تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سُمّي عالما (7)!

د. عمر ظاهر.

أمثلة داروين وتشبيهاته ومقارناته

نود أن ننوه إلى أننا في هذه الدراسة لم نكتف باتخاذ ترجمة كتاب داروين إلى العربية كمرجع، بل واستخدمنا بنفس القدر الكتاب الأصلي في لغته الانجليزية، وذلك تحسبا لاحتمال حصول انحرافات أو تشوهات في الترجمة – بقصد تجنبها، ونبهنا إلى ذلك حيث يلزم. ونلفت الانتباه أيضا إلى أن الإحاطة الشاملة بإشكاليات منهج داروين في استخدام/عدم استخدام الأمثلة، والتشبيهات والمقارنات تستلزم مقالات عديدة، فهذا المنهج يتصف بجهل داروين بأهمية التوضيح بضرب الأمثلة التي يجب أن تكون صادقة وتتميز بدرجة عالية من التمثيل (Representation)، وفي الوقت نفسه بسوء استخدام داروين التشبيه والمقارنة وكأنها أدلة علمية بحد ذاتها، وليس مجرد وسائل توضيحية. ومع أننا نجهد في سبيل الإيجاز، لكن تغطيتنا الموجزة ستتجاوز هذه الحلقة من المقالات لتستمر في التي تليها.

عالما الحيوان والنبات

تتعامل نظرية داروين في التطور مع الكائنات الحية في الطبيعة بكليتها. ونظرة إلى أي تصنيف لأشكال الحياة الطبيعية، مثلا تصنيف لينيوس، يُظهر أن الكائنات الحية تنقسم إلى عوالم – أهمها عالم الحيوان وعالم النبات:

https://www.wikizero.com/ar/%D8%B9%D9%84%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81_(%D8%A3%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1)

وطالما يتعامل أي باحث مع تطور الحياة في الطبيعة ومع المبادئ التي تتحكم بسير هذا التطور، باعتبار أن نظريته لها سريان عام على كل مكونات الطبيعة من الحيوان، والنبات، وغير ذلك، فإن هذا يتطلب منه، إن هو كان مستوعبا مجال بحثه، أن يبني بناءً محكما هيكل البحث فلا يترك ثغرات بنيوية أو معرفية يتسلل، أو ينضح، منها الخطأ والنقص. وهنا يمكن لأي باحث مبتدئ، يتلقى الإشراف من مرشد ذي خبرة، أن يدرك ضرورة استخدام طريقة بناء واضحة تفصل حيث تكون هناك حاجة للفصل، وتحبك حيث يمكن الحبك ممكنا. ولو أن داروين كان ذلك المبتدئ فربما اقترح عليه المشرف:

أولا، تناول المبادئ التي يرى أنها تتحكم بتطور الحيوانات، واحدا بعد الآخر، وإعطاء أمثلة واضحة على كل مبدأ.

ثانيا، تناول المبادئ التي يرى أنها تتحكم بتطور النباتات، واحدا بعد الآخر، وإعطاء أمثلة واضحة على كل مبدأ.

ثالثا، تناول المبادئ التي يرى أن لها سريانا في كلا العالمين، وإعطاء أمثلة واضحة على كل مبدأ.

 

ولعرف المبتدئ أن استخدام نفس الأمثلة فيما يتعلق بعالم الحيوان، واستخدام نفس الأمثلة فيما يتعلق بعالم النبات، أسلوب فيه قوة وتماسك أكبر من التقلب بين حيوانات مختلفة ونباتات مختلفة في تناول كل مبدأ. هذا يعني أن يأخذ الباحث، مثلا، كائنا حيوانيا أو أكثر (من الثدييات، أو الطيور)، ويشرح لنا كيف تنطبق مبادئ التطور على كل منها؛ ويأخذ كائنا نباتيا أو أكثر، ويشرح لنا كيف تنطبق مبادئ التطور على كل واحد من هذه الكائنات. هذا سيمكنه من أن يبين عمومية المبادئ وسريانها، مثلا كيف تطور هذا الكائن من كائن حي سالف عليه والمراحل التي مر بها، وأين يرجع في سلسلة التطورات التي طرأت عليه من مليون أو عشرة ملايين سنة، وما هي الأدلة العلمية على ذلك. ويمكنه أيضا رسم حدود واضحة بين ذلك القسم من النظرية الذي يخص عالم الحيوان وبين القسم الخاص بالنبات. وبنفس الطريقة، يأخذ نماذج ثابتة من الحيوانات والنباتات ليشرح المبادئ التي يرى أن لها سريانا في كلا العالمين.

 

داروين لم يختر هذه الطريقة البسيطة والواضحة لأنه كان جاهلا بمناهج البحث العلمي، فراح يقص على هواه وبشكل فوضوي قصصا عن مبادئ وقوانين يفترض انطباقها في الطبيعة بشكل مطلق، مستخدما تعابير من قبيل أنه يظن، ويخمن، ويرى احتمالا، ولا يستطيع أن يشك، أو لا يرى صعوبة في تصور شيء خيالي، أو حتى أن يتسلح بالجهل، ويتذرع بغموض الموضوع، إلخ. وينتقي الرجل الأمثلة التي تناسب ما يراه في كل موضوع، فتراه يتكلم كلاما عاما، لكنه يعطي أمثلة فقط من عالم الحيوان، أو فقط من عالم النبات، أو إنه يتكلم عن مواضيع في عالم الحيوان، لكنه يعطي أمثلة من عالم النبات، أو بالعكس. ثم إنه لا يتناول على الإطلاق نفس الحيوان، أو مجموعة الحيوانات، أو نفس النبات أو مجموعة النباتات في كل المبادئ التي يناقشها، بل كائنات مختلفة لكل مبدأ أو موضوع، فتلك التي يرد ذكرها في معالجة موضوع الغرائز، مثلا، لم نسمع بها من قبل في معالجة الجوانب الأخرى من عمل الانتقاء الطبيعي.

 

طريقة داروين تسمى “خبط عشواء”، وقد يكون المقصود منها إظهار سعة المعرفة وسعة أسس النظرية وتنوع بياناتها، لكنها توفر له، بالتأكيد، الفرصة للتخلص من الإشكالات فيما يتعلق بأمثلة الحيوانات أو النباتات التي استخدمها سابقا عند مناقشة مبادئ أو مواضيع أجديدة. مثلا، لا يتطرق داروين ولا بمثال واحد عن الغرائز لدى الأسماك أو رباعيات الأرجل، بل يركز على الطيور، خاصة طائر الوقواق، وعلى النمل والنحل؛ بينما لم يكن يتطرق إلى الطيور فيما يتعلق بالتدرج في تطور التراكيب. ولم يقل كلمة واحدة عن عمل الانتقاء الجنسي في عالم النبات. وداروين يكثر من الأمثلة عن القواقع والحشرات. وفي مواضع عديدة يراد فيها منه أن يبين كيفية سريان المبدأ الذي يشرحه على الثدييات التي أمام أعيننا، مثلا، أو على الطيور، ترى أن أمثلته تقتصر على القوارض التي تعيش في جحور مظلمة. هذا ما يفعله بشكل خاص في معالجة تأثير الاستخدام وعدم الاستخدام في تطور الأعضاء. وكما سبق أن بينا فإن جل الأمثلة التي يضربها داروين مأخوذة من المصادر التي يستخدمها استخداما سيئا. أما أمثلته هو فمأخوذة من النباتات التي كان يزرعها في حديقة منزله، مثل نبات الكرنب.

 

وهنا فالنماذج التي سنوردها عن هذه الإشكاليات، كما قلنا، لا تعد ولا تحصى، والقارئ يحتاج إلى قراءة كتاب “أصل الأنواع” من الغلاف إلى الغلاف قراءة نقدية ليتأكد بنفسه من صحة ما نقول. لا يمكننا أن نورد اقتباسات دون أن نبين سياقاتها التي تحتاج إلى تفصيل ممل. نورد نموذجين بسيطين:

أولا: على الصفحات 244-248 يتحدث داروين حديث عاما عن التمايز المتلازم، ويتوقع القارئ أن يعطيه داروين أمثلة من عالم الحيوان وعالم النبات أيضا، لكن المثال الذي يتم ضربه هو فقط اتحاد التويجات لتشكيل أنبوبة، وهذا المثال مأخوذ من بعض الخبراء:

وكما تم التعليق بواسطة بعض الخبراء، الأجزاء المتشاكلة، تميل إلى الترابط مع بعضها، ونحن نرى هذا كثيرا في النباتات الشاذة: ولا يوجد شيء أكثر شيوعا من الاتحاد بين الأجزاء المتشاكلة في التركيبات العادية، كما يوجد في اتحاد التويجات لتكوين أنبوبة.” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 244)

 

ثانيا: يتناول داروين اعتراضات شخصين اسمهما برون وبروكا. وأخطر اعتراضاتهما هو:

أن العديد من الصفات تبدو عديمة الفائدة تماما لمقتنيها، وبهذا فإنها لا يمكن أن تكون قد تم التأثير عليها من خلال الانتقاء الطبيعي. ويورد برون في هذا المجال طول الآذان والذيول في الأنواع المختلفة من الأرانب البرية والفئران، والثنيات المركبة الموجودة في ميناء أسنان حيوانات كثيرة، علاوة على عدد كبير من الأمثلة المشابهة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 339)

 

هذا الاعتراض طبعا لأن داروين يدعي أن الانتقاء الطبيعي يحافظ فقط على التمايزات المفيدة للكائن الحي، فيعطي الرجلان أمثلة على عكس ذلك. وهنا، وجوابا على اعتراضات برون وبروكا، يستغيث داروين بباحث اسمه ناجيلي، فيقول:

أما فيما يتعلق بالنباتات، فإن هذا الموضوع قد تمت مناقشته بواسطة ناجيلي (Nageli) في مقالة رائعة، فهو يعترف بأن الانتقاء الطبيعي قد كان له تأثير كبير، ولكنه يصر على أن الفصائل النباتية تختلف أساسا عن بعضها البعض في صفات شكلية، ولكن هذه الاختلافات يبدو أنها عديمة القيمة تماما فيما يتعلق بمصلحة النوع، وهو بالتالي، يؤمن بوجود قابلية دفينة تجاه التطوير التقدمي والأكثر اكتمالا، ويشير على وجه التحديد إلى ترتيب الخلايا والأوراق على المحور، كمثال لحالات لا يمكن أن تكون من صنيع الانتقاء الطبيعي. ومن الممكن أن يضاف إلى الأمثلة السابقة التقسيمات العددية وموضع البويضات وشكل البذور، عندما تكون بدون فائدة للانتشار، وخلافه. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 339/340)

أليس مدهشا أن برون وبروكا قدما اعتراضهما بأمثلة من عالم الحيوان، فرد عليهما داروين، مستعينا بناجيلي، بأمثلة من عالم النبات؟

الاستخدام وعدم الاستخدام والنباتات

يقول داروين:

السلوكيات التي تتغير تُحدث تأثيرا وراثيا، ومثال ذلك ما يحدث في الفترة التي تزهر فيها النباتات عندما تنقل من مناخ إلى مناخ آخر. أما في الحيوانات، فإن الزيادة في استخدام أو عدم استخدام الأجزاء قد كان له تأثير أكثر وضوحا، .. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 67).

صحة هذه المعلومات نتركها لعلماء الوراثة. ما يعنينا هو أنه يُفهم من هذا أن داروين نفسه يبين أن مبدأ الاستخدام أو عدم الاستخدام الذي يراه مرارا كشريك للانتقاء الطبيعي في التحكم في التطور، لا ينطبق على عالم النبات. وداروين يتحدث عن انتقال النباتات من مناخ إلى آخر كسبب للتأثير الوراثي، لكنه لا يعطي مثالا واحدا! إن الأمثلة على تأثير الاستخدام من عدمه تتعلق عند داروين بالحيوانات، مثل الزراف والبط الداجن، والقرد الأمريكي، وغيرها، فلماذا يعطي داروين هذا التأثير صفة العمومية في التطور في الطبيعة، وكأنه يسري على النباتات أيضا؟

ثم إن الأمثلة المتعلقة بالحيوانات تتميز أصلا بعدم الدقة. يقول داروين:

ولا يمكن أن نشير إلى نوع واحد من حيواناتنا الداجنة ليس له آذان متدلية في أي بلد ما، ووجهة النظر التي تم اقتراحها هي أن تدلي الآذان هو نتيجة لعدم استخدام عضلات الأذن وذلك نتيجة لندرة الحاجة إلى تنبه الحيوانات للخطر، وهذا الاتجاه في التفكير يبدو أنه هو الاتجاه الراجح. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 67/68)

القارئ يتساءل هنا إن كان داروين قد رأى في عمره كله حصانا، أو حمارا، وتأكد من أن آذانها متدلية، وإن كان رأى الدجاج فتأكد أن لها آذانا، وهي متدلية. وهل كان داروين متأكدا من أن الأرنب لم يعد بحاجة إلى التنبه إلى الخطر لأنه أصبح داجنا؟ يقينا فإن داروين لم يعرف من الحيوانات الداجنة غير الكلاب، وهي مصدر كل المعلومات التي يعممها على كل الحيوانات، مثلما هي النباتات الصغيرة في حديقة منزله مصدر معلوماته عن النباتات. ثم يتساءل القارئ، لماذا يلقي داروين مسؤولية هذه المعلومة على غيره، فيقول “ووجهة النظر هذه تم اقتراحها”؟ هذا يعني أنه ليس هو من يقترح ذلك.

داروين يملأ الصفحات (232 – 239) في كتابه بأمثلة من كل القارات عن الخنافس، والحشرات، والقوارض، وعن اختفاء أرجل، أو أطراف، أو عيون حشرات، أو فئران الكهوف بسبب عدم الاستخدام – وطبعا ليس من نتائج بحث ميداني قام به بنفسه، بل استنادا إلى ملاحظات أو بلاغات من كثيرين، من بينهم كيربي Kirby، والسيد ولاستون Mr. Wollaston، وسبانيارد Spaniard، والبروفيسور سيليمان Professor Silliman، وشيودت Schiodte، والبروفيسور دانا Professor Dana، والعالم براون-سيكوارد Brown Sequard، وغيرهم.

بعد قراءة هذه الصفحات يثور في رأس القارئ سؤال: كيف ينطبق كل هذا على النباتات؟ في كل هذه الصفحات، لا مثال، ولو واحدا، من عالم النبات.

الصراع على الغذاء من أجل البقاء وتحويراته

دخل داروين في دوامة مع مبدأ مالثوس عن الصراع على الموارد الغذائية، والبقاء للأصلح. ليس هناك في الطبيعة دائما صراع على الغذاء بين الكائنات الحية. فالعلاقات بين الكائنات الحية في الطبيعة متنوعة، وتشمل التكافل، والتحالف، والتآلف، والحيادية، والتطفل، إضافة إلى وجود تصارع في حدود معينة بين بعض الكائنات الحية، ليس فقط على الغذاء، بل حتى على البيئة المناسبة، والحصول على الشق الجنسي الآخر. وهذا الواقع لم يكن من الممكن تجاهله، فحاول داروين توسيع إطار الصراع، واستخدامه، كما فعل مع الانتقاء الطبيعي، كمصطلح مجازي. يقول:

يجب عليّ أن أبدأ الحديث بأن استخدام هذا المصطلح على نطاق واسع بشكل مجازي متضمنا الاعتماد الخاص بأحد الكائنات على كائن حي آخر، ومتضمنا (وهو الشيء الأكثر أهمية) ليس فقط الحياة الخاصة بالفرد، ولكن النجاح في ترك ذرية. ومن الممكن أن يقال بشكل حقيقي أن اثنين من حيوانات الفصيلة الكلبية، في وقت مجاعة، قد قاما بالتنازع مع بعضهما بعضا على من سوف يحصل منهما على الطعام ويعيش. ولكن نبات ما موجود على حافة الصحراء قد يقال عنه أن يتنازع من أجل الحياة ضد الجفاف، بالرغم من أن الأصح أنه يجب أن يقال عنه إنه يعتمد على الرطوبة..” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 138)

وهذا، طبعا، انحراف عن مبدأ مالثوس الذي يعبر عنه ببساطة بالعبارة التالية: “أنا وأنت وبيننا هذه الكمية المحدودة من الغذاء، نتصارع عليها فمن يحصل عليها يبقى، ويفنى الآخر.” هنا توجد نبتة واحدة، وتوجد ظروف طبيعية قاسية، انعدام الماء مع حرارة الشمس، ولا يوجد من يتصارع أو يتنافس مع النبتة على الماء او الرطوبة. وكيف ينطبق هذا المفهوم عن “الصراع” على النباتات التي لا تعيش على حافة الصحراء، بل في الغابات المطرية، مثلا؟

وماذا بالنسبة للحيوانات؟ الحيوانات قد تصارع أيضا أحيانا ظروفا صعبة. لكن هذا ليس مغزى مبدأ مالثوس الذي ينص على وجود صراع، بمعنى قتال، بين قوي وضعيف. لكنْ. إن الأسود، مثلا، تبحث عن غذائها، وكذلك تفعل الذئاب. في كم حالة يكون هناك أرنب واحد، أو حمار وحشي واحد تتصارع الأسود والذئاب عليه؟ وتتغذى الأسود والذئاب على الأرانب أو على الغزلان، لكنها لا تتصارع على أي غذاء نباتي. والغزلان والنمور لا تتصارع على نفس الغذاء، فالأولى غذاؤها نباتي، والأخرى حيواني. اضطر داروين إزاء مثل هذه الحقائق إلى تحوير فكرة الصراع بأن يدعي أن الصراع يكون على أشده بين أفراد النوع الواحد لأنها تتغذى على نفس الطعام. يقول:

ولكن التنازع سوف يكون بالتأكيد تقريبا، في أشد حالات الضراوة بين الأفراد التابعين لنفس النوع، وذلك لأنها تتردد على نفس المناطق، ومحتاجة إلى نفس الطعام، ومعرضون لنفس الأخطار. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 153)

بمعنى أن الأرانب كنوع، أو الغزلان كنوع، أو الزراف كنوع، تتصارع مع بعضها البعض على النباتات! والأسود تتصارع مع الأسود، والضباع مع الضباع، والذئاب مع الذئاب، وفي الوقت نفسه يكون هناك صراع بين الأسود والضباع والذئاب، إنما يكون الصراع الداخلي على أشده بين أفراد النوع الواحد. ولا نعرف كيف أن التعرض لنفس المخاطر تجعل الصراع على الغذاء بين أفراد النوع الواحد على أشده! وهنا أيضا واجه داروين مشاكل، فالنوع الواحد لا يتغذى بالضرورة على صنف واحد من الأغذية، مثلا الطيور وما يمكن أن تتغذى عليه. كذلك فإن هذا الكلام ليس دقيقا، فالحيوانات البرية، مثلا، لا تعيش عادة كأفراد، بل كجماعات تتعاون في اصطياد الفريسة وتتشارك في افتراسها. وهناك على الأقل علاقة تكفل الأبوين بتوفير الطعام لصغارهما.

داروين لم يجد مثالا على أي شكل من الصراع ينطبق على عالمي الحيوان والنبات، ولا على أحد العالمين بشكل مطلق.

الانتقاء الجنسي والنباتات

في الحيوانات بيّن لنا داروين أن الطيور، وكمثال على ذلك الدجاج، تنجذب جنسيا إلى الديك المصارع، مثلا، فتعطيه فرصة للانجاب فيستمر نسله، بينما الديك الضعيف، والطير القبيح تُعرض عنه الإناث فينقطع نسله. كيف ينطبق هذا الانتقاء الجنسي على النباتات؟ هل هناك أشجار تعشق غيرها حسب الطول والضخامة والجمال فتتلاقح معها؟ أم هناك الرياح التي تنقل البذور، والطلع، واللقاح وهناك الحشرات التي تحط على الزهور تمتص رحيقها، وتكفل لها انتقال لقاحاتها إلى زهور أخرى؟ يقول داروين:

بعض علماء التاريخ الطبيعي متمسكون بأن كل التمايزات مرتبطة مع عملية التكاثر الجنسي، ولكن هذا اعتقاد خاطئ، حيث إني قدمت في أحد الأبحاث الأخرى قائمة طويلة من “النباتات اللعوبة” – كما يطلق عليها البستانية – وهي نباتات تنتج فجأة برعما واحدا ذا صفة جديدة وأحيانا يكون مختلفا بشكل كبير عن البراعم الأخرى الموجودة على النبات نفسه. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 66)

لماذا يتجاهل داروين حقيقة أن الانتقاء الجنسي يقتصر على عالم الحيوان؟

الغرائز والنباتات

داروين يدعي في الباب الثامن أن غرائز الحيوانات أصلها عادات فردية وقعت بالصدفة، فوجدها الانتقاء الطبيعي مفيدة للكائن الحي، فحافظ عليها حتى تحولت تلك العادة الفردية إلى غريزة. إن من يقرأ الباب المذكور من كتاب داروين سيقضي وقتا ممتعا مع الهراء العلمي الذي لا يميز بين المهارة المكتسبة بتكرار أي فعل وبين موهبة بيتهوفن الموسيقية التي يحاول داروين وضعها في إطار الغرائز. داروين لا يكلف نفسه إعطاء تعريف للغريزة، لنرى إن كان بالإمكان أن نتحدث عن الغريزة الجنسية، وكيف كانت في الأصل عادة فردية. كذلك لا يخبرنا إن كان حب البقاء غريزة، فنسأله: وما الذي كان يدفع الكائنات الحية إلى الصراع على الغذاء من أجل البقاء قبل أن تنشأ العادة الفردية التي طورها الانتقاء الطبيعي عند كل الكائنات الحية إلى غريزة؟  وسيميل القارئ إلى طرح عشرات الأسئلة المحرجة على داروين، لعل أهمها: وكيف ينطبق هذا الهراء على النباتات؟ في هذا الباب لم يأت داروين على ذكر النباتات، وكأنه نسي أن الإله الأعرج الذي يسميه الانتقاء الطبيعي، يعتبر كل الطبيعة ملكوته.

الأمثلة المتخيلة

يتحدث داروين عن شكل من أشكال الانتقاء يكون غير مقصود. وهو يفترض أن هذا الانتقاء يحصل في الظروف التي يعيش في ظلها من يسميهم “الناس البدائيين الهمج”. هذه الحالة افتراضية، لكنه، مع هذا، يبني عليها استنتاجا فريدا من نوعه، ألا وهو أنه إذا كان الهمج البدائيون يمكن أن يولدوا هكذا حالة من الانتقاء غير المقصود، فما بالك بالانتقاء الطبيعي (العبقري) في الطبيعة؟ يقول:

وإذا كان يوجد أناس بدائيون بلغوا من الهمجية شأنا يبلغ عدم التفكير في الصفات الوراثية لذراري حيواناتهم الداجنة، ومع ذلك فإن حيوانا معينا أثبت أنه مفيد لهم لأي غرض ما، وعنوا بالاحتفاظ به أثناء فترات المجاعة والحوادث الأخرى التي قد يتعرض له هؤلاء البدائيون، وبالتالي فإن هذه الحيوانات قد تركت خلفها ذرية أكثر من الحيوانات الأخرى الأقل شأنا، وبهذا فإن هذه الحالة تصلح لأن تكون مجالا ومثالا لنوع من أنواع الانتقاء غير المقصود. ونحن نرى أن القيمة التي تقدر على الحيوانات، حتى بواسطة السكان البدائيين لجزيرة أرض النار (Tierra del Fuego) ممثلة في أنهم يقتلون ويلتهمون نساءهم كبار السن، في أوقات المجاعة، على أساس أن قيمتهن أقل من قيمة كلابهم. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 98)

أناس بدائيون همج يأكلون وقت المجاعة نساءهم، ويتركون بعض حيواناتهم ذات القيمة العالية، فتخلف هذه ذراري كثيرة. وأين التطور في هذا؟ إنها بقيت وخلفت ذراري، لكن الذراري لم تتحول إلى نمور!

سبق لنا أن اقتبسنا من كتاب داروين قوله:

من أجل توضيح، كيف يعمل الانتقاء الطبيعي، حسب اعتقادي فأنا أستميح الإذن في تقديم واحد أو اثنين من الأمثلة الموضحة المتخيلة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 173)

نقتبس هنا أول أمثلته المتخيلة:

دعنا نأخذ حالة أحد الذئاب الذي يعيش على افتراس حيوانات مختلفة، مقتنصا البعض بواسطة المهارة، والبعض بواسطة القوة، والبعض بواسطة السرعة، ودعنا نفترض أن أسرع فريسة، ولتكن أحد أنواع الأيائل مثلا، قد زادت أعداده نتيجة لحدوث أي تغير في الإقليم، أو أن نوعا آخر من الفرائس قد تقلصت أعداده، في أثناء هذا الفصل من السنة عندما كان الذئب محتاجا بشدة إلى الغذاء، فتحت هذه الظروف فإن الذئاب الأكثر سرعة والأشد نحافة سوف تكون هي التي ستحصل على أفضل الفرص للبقاء على قيد الحياة – وذلك بشرط أنها سوف تحتفظ دائما بقوتها للسيطرة على فرائسها في هذه الفترة أو في أي فترة أخرى من السنة، عندما تكون مضطرة لافتراس حيوانات أخرى. وأنا لا أستطيع أن أرى سببا أكثر للشك في أن هذه هي النتيجة، يزيد عن أن الإنسان يجب أن يكون قادرا على تحسين سرعة كلابه السلوقية عن طريق الانتقاء الدقيق والمنهجي، أو عن طريق هذا النوع من الانتقاء اللاواعي الذي ينبع من أن كل إنسان يحاول أن يحتفظ بأفضل الكلاب بدون أي تفكير في القيام بتعديل السلالة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 173/174)

إذن، همروجة “البقاء للأصلح” ليست مبنية على حالات ملموسة، وموثقة، بل هي مبنية على أمثلة متخيلة وظروف افتراضية. نفترض كذا، ونتخيل كذا، فتكون النتيجة كذا! هل هذه طريقة استقرائية؟ أم استنتاجية؟ وأظرف ما في هذا المثال هو أن داروين يخرج من الافتراضات بنصائح لا يشك في صحتها لمربي الكلاب حول كيفية الاحتفاظ بأفضل الكلاب!

لقد قضى العالم الروسي إيفان بافلوف سنوات من حياته يبحث في سلوك الكلاب، فترك إرثا علميا مفيدا موثقا بالتجارب. كيف يجوز لنا أن نسمي أمثلة داروين الافتراضية المتخيلة علما، ونحن نطلق عبارة “علم” على أبحاث بافلوف؟ إن عمل داروين يستحق عبارة “الهلوسة”.

يعود داروين بعد ذلك ليدخلنا في متاهات لا مخرج منها قائلا:

وهناك أمثلة من الممكن أن تعطى لضروب متماثلة قد تم إنتاجها من نفس النوع تحت تأثير ظروف خارجية مختلفة بشكل لا يمكن أن يعقل بشكل جيد، وعلى الجانب الآخر، لضروب ليست مماثلة قد نتجت تحت تأثير ما هو من الواضح أنه نفس الظروف الخارجية. ومرة أخرى، فهناك أمثلة لا حصر لها معروفة لكل عالم في التاريخ الطبيعي، عن أنواع تبقى على أصلها، أو لا تتمايز على الإطلاق، بالرغم من معيشتها تحت أكثر الأجواء تعارضا. ومثل هذه التعارضات تجعلني أميل إلى أن أضع ثقلا أقل على التأثير المباشر للظروف المحيطة، عما أضعه على القابلية للتمايز، وذلك نتيجة لأسباب نحن نجهلها تماما. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 231/232)

هناك أمثلة، وأمثلة، وأمثلة لا حصر لها، لا يذكر منها ولا مثالا واحدا. لكن الأحكام التي يطلقها على خلفية تلك الأمثلة المزعومة تجعله يميل إلى أن يضع ثقلا أقل على التأثير المباشر للظروف المحيطة، عما يضعه على القابلية للتمايز، وذلك نتيجة لأسباب يجهلها تماما. أي بحث علمي هذا؟

ومثال آخر:

مصطلح الانتقاء الطبيعي يسبب الصداع لداروين، فلا يقتنع بجدوى تعريفاته له، فيجرب طريقة لمساعدتنا على فهم مسار هذا المصطلح، أو بالأحرى مساره المحتمل. يقول:

أفضل طريقة سوف نتمكن بها من فهم المسار المحتمل للانتقاء الطبيعي هو بأخذ حالة قطر ما يمر ببعض التغير الطبيعي البسيط، على سبيل المثال في المناخ. فإن ذلك سوف يتبعه حدوث تغيير في الأعداد النسبية للقاطنين في الحال تقريبا، ومن المحتمل أن تنقرض بعض الأنواع. وقد نستطيع أن نستنتج مما شاهدناه من الطريقة الحميمة والمعقدة التي يرتبط بها القاطنون بكل قطر ببعضهم إلى أن أي تغيير في النسب العددية للقاطنين بغض النظر عن التغير في المناخ نفسه، سوف يكون له تأثير خطير على الآخرين. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 162) 

نقول له: اعطنا مثالا يا هذا.

ويقول أيضا”:

وهكذا فإنه من المستحسن أن نحاول في الخيال أن نعطي لنوع ما ميزة على الآخر. ومن المحتمل أننا لن نعرف من خلال مثال واحد، ماذا نفعل. ويجب أن يقنعنا هذا بجهلنا في موضوع العلاقات المتبادلة لجميع الكائنات العضوية، وهو اقتناع ضروري، مثلما هو صعب في أن يكتسب. وكل ما نستطيع أن نفعله، هو أن نضع نصب أعيننا أن كل كائن عضوي يكافح في سبيل الزيادة بنسبة هندسية، وأن كل كائن عند فترة ما من حياته، أو أثناء فصل من فصول السنة، وأثناء كل جيل أو عند مراحل معينة، يجب أن يكافح ويتنازع من أجل الحياة، وأن يعاني من إهلاك هائل. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – 157)

ولننتبه في الاقتباس إلى عبارتي “في الخيال” ثم “ومن المحتمل”.

يقول “ومن المحتمل أننا لن نعرف من خلال مثال واحد، ماذا نفعل”. ونقول: لو أنه أعطانا هذا المثال، فكان من المحتمل أن نعرف ما يقصد، وماذا نفعل!

أما أوضح نموذج من أمثلته المتخيلة فنجده في الباب الرابع حيث يضع داروين رسما بيانيا متخيلا يشرح لنا كيفية حصول التطور من أنواع إلى أنواع أخرى عبر ملايين الأجيال. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 206)

يتبع ..

2021-01-18