الرهان على بايدن هو الرهان على طواحين الهواء!
والتباطؤ في ضرب العدو ومشاريعه التي يحاول أن يحولها الى أمر واقع خطأ كبير.
بسام ابو شريف.
تتبع ملاينن المراقبين ، والمشاهدين ، والمستمعين لمجريات النقاش داخل مجلس النواب الاميركي ، والذي انتهى لصالح عزل الرئيس ترامب ، لكن هذا القرار لايتحول الى محاكمة حقيقية الا اذا وافق مجلش الشيوخ على هذا القرار ، وقد يكون قد انتبه ” أو لم ينتبه ” الكثيرون لعدم توجيه نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب القرار الى مجلس الشيوخ فورا للبدء في مناقشته ، لقد أجابت ردا على السؤال حول ذلك بالقول : لا أعرف متى سوف أرسل هذا القرار الى مجلس الشيوخ .
نحن نتناول هذا الموضوع – كما تناولناه سابقا – من زاوية هامة جدا ، هي زاوية وضعنا في الشرق الأوسط ، والمخطط الصهيوني الاميركي الرجعي العربي للهيمنة الاسرائيلية على المنطقة ، وضرب محور المقاومة ، وشطب فلسطين كقضية ، وجغرافيا ، وتاريخ من سجل التاريخ ، والذي يدقق يجد أن هناك تسارعا غير مسبوق من اسرائيل للسيطرة على المناطق الأثرية الفلسطينية بغية هدمها ، وكأنما تحاول هذه الطغمة العدوانية شطب فلسطين لتكتب تاريخا جديدا ، هو للدولة اليهودية ، والعمل غير المسبوق هو الحفريات ، التي تجري تحت ساحة البراق وباب مكة كما يسمونها ليس للبحث عن دليل أن اليهود كانوا هناك ، وانما هي مقدمة لهدم المسجد الأقصى ، الذي سلم نتنياهو مفتاحه لترامب في آخر زيارة له ، في الوقت نفسه تقوم اسرائيل بشن حرب كاملة دون أن تسميها حربا على قوى المقاومة ، وعلى رأسها ايران دون أن تقصف ايران بالطائرات ، بل تقصف الوجود الايراني خارج ايران ، وتغتال علماءه ، وكل من له اهتمامات عملية وعلمية بالصناعات التسليحية ، تقوم باغتيالهم في عمليات اجرامية خطيرة ، فالقصف الذي شهدته المنطقة الحدودية السورية العراقية لم يكن غارة عادية ، أو قصفا عاديا يحاول ضرب رتل يدخل من العراق الى سوريا ، بل كان حربا كبيرة استخدمت فيها الطائرات والقنابل ، التي تحفر عميقا تحت الأرض ، هذه الغارة لم نشهد ادانه لها من أحد على وجه الأرض بمافيهم الحلفاء ، بل تم الاكتفاء بالتنبيه الى أن اسرائيل تحاول خلق حالة اصطدام مع ايران على الأرض السورية ، والحقيقة أن اسرائيل تسير سيرا حثيثا مع ترامب – رغم أنه سيغادر البيت الأبيض – تسير مع مستشاره ياريد كوشنر والضباط الاسرائيليين ، الذين يشكلون جميعا هيئة أركان حرب لتنفيذ مخططاتهم وسيستمرون في ذلك حتى بعد تنصيب بايدن لأنه تم ترتيب كل أمور هذه الحرب رغم أن بايدن يرفض الحرب ، لكن القرار سيكون صادرا عن اسرائيل ، وحلفائها ابن سلمان ، وابن زايد ، وليس عن الادارة الاميركية ، لأنه تم تأمين كافة العوامل اللازمة لاستمرار هذه الحرب لقد زود ترامب وبومبيو وكوشنر كلا من اسرائيل ، ومخازن السعودية والامارات بكميات ضخمة من الصواريخ الذكية ، هي الأحدث لدى الجيش الاميركي ، وزود اسرائيل بطائرات ف 22 وأرسل طائرات ب 52 الى المنطقة للمساعدة في القصف بعيد المدى كما كان يجري في فيتنام .
نقول ان بيلوسي لم ترسل القرار لماذا ؟
لم ترسل القرار لمجلس الشيوخ لأن هناك مفاوضات حثيثة ، ومكثفة تجري بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري لترتيب أمور المرحلة القادمة ، الجمهوريون رغم بعض الأصوات التي خرجت من هنا وهناك تدين ترامب ، وتتمنى فصله من الحزب نقول ان الجمهوريين يخشون من ترامب ، ومما قد يفعله في الحزب الجمهوري ، أي شق الحزب – كما ذكرنا في مقال سابق – في حال رفضوا ترشيحه لانتخابات عام 2024 ، هذه القيادة ترتعب من ترامب وتريد أن تتحاشى الصدام معه تحت يافطة اعادة لحمة ووحدة المجتمع الاميركي ، واعادة الاستقرار للعمل السياسي الاميركي ، وتطويق مااتفق على تسميته الطرفان ارهاب مجموعات اليمين المتطرفة ، هذه المجموعات التي تدين بالولاء لترامب ، وتياره وأفكاره ، وعنصريته لذلك هذه القوى المسلحة المدججة بالسلاح مستعدة للمغامرات على الطريقة التي يرسمها هو .
لذلك لجأت قيادة الجمهوريين ، والديمقراطيين الى المفاوضات الحثيثة لايجاد مخرج فماهي المخارج التي طرحت حتى الآن ؟
طرح الجمهوريون مخرجا يقول بأن القرار، الذي اتخذ في مجلس النواب يكفي لادانة ما تورط به ترامب ، وان ترامب مستعد لتقديم تصريحات ، واجراء مقابلات يدين فيها العنف واستخدام العنف ضد الكابيتول ، وبالفعل منذ ذلك الوقت حتى هذه اللحظة أطلق ترامب عدة تصريحات لنبذ العنف ، وادانة الارهاب في محاولة لتغطية موقف الجمهوريين الذين يفاوضون لوضع حد لما جرى ، ومن الواضح أن محاكمة ترامب لن تتم قبل تنصيب الرئيس بايدن ، لكن الاجراءات الأمنية التحضيرية لحفل تنصيب بايدن تظهر الرعب والخوف من أن تتحرك هذه القوى المسلحة التابعة لترامب ، وتعقد الوضع وتجعل من فترة حكم بايدن سنوات عصيبة تحول دون تمكينه من تطبيق أي من سياساته التي أعلن عنها ، ومنها السياسية والاقتصادية ، والصحية ، والتجارية ، ومنها ما يخص الضرائب ، والسور مع المكسيك وأمور اخرى كثيرة .
القيادتان تسعيان لايجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للحزبين ، ويعطي بايدن طريقا للسير الآمن في فترة رئاسته ، ومن ضمن المواضيع التي تطرح في المفاوضات ، هو أن يقر ترامب بالحكومة التي شكلها بايدن لتسهيل عملها بحيث يكون بايدن رئيسا حقيقيا في الفترة الاولى لرئاسته ، لكن وعلى هامش المفاوضات ، التي تتم الآن حول ايجاد حل وسط يحفظ ماء اوجه للحزبين هناك بعض الأمور كما يبدو متفق عليها بين الطرفين ، وهي المتعلقة تحديدا بالشرق الأوسط ، وهذا يظهر من السكوت سكوت الديمقراطيين على القرارات ، التي مازالت تصدر عن ترامب ، ووزير خارجيته ، وضباطه حيث قاموا بنعت دول ومنظمات بصفة الارهاب والاصرار على عدم التعاطي معها ، لابل زاد ترامب من العقوبات على روسيا ، والصين وكوبا ، وفنزويلا بمنع شركات اميركية من التعامل معها ، وهي الشركات العاملة في مجال الالكترونيات ، والأجهزة الحساسة ، وفي الوقت ذاته تقوم ادارة ترامب ، التي مازالت تتخذ القرارات ببناء سد بين ادارة بايدن القادمة ، وبين اعادة العلاقات التحالفية مع اوروبا ، وهنا تبرز الأدوار مثل دور روسيا ، واغراقها في مشاكل خاصة من جهة تركيا في سوريا وأذربيجان ، وقد يثار بعدها موضوع اوكرانيا ، وكذلك العقوبات على فالح الفياض – الحشد الشعبي العراقي – وأنصار الله في اليمن الذين يقاومون العدوان ، ويقاومون التحالف الذي تقوده اسرائيل ، وابن سلمان ، وكوشنر ضد الشعب اليمني ، ومؤسساته ، ومدارسه ، وأطفاله وينعتونها بالارهاب لأنها تدلفع عن كل ذلك ممادفع الاوروبيين للاستفزاز ، وكذلك الأمم المتحدة ، لكن علينا أن ننظر بعمق لهذه القرارات ليس من زاوية شكلها ، وانما مضمونها .
ما معنى هذه القرارات ؟
معناها 1– أن الحرب على اليمن سوف تتصاعد ، وتشارك اسرائيل بها مشاركة مباشرة .
2- ان الولايات المتحدة سوف تستمر بتنفيذ قرارات ترامب ، وكوشنر ببناء قاعدتين في باب المندب ، واستغلال الصومال ، واريتريا ، وجيبوتي ، وجنوب اليمن لاقامة قواعد حصينة تتسلمها اسرائيل ، ويتولى ترامب ، وكوشنر ادارتها تحت حجة أن هذه القواعد تحكمها تحالفات اسرائيلية مع ابن سلمان ، وابن زايد ، وليس لاميركا علاقة بها وبما يفعله هؤلاء ضد اليمن ، والعراق ، وايران ، وأي دولة اخرى .
من ناحية اخرى أعلن نتنياهو علنا ، وأيده بومبيو علنا بأن اسرائيل لن تسمح لايران بالوصول الى حدودها ، وأنها ستقاتلها حيثما كانت حتى لاتصل الى حدود سوريا مع اسرائيل ، وهذا كما قال وزير الدفاع الروسي ( انه يشم رائحة لحرب ستقوم بها اسرائيل ضد ايران ) .
وعلينا الانتباه أيضا الى الجسر الجوي ، الذي نقل مئات من المعتقلين من داعش من سجون قسد – وقيادة قسد العميلة سمحت بذلك – وأرسلتهم الى العراق ، وقد تم تدريبهم وتسليحهم لشن عمليات ضد الشعب العراقي ، وذلك سيجعل الشعب ، والجيش ، والحشد في انشغال بقتال داعش ، وليس بطرد القوات الاميركية ، التي تمركزت في كردستان العراق في اربيل وعلى الحدود العراقية الايرانية ، أما في سوريا فالأمر واضح ، فقد أخلت القوات الاميركية ثلثي المساحة ، التي كانت تسيطر عليها لقسد ، وتركت لها الحرية مع القوات الاميركية على الرغم من أن تركيا تدعي الصرع مع قسد بل أخلت لها المساحة ، وهذا يعني الاتفاق بين اردوغان ، وترامب حتى لا تصطدم تركيا بقسد ، وتكون في حالة من الوئام تسمح قسد فيها لتركيا بالسيطرة على المنطقة التي تركها الاميركان ، ولكي تقوم قسد بنهب النفط من الحسكة بحماية اميركية ، ورعاية وحماية تركية ، لذلك أطلقت في البادية السورية مجموعات من داعش للقيام بعمليات ضد الجيش السوري اضافة الى الغارات الاسرائيلية لحماية هذه القوات وعملياتها لتمكنها من زلزلة الأرض تحت أقدام الجيش السوري ، ومنعه من الوصول الى الحدود العراقية .
هذه القرارات اتخذت قبل أن ترفع بيلوسي شعار عزل ترامب من البيت الأبيض قبل أن ينهي مدته ، والبدء باجراء المفاوضات التي من أحد شروطها ، التي لاتناقش ، ولايمكن البحث بها هو أن يترك بايدن ماتم بناؤه من تحالف اسرائيلي مع السعودية ، والامارات ، والبحرين وغيرها ، وكذلك التحركات على الساحتين العراقية ، والسورية ، أي ألا يتحرك بايدن ضد كل هذا ، أما على الصعيد الايراني فقد وافقت اسرائيل على أن تعود اميركا الى الاتفاق النووي شرط تعديل بنوده بما لايمكن ايران من تخصيب اليورانيوم ، وبناء سلاح نووي . والمفاوضات التي تجري بين اسرائيل ، وفريق بايدن قطعت شوطا ، وفيما يخص الشرق الأوسط قطعت أشواطا كبيرة ، وتحديدا الذي قام بها يوسي كوهين نيابة عن نتنياهو فاسرائيل حرة طليقة في التحرك مع حلفائها السعودية ، والامارات ، والبحرين ، وغيرها ، وحرة التحرك في المفاوضات مع بايدن ، ولها شروطها التي تريد أن تفرضها على بايدن ليفرضها على ايران .
لكل هذا نتوقع ألا يعزل ترامب ، بل يخرج من البيت الأبيض ، وسيستمر في ادارة هذا التحالف ، ومجريات الأمور في الشرق الأوسط شاء بايدن أم أبى ، وسيظهر تعاونه مع بايدن على سبيل المثال الخطوات ، التي قام بها ترامب ، وفريقه بومبيو ، وكوشنر ، ونتنياهو ، هذه الخطوات هي طبق الأصل عن الخطوات ، التي كانت تريد تنفيذها هيلاري كلينون أثناء ادارة اوباما : استمرار داعش في سوريا ، والعراق ، وضمان استمرار حرب الاستنزاف ضد سوريا حتى لاتتمكن سوريا من اعادة بناء مدنها وقراها ، ولاتعيد اللاجئين ، وتبقى في حالة الاستنزاف ، وكذلك فرض الحصار تدريجيا على العراق كلما حاول العراق التقدم خطوة نحو طرد القوات الاميركية .
ماذا تريدون بعد ؟
ألا زال هناك مجال للرهان على بايدن ؟ سؤال يحمل جوابه بنفسه ، لكن هذا لايعني أننا مغلقو العينين ، والعقل على التكتيكات السياسية التي يجب ، أو يمكن أن تتخذها القوى الثورية والدول خلال هذه الفترة شريطة أن تكون تلك التكتيكات سياسات مقاومة ، ويجب عدم انتظار ادارة بايدن للرد على اغتيال سليماني ، والمهندس ، وزادة ، ونحن نتوقع مزيدا من الاغتيالات على الساحات اللبنانية ، والسورية ، والعراقية ، والايرانية ، ولذلك نقول ان الانتظار خطأ كبير .
يجب توجيه الضربات لرأس الأفعى ، وهذا هو الذي يولد فوضى في بطن الأفعى التي تعاني من مآزق خطيرة ، لقد ظهر سار المنافس لنتنياهو على رئاسة الوزارة ، وقال على شاشات التلفزيون ( نحن مع تحرير يهودا والسامرة ، وضمها لاسرائيل ) ، بمعنى أنه مهما تصارعت وتشابكت هذه القوى ، فانها لاتختلف على قضم أرض فلسطين ، وشطب فلسطين ، وابتلاع أرضها ، كل هذا الحشد المقاوم سيكون دفاعا عن ايران ، وسوريا ، والعراق ، ولبنان واليمن وليس فقط الشعب الفلسطيني ، علينا أن نقول ان قوة التفاوض مع ادارة بايدن تنبع من قوة الضربات الموجهة لاسرائيل ، وحلفها في الشرق الأوسط يجب ألا ننسى هذه القاعدة : ضرب هذا التحالف يقوي تفاوضنا مع هذه الادارة ، وكذلك يقوي من شكيمة بايدن نفسه لاتخاذ منهج مخالف لما تريد تثبيته معه الآن هذه القوى العنصرية الارهابية اليمينية الاميركية بقيادة ترامب
‎2021-‎01-‎17