات بين الادعاء بدور للانتقاء الطبيعي في العقم وبين إنكار أي دور له. ويتحول داروين من تعريف الانتقاء الطبيعي كمجرد دور في المحافظة على التمايزات المفيدة للكائن الحي إلى قوة غريبة تنتج بنفسها التمايزات، وترعى كل تمايز، بل وكل كائن حي من المهد إلى اللحد، فلا تكون هناك صغيرة أو كبيرة في حياة الكائن الحي إلا ويتدخل فيها، إلى درجة أنه يقوم بتنظيم اقتصاده، بل واقتصاد الطبيعة كلها، ويتولى توزيع الموارد على الكائنات الحية. ونجد أن داروين يخترع مسميات جديدة لعمليات في الطبيعة، مثل “تشعب الطابع” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 198)، و”تقارب الطابع” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 220). وعند التعمق في دراسة هذه المصطلحات نكتشف أنها مجرد مسميات مختلفة للانتقاء الطبيعي.

إن العبارة تستخدم في الكتاب جزافا، لتمرير كل ما يتخيله داروين دون الحاجة إلى توضيح، إذ يكفي ذكر الانتقاء الطبيعي ككلمة سر للمرور عبر كل صعوبة، والعبور من كل منطقة مهما كانت ملغومة بالتناقضات. لكن القارئ الذي يقرأ بعين ناقدة يمكن أن يتوقف عند أكثر من مئة وعشرين سياقا تذكر فيها العبارة وتلقي بعض الضوء على دور هذا الانتقاء السحري، وتأثيره، وقدراته، وعجزه، وشراكاته، في تطور الكائنات الحية. إن التدقيق فيما تقدمه هذه السياقات يوصل القارئ إلى أن داروين لم يكن يعرف ما هو الانتقاء الطبيعي. إنه خطف المصطلح من السيد ويلس، ولم يعرف كيف يتصرف به، فصار يستخدمه حسب الحاجة، فجعله أشبه ما يكون بعبارة “افتح يا سمسم” لغرض العبور السحري! ونحن سنتناول في هذه المقالة والتي تليها نماذج من تلك السياقات على أمل أن نتناول المزيد منها في مناقشة المواضيع الأخرى في المقالات القادمة.

سلسة التعريفات التي أعطاها داروين للانتقاء الطبيعي

نرى داروين في البداية يقول:
العديد من الكتاب قد أخطأوا الفهم أو اعترضوا على مصطلح “الانتقاء الطبيعي”. وبعضهم وصل إلى أنه تخيل أن الانتقاء الطبيعي هو الذي يسبب التمايز، مع أنه لا يتضمن إلا الحفاظ فقط على مثل هذه التمايزات كما تظهر، وكانت مفيدة للكائن تحت ظروف حياته. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 161)

الانتقاء الطبيعي لا يسبب التمايز، ولا يتضمن إلا الحفاظ فقط على مثل هذه التمايزات كما تظهر، وكانت مفيدة للكائن تحت ظروف حياته.

هذه واحدة من العبارات التي يندر أن يجد القارئ في كتابات داروين أوضح منها، لذلك يجب أن نتذكرها طوال قراءتنا لكتابه “أصل الأنواع”. إنها نقطة انطلاق داروين في التعامل مع مصطلح الانتقاء الطبيعي، وفيها ينفي الرجل كون الانتقاء الطبيعي هو الذي يسبب التمايز. جوهر العبارة، مأخوذا من السيد ويلس، هو أن جميع الحيوانات تميل إلى التمايز عن بعضها إلى درجة ما.

هناك قوة ما تسبب التمايز لم يكن داروين يعرف كنهها حتى وقع على فرضية مالثوس عن الصراع على الغذاء والبقاء للأصلح، فاتخذ هذا الصراع كمبدأ يطلق شرارة بروز التمايزات، لكن لا ندري إن كان ذلك يشمل التمايزات المفيدة والضارة معا، أم المفيدة فقط. ما يثبته داروين هنا هو أن الانتقاء الطبيعي يحافظ فقط على التمايزات المفيدة عند ظهورها.
نفهم من هذا، أن هناك ما يشبه العملية المتسلسلة (Process) التي تنطوي على مراحل عديدة، فشيء ما يسبب في البداية التمايزات، فتظهر هذه التمايزات في الكائن الحي، وتمر في مرحلة اسمها “الانتقاء الطبيعي”. ما نعرفه الآن هو أن الانتقاء الطبيعي هذا سيحافظ فقط على التمايزات المفيدة للكائن الحي، ولا علاقة له بالتمايزات غير المفيدة. وهناك، بلا شك، خطوات أخرى، أو مراحل أخرى في العملية تلي احتفاظ الانتقاء الطبيعي بالتمايزات المفيدة، مثلا تراكم هذه التمايزات، وتكديسها، ثم انتقالها بالوراثة، لإحداث تغييرات عضوية في الكائن الحي حتى يتحول في النهاية من نوع إلى آخر. ونرى هنا أن الانتقاء الطبيعي هو مجرد دور في العملية التسلسلية، وليس عملية بحد ذاتها.

الانتقاء الطبيعي يقوم بهذا الدور. لكن ما ذا عنه هو؟ ما هو؟ وما هي توصيفاته؟ هل الانتقاء الطبيعي فعل أم فاعل، أم كلاهما معا؟ هل الانتقاء الطبيعي كيان عضوي موجود في الكائن الحي يقوم بالمحافظة على التمايزات المفيدة، مثلما تقوم الأمعاء، مثلا، بامتصاص المواد الغذائية المفيدة للجسم، وتلفظ غير المفيدة على شكل فضلات؟ أم هو آلية معينة تتحدد نتيجتها بالتأثير النسبي للقوى أو العوامل التي تتفاعل فيها؟ أم هو فعل البيئة؟ أم هو قانون طبيعي كامن يجري تفعيله عند صراع الكائن الحي على الغذاء من أجل البقاء؟ أم هو قوة خفية؟ أم ماذا؟ لا يجد قارئ “أصل الأنواع” جوابا، أو حتى نصف جواب، عن أي من هذه الأسئلة.

لكننا سرعان ما سنجد تحويرا في الكلام الواضح الذي كتبه داروين في البداية، فالانتقاء الطبيعي لا يقوم مباشرة بدور المحافظة على التمايزات المفيدة. إنه يعمل عن طريق الاحتفاظ بتلك التمايزات، ويقوم بتكديسها أيضا:
الانتقاء الطبيعي يعمل على وجه القصر عن طريق الاحتفاظ والتكديس للتمايزات، التي هي مفيدة تحت الظروف العضوية وغير العضوية التي يتعرض لها كل كائن حي في جميع فترات الحياة، والنتيجة النهائية أن كل من الكائنات الحية يميل إلى أن يصبح أكثر فأكثر تحسنا بالنسبة إلى ظروفه. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 215)

يعمل عن طريق الاحتفاظ! فالاحتفاظ هي طريقته في العمل. وأين يكدس التمايزات المفيدة؟ هل الانتقاء الطبيعي عنده مستودع فيه نظام رقمي متطور يفرد زاوية فيه للاحتفظ بتمايزات كل كائن حي في الطبيعة؟ أليس منطقيا افتراض وجود هذا المستودع في كيان الكائن الحي؟ في هذه الحالة يكون الانتقاء الطبيعي عبارة عن سنترال، قوة مركزية، موجودة خارج الكائنات الحية، تراقب كل كائن حي، حيوانا كان أو نباتا أو غيره، وبمجرد بروز تمايز مفيد في أي كائن يبدأ العمل عن طريق الاحتفاظ بكل تمايز مفيد، وتكديسه في ذلك المستودع في كيان الكائن الحي. إنه مشرف على مستودع التمايزات المفيدة في كيان كل كائن حي.

ويقول داروين بعد قليل أيضا:
أما في نظريتنا، فإن استمرار تواجد الكائنات الدنيئة لا يشكل أي صعوبة، وذلك لأن الانتقاء الطبيعي، أو البقاء للأصلح، لا يتضمن بالضرورة نشوءا ارتقائيا – فإنه يستغل فقط مثل هذه التمايزات كلما ظهرت وكانت مفيدة لكل كائن حي في ظل علاقاته المتشابكة في الحياة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 217)

لا ندخل في مسألة النشوء والارتقاء هنا، ونكتفي بالتأمل في بعض جوانب ما في هذا الاقتباس. نتأمل في عبارة “الانتقاء الطبيعي، أو البقاء للأصلح” لندقق في طريقة تفكير داروين. إن الأداة “أو” تجعل كلا من قسمي العبارة بديلا للآخر، فيمكنه أن يحل محل الآخر في أي سياق، فالانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح هما، عند داروين، الشيء نفسه، إذ يمكننا بدلا من قول “الانتقاء الطبيعي”، في أي سياق كان، أن نقول “البقاء للأصلح” والعكس صحيح. كيف يمكن هذا؟

الانتقاء الطبيعي هو، حتى إشعار آخر، فعل يعني القيام بفصل المفيد من الضار ومن ثم الحفاظ على المفيد، بينما البقاء للأصلح هو نتيجة للصراع بين الكائنات الحية وللانتقاء الطبيعي معا. أي إن البقاء هو نتيجة لفعلي “الصراع والانتقاء”، ولا يمكن أن يكون مساويا لأي منهما ولا لكليهما.

إن داروين لا يستطيع أن يقدم أدلة ملموسة على ما يقول مثلما كان إسحاق نيوتن يفعل، أي إثبات ما يقوله بمعادلات رياضية. داروين يقوم ببحث ميداني يحتاج فيه إلى أدلة من نمط آخر، مثلا نماذج مثبتة عمليا من التطور من نوع إلى آخر، عبر سلسلة من التعديلات، عليها ولو دليل واحد في طبقات الأرض. إنه لا يملك مثل هذه الأدلة، ولذلك فهو حانق على السجل التاريخي للأرض، ويعتبره ناقصا. ما هي، إذن، أدلته على أن هناك شيء اسمه الانتقاء الطبيعي يحافظ، ويستغل، ويكدس، ويجترح المعجزات حتى يغير نوعا من الكائنات الحية إلى نوع آخر؟ أدلته الوحيدة هي صياغات لغوية عن أمور مفترضة، ومتخيلة، ومحتملة. لذلك فإن من ينقد داروين يولي أهمية قصوى لدقة تلك الصياغات، وخلوها من الحذلقة، والتناقضات، والتعابير الإنشائية. داروين لا ينجح في تقديم هكذا صياغات دقيقة. إنه ليس عالما، ولا حتى فيلسوفا لامعا يصوغ عبارات محكمة. إنه تلميذ سيء للسادة لامارك، وويلس، ولايل، فهو لا يفكر بخطوة أبعد مما قالوه، فيقول شيئا مليئا بالادعاءات الفارغة، ويمر إلى الاحتمالات والتخمينات ظنا منه أنه نطق علما. إن قوله “الانتقاء الطبيعي أو البقاء للأصلح” الذي يعني أنهما الشيء نفسه محض هراء.

هذا الذي لا يرى الاعوجاج في عبارة يقولها بنفسه، كيف نحترمه عندما يسخر من عقولنا فيفسر لنا كتاب الطبيعة؟

ثم هناك العلاقة التالية: ينشأ صراع بين الكائنات الحية على الغذاء. هذا الصراع يؤدي إلى بروز تمايزات يحافظ الانتقاء الطبيعي فقط على المفيد منها. هل تظهر هذه التمايزات فقط في بعض الكائنات المتصارعة أم في جميعها؟ وهل يحافظ الانتقاء الطبيعي على التمايزات المفيدة في بعضها أم في جميعها؟ في جميعها في الحالتين، أليس كذلك؟ لماذا، إذن، تصبح بعض الكائنات أصلح للبقاء فتبقى، ويفنى بعضها الآخر؟ الفيلسوف الرديء داروين لم يوضح لنا هذا. إنه زعم أن الصراع يؤدي إلى بروز التمايزات، ويحافظ الانتقاء الطبيعي على المفيد منها في كل كائن حي، ومع هذا تصبح بعض الكائنات الحية أصلح للبقاء.

ثم إن مقولة “البقاء للأصلح” نتيجة وحكم ثابت، أو قانون لا يمكن لداروين تغييره أو تعديله، لأن المساس بقدسيته سيهدم كل النظرية – مع أن الكوارث، وهي ظاهرة أساسية تصاحب حياة الطبيعة بلا انقطاع، مسؤولة عن انقراض كائنات حية قوية، الديناصورات مثلا؛ بينما الطبيعة تبقى تعج بكائنات ضعيفة جدا. أما مصطلح “الانتقاء الطبيعي” فيقوم داروين بتعديل تعريفه، وتغييره، وقلبه، وثنيه، وجمعه، كما يشاء، وبهذه الطريقة وحدها يمكنه الاستفادة من المصطلح. هنا، مثلا، نجد إشارة بسيطة إلى أن الانتقاء الطبيعي ليس مجرد دور محدد، يتجسد في التقاط التمايز المفيد والحفاظ عليه – كما قال سابقا، بل إنه (في الاقتباس أعلاه) “يستغل” التمايزات المفيدة عند ظهورها، مما يدل على أن الانتقاء الطبيعي ليس مجرد دور أو فعل، بل هو كيان ملموس أيضا، فاعل له هدف، لذلك فهو يستغل هذه التمايزات المفيدة لتحقيق هدفه.
ويقول داروين أيضا:
وإذا لم تكن هناك ميزة، فإن هذه الأشكال سوف يتم تركها بواسطة الانتقاء الطبيعي، بدون تحسين أو سوف تتحسن بشكل طفيف، وقد تبقى لعهود بدون نهاية على حالتها المتدنية الحالية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 217)

لماذا الآن “ميزة” وليس “تمايز”؟ وهل يمكن أن يبقى كائن حي دون أن يتمايز؟ ألا يصارع على الغذاء؟ ألم يقل داروين، نقلا عن الدكتور ويلس، أن كل كائن يميل إلى التمايز؟ على أية حال، يتبين من أعلاه أن الانتقاء الطبيعي يمكن أن يختار بين تحسين الأشكال أو تركها لتبقى على حالها لزمن لانهائي. وهذا يعني مرة أخرى، وبشكل واضح، أن الانتقاء الطبيعي ليس مجرد دور محدد بالحفاظ على التمايزات المفيدة التي تحصل في كل كائن حي. إنه كيان ينتقي بوعي وإرادة الكائن الذي يريد تحسينه، ويهمل غيره. عرفنا قبل قليل إنه يستطيع أن يستغل، ونعرف الآن أنه يختار بين أن يطور كائنا ما أو يتركه على حاله.

والدور البسيط الذي أوضحه داروين في البداية ليس مؤكدا دائما أن الانتقاء الطبيعي وحده يقوم به، فليس نادرا أن يثير داروين الشكوك حول ظاهرة ما، وما إذا كانت قد ظهرت (من خلال) الانتقاء الطبيعي أو بتأثير عامل آخر غيره:
وذلك لأنني أجد صعوبة في أي طريقة قد تتبع للتفرقة بين التأثيرات، على أحد الجوانب، الناتجة من أحد الأجزاء التي تنمو بشكل كبير من خلال الانتقاء الطبيعي، وجزء آخر مجاور قد حدث فيه نقصان عن طريق نفس العملية، أو عن طريق الاستخدام، وعلى الجانب الآخر، الانقطاع الفعلي للمواد الغذائية من أحد الأجزاء نتيجة للإسراف في نمو عضو مختلف ومجاور. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 249)

لكننا نشهد على حين غرة انفجارا هائلا في تعريف الانتقاء الطبيعي، فعمله يتجاوز كثيرا الدور البسيط الذي حدده له داروين في البداية، والمتمثل في الحفاظ على التمايزات المفيدة. فعدا الاستغلال والحكم بنفسه أي كائن يريد تحسينه، نجد أنه يتدخل في سلوك الكائن الحي عن طريق تدبير اقتصاده، فلا يسمح له بإهدار مواده الغذائية على بناء تركيب لا فائدة منه:
من الممكن أن تندمج تحت مبدأ أكثر عمومية، ألا وهو، أن الانتقاء الطبيعي يحاول باستمرار أن يدبر اقتصاد كل جزء من التعضية. وإذا وجد تحت تأثير الظروف المتغيرة للحياة، تركيب ما كان نافعا من قبل، ثم أصبح أقل نفعا، فإن حدوث نقصان فيه سوف يكون مفضلا، وذلك لأن الكائن سوف يستفيد من عدم إهدار مواده الغذائية على بناء تركيب لا فائدة فيه. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – 2004، ص 249)

إن قارئ كتاب داروين سيحتار في أمر التقلبات التي تحدث في استخدام داروين للمصطلحات والمفاهيم والتعابير، ففجأة يستخدم عبارة “ميزة” بدلا من “تمايز”. ثم يستخدم عبارة “تركيب” في سياقات استخدم فيها سابقا عبارة “عضو”، وغير ذلك كثير. وهذه إشكالية منهجية تتطلب معالجتها مقالات عديدة. لهذا نكتفي هنا بالتنويه إليها.

وداروين نفسه يؤمن بأن الانتقاء الطبيعي له صلاحية في تنسيق تطور الأعضاء بالاختزال أحيانا، ودون الحاجة إلى اختزالات أحيانا أخرى:
وبهذا الشكل، فأنا أؤمن بأن الانتقاء الطبيعي سوف يميل على المدى البعيد إلى اختزال أي جزء من التعضية، بمجرد أن يصبح، من خلال السلوكيات المتغيرة، عديم الفائدة، وذلك بدون التسبب، بأي صورة من الصور، لأي جزء آخر في أن يصبح أكثر تنوعا بدرجة متوازية. وبالعكس من ذلك، وأن الانتقاء الطبيعي قد ينجح نجاحا باهرا في تكوين أحد الأعضاء بصورة كبيرة دون أن يحتاج، كعضو ضروري، إلى الاختزال في أحد الأجزاء المجاورة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 250)

ويقول داروين في سياق آخر:
وذلك لأنه في مثل هذه الحالات فإن الانتقاء الطبيعي لم يكن له أو لم يستطع أن يكون له دور كامل، ونتيجة لذلك فإن التعضية تم تركها في حالة متقلبة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 254)

الانتقاء الطبيعي الذي كان أصلا دورا يتعلق بالمحافظة على التمايزات المفيدة، تم تجريده هنا من الدور، أو أنه هو نفسه لم يستطع، مع الأسف، أن يضمن لنفسه دورا كاملا! تُرى هل الانتقاء الطبيعي يحدد دوره بنفسه فيجعله ناقصا أو كاملا، أو حتى يتجرد منه أحيانا؟ أم أن هناك من يحدد له هذا الدور؟ وأي دور يتكلم عنه داروين، فقد تعددت أدواره، وتوسعت صلاحياته؟

لكن داروين واثق من أن الانتقاء الطبيعي كان قبل ملايين السنين أكثر قدرة على تحديد دوره فكان ذلك الدور كاملا وشاملا، فقد انحدرت الأنواع بفضله، أو بالأحرى من خلاله، من أنواع أخرى أو، في آخر المطاف، من نوع واحد. يقول:
“طبقا للرأي القائل بأن كل نوع قد تم خلقه بشكل مستقل، وأن له جميع الأجزاء كما نراها حاليا، فإني لا أستطيع أن أرى أي تفسير لهذا. ولكن من وجهة النظر القائلة بأن هناك مجموعات من الأنواع قد انحدرت من بعض الأنواع الأخرى، وأنه قد حدث لها تعديل من خلال الانتقاء الطبيعي، فإني أظن أننا نستطيع أن نتبين بعض الضوء” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 254).

خلاصة الكلام في أعلاه هو أن داروين لا يستطيع أن يعقل أنه تم خلق النخلة وتمرها بشكل مستقل عن شجرة الصفصاف، وعن شجرة الموز، وشجرة البرتقال، وشجرة التين، وشجرة الزيتون، وعن البندورة، وعن الشعير، والكرنب. إنه يرى أنها جميعا تعديلات أجراها الانتقاء الطبيعي على نبات، في الأصل، واحد. وهو يرى بعض الضوء في آخر النفق عندما يفكر بأن الفيل، والأرنب، والأسد، والفأر، والكلب، والبقرة، والخنزير، والحمار، والقرد، وهو نفسه، وكائنات أخرى كثيرة، ظهرت إلى الوجود نتيجة تعديلات على كائن قديم هو الجد الأعلى المشترك لجميع هذه الحيوانات، وذلك عبر الانتقاء الطبيعي الذي لم يعطنا حتى الآن تعريفا محددا له. لكنه أعطانا، طبعا، دليلا على هذه التعديلات بأن هذه الكائنات لها نفس الأعضاء، مثل الكلمات في لهجات منحدرة من لغة واحدة. غيره يمكن أن يعتبر واقع أن كل هذه الكائنات تشترك في امتلاك نفس الأعضاء دليلا على أن خالقها واحد!

داروين يقول لنا أنه لم يتم خلق كل نوع بشكل مستقل، كما نرى كلا منها الآن. كلام غليظ يحتاج إلى دليل أو أدلة قاطعة! فما هو دليله؟ الدليل هو أن السيد داروين لا يستطيع أن يرى تفسيرا للخلق المستقل. حسنا، لو كان هناك من يجادل داروين فيقول: “لقد تم خلق كل نوع بشكل مستقل، كما نرى كلا منها الآن.” ماذا سنقول لذاك الشخص؟ سنقول له: من أين تعرف ذلك؟ وسوف نسخر منه إذا قال: “أنا لا أستطيع أن أرى أي تفسير لغير ذلك.” وطبعا، نحن ننتظر من داروين، على افتراض أنه عالم، أن يقدم لنا دليلا علميا ملموسا يفند حجة ذلك الشخص، مثلا أنه عاد إلى الوراء في الزمن والتقى بالكائن الذي انحدرت منه كل تلك الحيوانات، والتقط صورا معه، أو أنه حفر في طبقات الأرض فوجد ذلك الكائن – نعفيه من إثبات عبارته المجازية “الانتقاء الطبيعي” بمعادلة رياضية أسوة بما يراه داروين تعبيرا مجازيا في الفيزياء والكيمياء. أما إذا رد علينا داروين بنفس الدليل التافه بأنه هو أيضا يستطيع أو لا يستطيع أن يرى تفسيرا، فإننا لن نسخر منه وحسب، بل ونقول له إنه شاهد زور تافه. ولن يجديه نفعا أن يرى بعض الضوء بالاستعانة بالانتقاء الطبيعي، المجهول الهوية.

يتبع ..
‎2021-‎01-‎26