حواضن داعش هل هم السنة أم عملاء أمريكا في الحكومة؟

صائب خليل.

الصورة الأولى: كثيرا ما كتب لي أحد الأقرباء في الحشد الشعبي في حديثة انهم يعرفون اين يختبئ الدواعش، لكنهم محميين واقوياء، وقيادة الجيش ترفض تقديم الاسناد الجوي اللازم لمهاجمتهم. قال: لما نهاجمهم فمن اجل ان نقتلهم، لأننا إن سلمناهم الى الحكومة، فسوف يطلق سراحهم خلال يوم واحد أو أيام، ويعودون للانتقام منا.

الحكومة مع من؟ والجيش مع من؟ والشرطة الاتحادية مع من؟

الصورة الثانية: نائب رئيس الجمهورية يتعذر لرئيسه عن توقيع الإعدام بآلاف الدواعش المدانين بالإجرام في سجن الحوت، بسبب “ضغوط منظمات حقوق الانسان”!

رئاسة الجمهورية مع من؟

الصورة الثالثة: فيديو يتم تداوله لوزير الدفاع (سني)، يعترف انه من الطبيعي ان يتواجد الدواعش في القرى السنية قرب “أهلهم”، فلو فرضنا ان قرية فيها 4000 شخص، سيجدون بالتأكيد أربعين او عشرين او عشرة يساندوهم.
طيب لماذا لا تتعاونون مع بقية الـ 4000 الآخرين على قتلهم؟؟

الصورة الرابعة: كاريكاتير لإثارة الشيعة فيه شخص متأنق كتب عليه “سني معتدل” يخبر ضحية شيعي على وشك ان يذبحه داعشي، بأنه لا يعتبر داعش محسوبة على السنة!

شخصية متخفية تحت اسم أبو علي الشمري، بلا صورة، يضع الكاريكاتير أعلاه ليشجع قراءه على مهاجمة السني بشكل عام يختم تويتره بشتيمة “للطاهرين” من السنة، وقطيع من الغنم تبدي اعجابها بـ “شجاعته”!

آخر يكتب محتجا على كمية الإعلام الذي حصل عليه والد ضحيتين هما “علي وعمر”، وآخر يذهب الى الدعوة الى الاحتجاج على الاعلام الذي حصل عليه عثمان الذي استشهد وهو ينقذ ضحايا جسر الأئمة.

آخر يضع فيديو لداعية سعودي يدعو الى قتل الشيعة، ويفترض ان هذا هو مصدر الإرهاب السني العراقي ضد الشيعة وانه دليل ان القضية “مذهبية” الخ…

(لم أر احداً وضع فيديو من العشرات الموجودة لداعية عراقي سني يدعو الى الوحدة مع الشيعة ومحاربة داعش، فهل العراقيين في جوامعهم يستمعون الى السعوديين ام العراقيين؟)

تسونامي اعلامي يريد اقناعنا ان الباب الشرقي منطقة شيعية! ولولا إن معظم طلعاتي مع أصدقائي في بغداد كانت الى الباب الشرقي، لكنت صدقت الكذبة! وحين تبينت هوية بعض الضحايا وانهم من السنة، انزعج الكثيرين وسارعوا إلى محاولة حماية الكذبة العزيزة بمختلف الطرق. فمثل هؤلاء لا يلذ له الحدث، ما لم يكن مصبوغا بصبغة طائفية، مثلما لا يلذ له التويت ما لم يكن يرفع من شأنه الطائفي على حساب المقابل، او يجعله ضحية والمقابل في الطائفة الأخرى مجرم، وحين يجد الضحايا من الطرفين، والمذنبين بالجريمة من الطرفين، ستبدو القصة “باهتة” و “بلا ملح” و”شعارات وطنية” لا تثير الحماس المطلوب، ولا تفرغ الغضب.

لذلك، حين يرى منشورا مثل كاريكاتير “علي الشمري” فإنه يجد فيه متنفساً لكل غضبه الذي لا يدري اين يذهب به. ها هو أخير “رجل شجاع” يقول “الحق” ويتيح لي ان انفس غضبي!

لكن هل هو الحق فعلا، وهل هي الشجاعة والقوة فعلا؟ أم إنها اندفاعة ضعف وعجز عن مقاومة إغراء الخطأ المفضوح وتفريغ التوتر والغضب بأي كان ووصفه بالشجاعة؟

السني يا اخي العزيز، مثلك تماما! إن كان بريئا فهو بريء 100%، وان ارتكب جرماً فيجب وصفه بالمجرم وليس بالمتطرف أو المعتدل الإجرام! السني مثلك يريد ان يعيش بأمان ويحيا بطمأنينة. لكن السني (مثلك ايضاً) مخترق بالعملاء والمجرمين والاعلام المدمر. و(مثلك أيضا) فيه المجرم وفيه المرتشي وفيه الخائن وفيه الوطني والشريف، فيه الجبان وفيه الشجاع المقاتل. ومثلك أيضا يحتاج الشريف الى تنظيم واسناد ليقاتل. لكنه (مثلك أيضا) محاصر من كل جانب ومهدد من كل جانب.

ان فيض الانتعاش الذي تشعر به لما يكتب أمثال علي الشمري، ليس لفرط الحق والشجاعة التي في هذا المنشور، بل لأنه يعفيك من البحث عن الحق ومن الشجاعة، ويعطيك بضربة واحدة الإحساس بالتفوق. أما الحق فهو ان تشير الى المجرمين الحقيقيين وليس الى خليط يلبس فانيلة فريق الطائفة ليسهل تمييزه عندك، ومعظمه من الأبرياء، والشجاعة ان تقولها بوجه المجرمين الحقيقيين وليس ان تجد ضحية اسهل تفرغ فيها توترك!

أنا لست “سني معتدل”، انا “متطرف” بامتياز. متطرف في الوقوف مع ما اعتقد به حتى النهاية، ولا اعرف من هو اشد تطرفا مني في مواقفه، واحتقر “الاعتدال” بين ما أراه الحق والباطل والتمييع بينهما. انا اعتز بأن تطرفي هذا جعلني أول من يدعو الى تنفيذ الإعدام في مجرمي سجن الحوت ردا على الجريمة الأخيرة. وربما كنت اول من نبه الى خطر التظاهرات على سجن الحوت وانها قد تهدف الى اطلاق سراح المجرمين فيه، وكنت اول من دعا لنصب تمثال للجنرال الكبير قبل ان يستشهد بسنين حين كان أبناء طائفته يحاولون رد التهم عنه بحذر. ولطالما هاجمت متعهدي الطائفية السنة قبل الشيعة، وبتطرف اعتز به! ودعمت “بتطرف” الصدريين حين كانوا وحدهم بوجه الاحتلال، ثم كشفت مراوغاتهم حين انقلبوا الى خندقه، وهاجمت من يدعو لبقاء الاحتلال.

ولا اعرف أحدا مثلي من دافع عن ايران بوجه سيل الاخبار والتلفيقات الكاذبة التي أثيرت عليها سنوات طويلة (حتى كشفت حكومة روحاني المشبوه عن حقيقتها بدعم تنصيب العميل الأمريكي مصطفى الكاظمي)، وكذلك دفاعي المستميت عن الحشد بوجه كل المؤامرات والأكاذيب التي حيكت حوله. لم اكن معتدلا في أي موقف ابدا، ولست آسف ولا أطالب أحدا بشيء لأني فعلت هذا وما أزال افعله من اجل رضاي عن نفسي متحملا ما كلفني ذلك، من اجل مواقف لا اخجل منها يوما.

قبل اشهر نشرت فيديو للوزير الوحيد الذي تجرأ على مطالبة الحكومة بدفع ثمن الغاز الإيراني وقال ان العراق يحتاج الى ايران ان كان يريد الكهرباء وان ايران مستعدة وان الغاز منها ارخص من السعر العالمي. وهذا قبل ازمة الكهرباء الحالية مع ايران بسنين عديدة! هذا الوزير “السني” لم يكن معتدلا ايضاً بل كان شريفا و “متطرفاً” وليس في ملف غاز ايران وحده، فما كان مصيره؟ تخلى عنه الجميع، الشيعة قبل سنة الحكومة، واضطر لترك منصبه بعد بضعة اشهر!

رأيت قبل فترة احد شيوخ العشائر السنية المعروفة في الرمادي بموقفه الصريح المعادي لداعش (حميد الهايس) يقول بمرارة ساخراً: لو عاد الزمن لوقفت مع داعش.. (أو شيء من هذا القبيل) وحين يسأله محدثه عن هذا الكلام الغريب ينفجر غاضباً ان الدواعش في الانبار هم من يحصلون على الدعم الحكومي والأمني وهم من يرتفع نجمهم بينما يجد معارضيهم في وضع خطر على حياتهم بدون حماية! إذن، في السنة كما في غيرهم، من هو سافل او حمار، ومن هو شريف وشجاع وواعي، فمع من وقفت الحكومات المتتالية؟

هل تعاونت الأحزاب الشيعية مع الهايس واللويزي والشيخ محمد النوري والشيخ خالد الملا والشيخ أحمد الكبيسي، ام كانت لا تظهر “اخوتها العابرة للطائفية” إلا مع خميس الخنجر واثيل النجيفي وسليم الجبوري ومحمد الحلبوسي؟

طرحت هذا السؤال فأجابني احدهم: هذا لأن السنة يصوتون للخنجر والنجيفي والحلبوسي فيضطر الشيعة الى التحالف معهم من اجل مقاعدهم ليصبحوا الكتلة الأكبر ليتمكنوا من تشكيل حكومة مناسبة. وهنا نطرح ثلاثة أسئلة:

1- هل الانتخابات سليمة الى الدرجة التي تؤكد هذا وانه ذنب الناس فعلا؟
2- لنفرض بالفعل ان المجرمين حصلوا على اعلى الأصوات بحق، هل من حق الانسان الشريف ان يتحالف معهم؟ إن كنت تتحالف معهم من اجل مقاعدهم، فأنك تفقد حقك بلوم من يقف معهم او يتجنب مواجهتهم من اجل سلامته او حتى مصلحته!

3- ما الذي فعلته كتلة الفتح بمقاعد المجرم خميس الخنجر، وما هي الحكومة “المناسبة” التي لم يكونوا يتمكنون من تكوينها لولا مقاعده التي جعلتهم الكتلة الاكبر، واضطروا من اجلها الى التحالف مع مجرم؟

ألم تكن اوسخ حكومة عرفها تاريخ العراق كله واشدها عمالة وخسة؟ اين الكتلة الأكبر التي تم التضحية بالشرف من اجلها والتعاون مع المجرمين من اجلها؟ من يعرفها؟ ما دورها بتشكيل الحكومة؟

ستقول لي: وماذا بيدي أن افعل انا مع ساسة لا يستمعون الي وطاعتهم الوحيدة للسفارة؟ وأقول لك: لماذا اذن لا تفكر ماذا يستطيع السني ان يفعل وساسته قد لا يستمعون اليه وهم اكثر عمالة للسفارة، خاصة انه تحت الإرهاب المباشر لداعش وليس له أي تنظيم ديني او اجتماعي يحميه؟

وستقول لي أنك لم تنتخبهم وانهم جاءوا بالتزوير. ولكن الا ينطبق ذلك على الجميع؟

إن المواطن الشيعي البعيد، يستغرب ان يجد أمثال الدواعش مكانا في مدينة ترفضه او يرفضه معظم سكانها، ويسيطرون عليها. لكن ألم يسيطر التشرينيون على مدن الجنوب ويفرضوا سلطتهم على شوارعها واخلاقهم المناقضة لأخلاقية مجتمعاتها، على مشاهدها لأشهر طويلة وربما سنة كاملة، ومازالوا حتى اليوم يظهرون بمشاهد عنف في شوارعها، ويجبروها على أن تبقى حبيسة بيوتها يعمها الشلل، وهم اقل سلاحا وشراسة من داعش؟ فهل لنا ان نقول ان “الشيعة” حواضن لهؤلاء المكبسلين؟ هل احتاج هؤلاء اية خلفيات عقائدية أو تاريخية ليقنعوا مجتمعاتهم بأنفسهم ام فرضوا أنفسهم واخلاقهم عليها؟ ألا يكفي هذا للتشكيك بالفرضية القائلة باحتضان السنة لداعش بالرضا، وبأن ذلك يعود بالفعل لاستماع سنة العراق لخطابات المعتوهين في السعودية؟

لا اريد ابدا ان ارسم صورة وردية للسنة، بل العكس، حالهم هو الأسوأ واختراقهم هو الأشد، لكني يا صديقي اريد ان اصحيك من حلمك الطائفي الوردي الذي تلبس فيه طائفتك ثياب الملائكة والضحايا دائما وتلبس الأخرى ثياب الشياطين. فحواضن داعش الحقيقية هم العملاء في الحكومة شيعة وسنة، وهم من يحموها وهم من سلمها سلاحه وسلمها المدن السنية التي كانت تحت حمايته وترك بعضها يدافع عن نفسها اشهرا بدون دعم الجيش، ثم بعد ذلك حمى الخونة من الضباط ولم يحاكم كلبا واحدا منهم بتهمة الخيانة! فمن هي “حواضن” داعش، هؤلاء أم المواطن السني الذي لا حول له ولا قوة والذي هجرته داعش من مدنه حين تخلى الجميع عنه؟ وإن كان بعض السنة قد تم غسل ادمغتهم واقنعهم الاعلام، مستغلا صورا طائفية، بأن داعش تأتيه بالخلاص والخير، فما هي حجة ساستك “الواعين” الذين لم يكن الاعلام قادرا على خداعهم لوقوفهم مع الدواعش، سوى العمالة الخالصة من اجل المنصب وعلى حساب دماء كل العراقيين، من طائفتهم وكل الطوائف؟ من هي حاضنة داعش حقاً؟

إذن يا صديقي، افق من روايتك الطائفية الملائكية اللذيذة، ففيك وفي طائفتك من الخلل والاختراق بقدر غيرها، وتعاون مع امثالك من الطائفة الأخرى بوجه العملاء من طائفتيكما، وخصوصا من وصل منهما الى الحكم والجاه. فهؤلاء هم حاضنة داعش وحاضنة الاحتلال وحاضنة الفساد وكل الشرور. والشجاعة هي ان ترى ذلك، لا ان تضرب من تستطيع ان تضربه. كن شجاعاً لتحمل الحقيقة الثقيلة، وكن “متطرفا” في الدفاع عنها وارفع نعلك بوجه من يريد ان يجرك الى قطيع طائفي مخادع وذليل!
أن امامنا وأمام عزمنا وشجاعتنا اهداف محددة واضحة انتقاما للضحايا الذين مضوا، وانقاذا للقادمين:

– اعدام الدواعش المدانين في الحوت
– اجبار اميركا على تسليم المناطق التي تحمي فيها الدواعش للجيش
– اجبار اميركا على سحب قواتها من العراق
– إزالة الحكومة العميلة لأميركا من الخضراء وانتخاب من نصدق انه لن يكرر هذه الخيانة، وإلغاء كل قراراتها المدمرة

على قدر تحقيقنا هذه الأهداف يكون مستقبلنا وعلى قدرها يمكننا ان نعتز بشجاعتنا، لا بمهاجمة الأبرياء لمجرد اننا لا نقدر على مواجهة العدو الحقيقي.

 

24 كانون الثاني 2021