الوطن الضائع بين التكليف والتشكيل !
ثريا عاصي.
من الطبيعي أن يتساءل المرء في لبنان عن المسافة التي قطعها السيد سعد الحريري، نجل المرحوم رفيق الحريري في تشكيل الحكومة بعد انقضاء ثلاثة أشهر تقريباً على التكليف. فمن نافلة القول أن التأخير مستغرب في الظروف الحرجة التي تمر فيها البلاد على كافة الصعد المعيشية، الصحية، الأمنية والإقتصادية.

بكلام أكثر صراحة ووضوحاً هل سبب ذلك هو التناقض الذي يفترض بعض المحللين وجوده بين المكلّف بالتشكيل من جهة وبين الذي يتطلب تمرير التشكيل موافقته من جهة ثانية. ما يعني ضمنياً أن ما يريده الأول متناقض مع تصور الثاني، وهذا أمر يحدث غالباً في النظام الطائفي الذي من المستحيل أن يكون ديموقراطياً، ولكن جرت العادة على تمويه طبيعته الإقطاعية بمصطلح «الديموقراطية التوافقية» الذي لا معنى له.

مجمل القول إن المكلّف يحاول أو يقترح تشكيل حكومة من أشخاص لا يرضى عنهم رئيس الجمهورية وربما أنه يرفض أيضاً الخط السياسي الذي تنوي هذه الحكومة اتباعه. هنا يجد المراقب نفسه أمام فرضيات كثيرة تستلزم البحث الدؤوب عن إثباتات تمكنه موضوعياً، من ترجيح إحداها، هذا إذا كان ليس من هواة فك الاحجيات في البازار السياسي اللبناني حيث يكثر السماسرة وتجري الصفقات بالضد من المنطق والمبادئ والقيم.

مهما يكن فمن حق هذا المراقب أن يتساءل عن المهلة التي يمنحها الرئيس المكلّف لنفسه قبل أن يعلن أمام الناس جميعاً أو أمام الفاعليات السياسية التي فرضت تكليفه، موقفاً حاسماً في موضوع إمكان تشكيل الحكومة أو استحالته. ومن البديهي أن التساؤل عينه مبرر حول موقف رئيس الجمهورية من هذا الموضوع .

ينجم عنه استطراداً سؤال آخر عن ضرورة الحكومة أو لزومها، في ظل نظام طائفي تسرطن، تحت تأثير مؤشرات على تنامي الوعي الوطني التقدمي في سنوات 1970 بعد حربي 1967 ثم 1973، على شكل انحلال أخلاقي في الأوساط السياسية وعودة إلى التقوقع الطائفي والاستسلام للعصبية القبلية على حساب المشروع الوطني المشترك.

من المعلوم أن اللبنانيين عاشوا بين سنوات 1970 إلى الآن، فترات طويلة دون حكومة أو دون رئيس للجمهورية، بينما كان مجلس النواب وما يزال يجدد ويمدد وكالته مرة تلو مرة بأساليب ملتوية، مباشرة وغير مباشرة، ولا حرج في القول ان المحصلة هي بالقطع كارثية كما تشهد على ذلك الأوضاع الحالية.

وأخيراً وليس آخراً، لا شك في أن تمسك الرئيس المكلّف بمهمة تشكيل الحكومة رغم إخفاقه في ذلك بعد مضي ثلاثة أشهر، مثير للحيرة وربما للريبة أيضاً. فهل يستطيع هذا الرجل مصادرة حكومة البلاد إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً؟ وما هو دور الفاعليات التي فرضته كشخصية مؤهلة حصرياً لتشكيل الحكومة؟ ألا يحق لنا أن نبقي على فرضية وجود إرادة لعرقلة تشكيل الحكومة كسباً للوقت؟
‎2021-‎01-‎20