اقتحام الكونغرس: ترامب ليس نيرون!
خليل حرب.

ثمة ما أثار الشهية في تأمل مشاهد اقتحام الكونغرس الاميركي أكثر من مجرد “التشفي” بالمنزلق الذي أوصل دونالد ترامب واشنطن اليه.

مشهد اقتحام الكونغرس حافل بالرموز، وكأنك أنت الذي لم يعايش روما وامبراطوريتها، يشاهد الآن لحظة من لحظات تهاوي “روما العصر” كالذي جرى قبل نحو 1500 سنة.

“روما” بكل ما اختزلته من عنجهية وتعال وظلم والذي لا يبدده ما قدمته من فكر وفلسفة، “روما العصر” تشبهها تماما، حتي في “نيرونها” الذي أفسد في الارض وتكالب عليه “مجلس الشيوخ” وأعلنه عدوا للشعب، بعدما أحرق روما وجلس يراقب متلذذا موت أهلها وعويلهم.

شاء ترامب أو أبى، صار له البعض من صورة نيرون هذا والكونغرس يحاول اقالته. وشاءت واشنطن أو أبت، فإن رداء “روما العصر” الذي حاكته خيوط التعالي والعنجهية، لبسها تماما.

روما القديمة أنهكها الفساد والتآمر السياسي وحروبها التي لا تنتهي وتشرذمها الداخلي وانحلالها اخلاقيا. روما القديمة بحدودها المترامية، بنظرها كل من هم خارج أراضيها، “برابرة” همج.

كم هي صادقة صورتك يا واشنطن حين نقول “روما العصر”. إنفجار أحداث السادس من كانون الثاني واقتحام الكونغرس، لم تكن وليدة لحظتها. ومثلما فضح نيرون وجه روما البشع، فعل ترامب بواشنطن. كلاهما، بعاهاتهما النفسية المرضية، وجشعهما ونرجسيتهما وحبهما للظهور وتخبطهما في ممارسة السلطة، وخيانتهما لاقرب المقربين.

لم يكن اقتحام الكونغرس حدثًا مفاجئًا من اللاشيء، وهو بالتأكيد ليس ثورة “بلشفية” ولا وردية أو ملونة، لكنها لحظة غضب استثنائية سبقتها العديد من محطات الغضب والخيبات من النظام، من رئيسه، من شرطته، من بنوكه، ومن حروبه، وتمظهرات مرات كثيرة في الشوارع.

ان شيئا ليس صغيرًا لا يعمل في أميركا. لطالما حذر كتاب ومفكرون من الخلل الداخلي في المجتمعات الاميركية المتعددة. ان العظمة والسطوة العسكرية في وجه العالم، لا تكفي وحدها لتكون غطاء يستر عورات “الديموقراطية الاميركية” ولا نقول “الديموقراطية” التي هي حاجة بشرية وانسانية للمجتمعات ولاستقرارها.

ان “الديموقراطية الاميركية” هذه هي التي أتاحت للنظام المعتل نفسه أن يخرج الى العالم شاهرًا سيفه مرات ومرات، لا باسم الاصلاح، وانما باسم البطش والتعطش للدم. النظام المعتل هو الذي أنتج نيرون كما أنتج ترامب الذي قد تكون حسنته الوحيدة انه كان “اكثر صدقا” في اظهار عورات “روما العصر”.

من سبقوه، ربما كانوا أكثر ديبلوماسية لكنهم لم يكونوا أقل عنجهية وظلمًا. جورج بوش الذي ذهب ليحرق أفغانستان قبل 20 سنة، شرع الابواب أمام عصابته “المحافظين الجدد”، لا ليخربوا العالم فحسب، وانما ليرسوا قواعد جديدة للحكم والهيمنة الداخلية، لعل أبرز تجلياتها “تكفير” الأميركيين، من سياسيين ومفكرين ومثقفين وكتاب وصحافيين وناشطين، فتسللت العصابة الى هواتفهم وحواسيبهم وبياناتهم الخاصة امعانا في ترسيخ الدولة الامنية.

ولم يكن “التكفير” السمة الوحيدة. سوقت “العصبية الوطنية” كأنها المقياس الوحيد لآدميتك وذلك على مبدأ “من ليس معنا فليس منا”. وصار كل ما هو غريب وأجنبي كـ”البرابرة” الذين صورتهم روما القديمة. فضائح ابو غريب، صارت مجرد حوادث نافرة يحاسب عليها بعض الجنود، لكنها في الواقع التجلي المذهل للسقوط الاخلاقي لـ”روما العصر”.

ليس مسموحًا أن تُجرح أميركا في كبريائها بسقوط برجي نيويورك. ليس مقبولًا أن تبدو ضعيفة، ولهذا فإن عاصفة التعطش للدم التي ستأتي بعدها على شاشات التلفزيون وفي كاميرات الطوافات والطائرات الأميركية المغيرة على الأفغان وأعراسهم وجنازاتهم وبيوتهم ومدراسهم وجبالهم، هو ما يشفي غليل جماهير الأميركيين الغاضبين.

ألم تسمح “الديموقراطية الاميركية” المعتلة لرئيس معتوه بأن يذهب الى حرب على العراق، بادعاءات كاذبة؟ لا يمكن لتاجرة السلاح الاكبر في العالم، أن تذهب الى حرب لتجعل العالم مكانا أفضل.

ان الاميركيين شاهدوا ذلك على مر العقود الماضية. دولتهم علمتهم الكثير. فهذا ترامب يقول لهم، ان الغرباء كالبرابرة في وجه “روما العصر”، وان المهاجرين كالجرذان وان بوش يروج لأكاذيب يأخذهم بعدها الى حرب عبثية. ألم تسخّر عصابة واشنطن الاعلام والمنابر الدينية والبرامج الشهيرة في القنوات التلفزيونية “المهادنة” لاحكام قبضة الدولة العميقة على البلاد وعلى رقاب العالم؟

لأي مشاهد من الخارج، تضاهي صور خنق جورج فلويد ربما في رمزيتها مشاهد اقتحام الكونغرس. انها عنف السلطة، وعنصرية البيض، وكراهية الاسود، وعنجهية النظام وفساده، والظلم الاجتماعي.. “سبارتاكوس” المصلوب ظلما كجورج فلويد. علل روما القديمة هنا بحرفيتها. اميركا الأنانية المتعالية التي لا تعترف بأخطائها، ولا حتى بحسنات غيرها، اميركا الدولة العميقة، والديموقراطية التي يحتلها حزبان، تريد ان ترفع جثثنا كسبارتاكوس على الصلبان. ترامب ليس نيرون. له من صورته. نيرون “روما العصر”، ليس سوى نظامها.
‎2021-‎01-‎19