الصّين تملأ فراغ الانسحابات الأميركية.. أكبر اتفاق تجاري في العالم!
نور الدين إسكندر.
15 دولةً في جنوب وشرق آسيا والمحيط الهادئ توقع أكبر اتفاق تجاري في العالم. خبر بالغ الأهمية في مسار الاقتصاد العالمي في مرحلة إعادة الانطلاق بعد كورونا. ما هي الآثار المتوقعة؟ من غاب؟ ولماذا؟ وكيف سينعكس فوز بايدن على العلاقات الاقتصادية مع الصين؟

لطالما كانت مقاربة دونالد ترامب للعلاقات الخارجية مثيرة للجدل. فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2016، أطلق مساراً مختلفاً جداً عن مسار “عقيدة أوباما”. لقد توالت الانسحابات الأميركية من الاتفاقيات الدولية الواحدة تلو الأخرى، وهي طالت أهم ملفات العلاقات الدولية التي احتاجت سنوات وجهودا خارقة لتوقيعها، مثل الاتفاق مع إيران حول البرنامج النووي، أو اتفاقية باريس للمناخ، أو الاتفاق التجاري مع الصين…

لقد نصح خبراء عديدون إدارة ترامب بخطورة تدمير الجهود الجماعية التي بذلت للتوصل إلى هذه الاتفاقيات، من خلال إفقادها التوقيع الأميركي والانسحاب منها، خصوصاً أن الانسحاب من الاتفاق التجاري مع الصين كان عنصر تفجير للحرب التجارية التي لازالت تدور رحاها بين القوتين العظيمتين.

الصين تملأ الفراغ
في كانون الثاني/ يناير من العام 2017، قضى ترامب على فرصة هائلة لبلاده بتزعم تكتل اقتصادي يشكل حوالى 40 في المئة من الاقتصاد العالمي، من خلال انسحابه من “اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادي”، التي وقعها سلفه باراك أوباما وشكّلت ركيزة لنظرته العالمية اقتصادياً. لكن قدرات ترامب التدميرية رأت في الاتفاقية “كارثة محتملة لأميركا” بسبب ضررها بالصناعات الأميركية، وفق رأيه.

لقد شملت الاتفاقية التي بدأت من “مبادرة واشنطن” الكثير من الدول التي انضمت اليوم لاتفاقية الشراكة مع الصين كبديل لتعطل الاتفاقية مع الأميركيين، ومن أبرز هذه الدول حلفاء واشنطن الكبار مثل اليابان وأستراليا وماليزيا ونيوزيليندا.

لقد كتبت مواد إعلامية وأكاديمية كثيرة، وعلت أصوات أكثر حول العالم، وربما أكثر منها في الداخل الأميركي لتقول لترامب: لا تخرج من الاتفاقيات، فذلك سيكون في مصلحة الصين، وسيدفعها إلى خياراتٍ مضرة بموقع واشنطن في قيادة العالم. واليوم، تتحقق هذه المخاوف مع قيادة الصين لأكبر اتفاقية تجارية في العالم.

خفض التوتر في بحر الصين الجنوبي
في أواخر شهر حزيران/يونيو من العام الحالي، كانت أجواء دول شرق آسيا والمحيط الهادئ متّشحةً بالمفاعيل السوداوية التي جلبها انتشار جائحة “كوفيد-19” لها وللعالم. في ذلك الوقت، كان الفيروس المستجد ينتقل بين ذروتين، تمثلت إحداها بالموجة الأولى التي ضربت الصين، ثم أوروبا، وبعدها الولايات المتحدة الأميركية، فيما تمثلت الأخرى بالموجة الثانية التي تعود اليوم إلى أوروبا وأميركا. يومها، أعرب رئيس الوزراء الفيتنامي نجوين تشوان خلال قمةٍ لقادة دول منطقة جنوب شرق آسيا (تتولى فيتنام هذا العام رئاسة رابطة دول جنوب شرق آسيا-آسيان)، عن أسفه لأن الوباء “جرف” أعواماً من النمو الاقتصادي في المنطقة.

وعلى الرغم من الخلافات الكبيرة بين دول المنطقة، فإنها كانت على الدوام تبذل معاً جهوداً كبيرة لتحقيق النمو الاقتصادي في ذلك الجزء من العالم، كما كانت طوال 8 سنوات تخوض مفاوضاتٍ بهدف التوصل إلى اتفاق تجاري كبير يعود بالمنفعة عليها جميعاً، ويخفض منسوب التوتر في بحر الصين الغني بالتنوع البيولوجي والموارد الثمينة، والذي يعد معبراً أساسياً للتجارة البحرية العالمية.

لقد كانت التوقعات تشير إلى انكماش اقتصادي في المنطقة لأول مرة منذ أزمة العام 1998، لكن الجهود استمرت لمواجهة ذلك، وشكّلت القمة الافتراضية للقادة التي عقدت في حزيران/يونيو الفائت فرصة للتوافق، أثمرت اليوم عن توقيع 15 دولة من دول جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ على الاتفاق الوليد بعد إعادة إحياء مفاوضات السنوات الـ8 حول مشروع الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، وهو المنبثق من فكرة صينية لتعزيز التعاون بين دول المنطقة، لكنه تعثّر بعد انسحاب الهند من المشروع في نهاية العام 2019. واليوم، تمكنت الصين ومعها الدول الـ14 المتبقية من تجاوز العقبة التي أحدثها خروج الهند من المشروع، بالتوصل إلى أكبر اتفاق تجاري في العالم، فما هو هذا الاتفاق؟

الاتفاقية التجارية الأكبر
تشكّل الاتفاقية التجارية الجديدة حدثاً كبيراً ومفصلياً في المسار الاقتصادي لمعظم دول منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ. يتعلق الأمر بحجمها (أكبر اتفاق تجاري في العالم)، وبعدد الدول الموقعة عليها (15 دولة: الصين، اليابان، أستراليا، تايلاند، فيتنام، لاوس، الفيليبين، كوريا الجنوبية، كمبوديا، ماليزيا، ميانمار، سنغافورة، نيوزيلندا، إندونيسيا وبروناي)، وبحجمها البشري (تخدم الاتفاقية نحو 2.2 مليار نسمة، على الرغم من خسارة الكتلة البشرية الهائلة للهند)، كما يتعلق بموقعها الجغرافي وبطبيعة علاقاتها، وبالتناقضات التي تفصل بينها، وبالمشروعات السياسية الخارجية التي تستهدف المنطقة ودولها.

إنها عامل ربطٍ متين ومجدٍ على المدى البعيد بين هذه الدول، قد يساعدها على التقارب اقتصادياً، وبالتالي تحقيق المنافع المتبادلة بين بعضها البعض، الأمر الذي سيقود، في حال سارت الأمور على ما يرام، إلى انخفاضٍ في منسوب التوتر السياسي، ومزيد من الاستقلالية عن المشروعات الخارجية البعيدة التي تحاول تشغيل “لعبتها” في المنطقة.

وإذا كانت الصين هي المستفيدة الأكبر من الاتفاق، نظراً إلى حجمها الطاغي وضخامة اقتصادها مقارنة بالدول الأخرى، فإن السوق الصينية بمستهلكيها الذين يقتربون من 1.5 مليار نسمة ستشكل فرصةً كبيرة للدول الأصغر حجماً ضمن اتفاقية “الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة” (RCEP).

كما أن التكتل التجاري الناشئ سيكون أكبر تكتلٍ تجاري في العالم، إذ يستحوذ على ما يقارب 33% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم. وترى الصين في الاتفاق “بصيص نورٍ وأمل”، على حد تعبير رئيس وزرائها لي كه تشيانج، بعد مراسم التوقيع الافتراضية، وطريقاً للتعددية الاقتصادية، وانتصاراً للاقتصاد العالمي، كما تراه بكين.

إشاراتٌ لافتة
3 إشاراتٍ لافتة حول هوية الدول الأعضاء واقتصارها على الدول الـ15 المذكورة:

-انسحاب الهند قبل التوقيع على الاتفاق، بسبب ما يعتقد أنه خوف من فتح السوق الهندية أمام البضائع الصينية الرخيصة.

-عدم شمول روسيا بالاتفاق، وهي الدولة الواقعة أيضاً على الشاطئ الشمالي الغربي للمحيط الهادئ، واقتصار الأعضاء على دول جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ.

-استبعاد الولايات المتحدة الأميركية (التي أطلقت مبادرة واشنطن، لكنها لم تعد مطبَّقة) من الاتفاق، ومن المبادرة في الأساس.

وإذا كان مفهوماً سبب عدم مشاركة الهند، فإن عدم وجود موسكو وواشنطن ضمن الدول الموقعة عليه، يشير إلى أبعادٍ سياسية تتعلق برؤية الصين لهذا المشروع على المدى البعيد، وللنتائج التي تتوقعها منه، فبكين التي أطلقت قبل سنوات مبادرتها الضخمة “الحزام والطريق”، والتي ستوصل بضائعها عبر العالم من شرق آسيا، مروراً بوسط آسيا وغربها، وصولاً إلى قلب أوروبا، والتي تجمعها أنواع مختلفة من التكتلات الاقتصادية المتصلة أو العشوائية جغرافياً (مثل بريكس)، تقترب من تغطية كل العالم بشراكاتها الاقتصادية، وهي اليوم تكمل رؤيتها لمنطقة أخرى شديدة الأهمية بالنسبة إليها وإلى تطلعاتها المستقبلية.

معهد “بيترسون” للاقتصادات الدولية، ومقره الولايات المتحدة، أصدر توقعات محتملة للعوائد التي ستجنيها الدول الموقعة على الاتفاق، فوجد أن استفادة الصين قد تصل إلى زيادة 85 مليار دولار على ناتجها المحلي الإجمالي، إضافة إلى فرص تقليص الاعتماد على أسواق وتكنولوجيا العالم الغربي، الأمر الذي يضعها على رأس الدول المستفيدة من الاتفاق الذي من شأنه أن يخفض التكاليف ويسهل الأمور على الشركات، عبر السماح لها بتصدير المنتجات إلى أي بلد ضمن التكتل، من دون الحاجة للإيفاء بالمتطلبات المنفصلة لكل دولة، وهو يتطرق إلى الملكية الفكرية، لكنه لا يشمل حماية البيئة وحقوق العمال.

هذه العوائد المهمّة والمتنوّعة التي يتوقّعها الخبراء اليوم من الاتفاق، دفعت بعض هؤلاء إلى توقع قيام الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة الرئيس المنتخب جو بايدن، بإعادة النظر في سياسات بلادها في المنطقة، وبحث الميزات المحتملة للانضمام إلى الاتفاقية.

ولا بد من أن تؤدي الاتفاقية الجديدة إلى تسريع عملية الخروج من الآثار المدمرة لفيروس “كوفيد-19” في اقتصادات المنطقة، وإعطاء دفعٍ جديدٍ للجهود الاقتصادية لدولها، التي تواجه الغالبية العظمى منها انكماشاً اقتصادياً محبطاً لأول مرة منذ نحو 22 عاماً.

إنها تمثل مساراً معاكساً لمسار تطور الاقتصاد العالمي الذي يشهد انكماشاً شديداً في الوقت الحالي، فقد أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCED) تقريراً حول تداعيات انتشار فيروس كورونا على الاقتصادات الكبرى في الربع الثالث من العام الحالي، حيث تبين انكماش الاقتصاد البريطاني بنسبة 9.6%، والفرنسي بنسبة 4.3%، والألماني بنسبة 4.2%، والأميركي بنسبة 2.9%، والكوري الجنوبي بنسبة 1.3%، بينما نما الاقتصاد الصيني خلال الفترة نفسها بنسبة 4.9%، لكن كيف تتعاطى الصين مع رحيل ترامب عن البيت الأبيض خلال شهرين؟

رحيل ترامب يعوّم فرص الصين
لقد واجهت الصين ظروفاً صعبة خلال السنة الماضية، فقد أرخى فيروس كورونا بثقله على اندفاعة اقتصادها، لكن بكين واجهت ذلك ضمن استراتيجية متدرجة للتعايش، ومن ثم الانطلاق مجدداً، وصولاً إلى نمو اقترب من 5% في الربع الثالث من العام، كما أوردنا سابقاً، لكن خلال العامين المنصرمين، واجه اليوان الصيني ضغوطاً كبيرة من مصادر سياسية واقتصادية، غير أن النمو المستعاد اليوم يؤشر إلى مرحلةٍ مختلفة.

في تقريرٍ نشره موقع “بلومبيرغ” الأميركي، قالت الكاتبة شولي رين إنّ هناك شيئين غريبين حدثا في بنك الشعب الصيني في أقل من شهر، إذ لم يعد ضرورياً بالنسبة إلى البنوك حجز أي سيولة نقدية عند إجراء العملاء عمليات بيع اليوان، الأمر الذي يجعل المراهنة على العملة إجراءً أرخص، ما يساهم في إضعاف اليوان، ويؤدي إلى إكساب الصين ميزات تفاضلية إضافية في مجال التصدير الخارجي لمنتجاتها المحلية.

كما قام البنك المركزي الصيني بإزالة ما يسمّى “العامل المعاكس لاتجاه الدورة الاقتصادية”، وهو أحد العناصر المستخدمة لتحديد سعر الصرف اليومي للعملات، وقد تم إنشاء هذه الأدوات المهمة في العامين 2015 و2017 لوقف تراجع اليوان. وأضافت الكاتبة أن الربع الأخير كان الأفضل لليوان منذ أكثر من عقد، ففي الوقت الراهن تحتاج بكين إلى منع العملة من أن تصبح قوية أكثر من اللازم، ولا سيما بعد فوز جو بايدن.

وفي كل الأحوال، فإن بكين تنتظر سياسةً أميركية قابلة للقياس تحت إدارة بايدن، فعلى الرغم من التقلبات التي يشهدها سعر اليوان، والتي تؤدي إلى خوف المستثمرين على المدى الطويل، فإن كثيرين من الخبراء بالأسواق المالية يعتقدون أن فوز بايدن سيؤدي إلى ارتفاع عوائد سندات الخزينة الصينية، ثم إن ذلك سيدفع سعر الفائدة الصيني إلى الانخفاض، باتجاه تضييق الفارق مع سعر الفائدة في الولايات المتحدة (يبلغ الفارق حالياً 2.4%).

وعلى أساس ذلك، من المتوقع أن تعزز الصين فرصها في اجتذاب تدفقات المحافظ الأجنبية، وهي اليوم في طريقها لإصدار 3.8 تريليونات يوان (ما يعادل 568 مليار دولار) من السندات هذا العام، بزيادة تصل إلى 130% تقريباً عن العام 2019.

ووفق التقرير المشار إليه من “بلومبيرغ”، فإن الصين سعيدة بفوز بايدن، وتتوقع انخفاض الضغوط التي أحدثتها سياسات ترامب على عملتها الوطنية، إذ إن زيادة قيمة اليوان بصورةٍ متسارعة تؤدي إلى الإضرار بمصلحتها، على الرغم من كونه مفيداً من ناحية ثانية بالنسبة إلى المستثمرين بأصول صينية. ولا يزال استقرار سعر العملة يعتبر مصدراً للطمأنينة بالنسبة إلى المستثمرين، على الرغم من أن تجربة الأسواق الناشئة أظهرت أن شهية الاستثمارات الأجنبية فيها بقيت مرتفعةً في الوقت الذي يتذبذب سعر العملة.

في العام 2016، ارتفع منسوب التوتر في العلاقات الصينية الأميركية، ثم تبادل الطرفان قرارات رفع الرسوم الجمركية، ورغم اتفاقهما المبدئي على تجاوز الأزمة، إلا أن خروج الكثير من الاستثمارات الأميركية والأوروبية من الصين زاد من المخاوف بشأن احتمالات تصعيد الوضع بين الطرفين.

وبالأرقام الرسمية الأميركية، فإن قيمة التبادل التجاري بين البلدين انخفضت بفعل سياسات ترامب من 659 مليار دولار في العام 2018 إلى 384 مليار دولار خلال الفصول الثلاثة الأولى من العام الحالي، وبالتالي فإن الفارق لمصلحة الصين في الفوائض التجارية تقلص خلال السنوات الأربع الماضية.

أما اليوم، فمن المتوقع أن تعود السياسة الأميركية إلى تقاليدها واستقرارها المعهود، وبالتالي من المرجح أن تعود التفاهمات مع القوى الكبرى الأخرى إلى أولوية السياسة الخارجية الأميركية بشقها الاقتصادي، وتعتمد واشنطن على التفوق التكنولوجي لإحداث التوازن في مقابل تفوق الصين تجارياً.

ومع الاتفاقية الجديدة التي وقعتها الدول الـ15 في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، فإن بكين سوف تكتسب مزايا تجارية جديدة من جهة، وفرصاً للحصول على تكنولوجيا جديدة من مصدر غير غربي من جهةٍ ثانية، وهذان الأمران من شأنهما أن يساعداها على تحفيز انطلاقتها، لتكون القوة الاقتصادية الأولى في العالم مستقبلاً.

ويتوقع أيضاً مع سياسة جو بايدن أن تتخلص أميركا من تركّز تجارتها مع الصين خلال الفترة المقبلة، وأن تعمل على زيادة تجارتها مع دول أخرى تتميز بمزايا التجارة مع الصين نفسها، من حيث سعر المنتجات الرخيص، وفي الوقت نفسه معدلات الجودة نفسها، وهو ما ستجده بوفرة من خلال دول جنوب شرق آسيا.

إنها فرصة صينية كبرى بكل المقاييس، لكنها فرصة تدفعها إلى الأمام التحولات الإيجابية المنتظرة في البيئة العالمية جراء رحيل ترامب من الرئاسة الأميركية، أكثر من تلك المتوقعة من أداء بايدن نفسه.
الميادين
‎2021-‎01-‎21