الفساد في العراق!
كيف تأسست الادارة في العراق الجديد.

ابو زيزوم .
ما قلناه عن الأثر الذي تركه الشيخ زايد على مسار الادارة في بلاده يمثل قاعدة عامة ، فالمؤسسون دائماً يطبعون بطابعهم المسيرة التي تتبعهم لأجيال . والمؤسسون في عراق ما بعد الاحتلال هم مجلس الحكم . ذلك انهم لم يشكلوا تغييراً سياسياً او اجتماعياً في الدولة وانما حذفاً للدولة بالكامل والبدء من جديد . والمؤكد ان العمل أخذ يجري بلا خطة ( نستثني اقليم كردستان كلياً من حديثنا ) . عدم وجود الخطة غير ناتج عن جهل بأبجديات العمل السياسي والحكومي وانما مقصود . والمقاصد عديدة بتعدد القوى الفاعلة في تلك المرحلة المبكرة ، وتحتاج حديثاً مطولاً نقصره في هذا المقال على الجانب الأوضح والأكثر مفهومية بالنسبة للعاديين من الناس وهو الاستحواذ على اكبر قدر ممكن من المال لصالح الفاعلين ، أفراد او احزاب . ان خطة محددة لبناء دولة تقتضي اول ما تقتضي ضبط المال العام بأرقام محددة تخضع للرقابة وهو ما لم يكن مطلوباً او مسموحاً به .
طلب أعضاء مجلس الحكم من برايمر ان يجعل رواتبهم أربعين الف دولار في وقت كان فيه راتب المدير العام لا يتجاوز المئتي دولاراً . فقال لهم برايمر ان ميزانيتكم في هذه الحالة ستعادل ميزانية وزارة مثل وزارة التربية فيها 250 الف موظف . كان مندوب الاحتلال معنياً بتنفيذ خطة تشكيل الدولة اكثر منهم . والمصيبة ليست هنا ، المصيبة ان تلك الأرقام التي إعتُبرت في حينها خيالية اصبحت في وقت لاحق مضحكة لضآلتها . بهذه الروحية تشكلت الدولة بعد الاحتلال .
في مثل عامنا هذا من القرن الماضي كان العراق يتشكل تواً على يد المستعمرين الانگليز بسلطة محلية لا يختلف وضعها السياسي والقانوني عن مجلس الحكم . وكان المجتمع ينتمي الى عصور الإقطاع وعدد المتعلمين فيه لا يكاد يذكر ، وخلال المدة المساوية لمدة العراق الجديد منذ الاحتلال الى اليوم تم نقل البلد الى المركز المتقدم بين جميع دول المنطقة . لم تكن العملية آنذاك ترميم مدارس او إصلاح خطوط كهرباء وانما بناء كل شيء من الصفر . بعد الاحتلال عام 2003 كانت البنية التحتية قائمة فعكف الجدد على ترميم المدارس والمستشفيات ليس بقصد التأهيل وانما بقصد السرقة ، والامر معروف للجميع .
الذي نريد قوله ان المؤسسين طبعوا بطابعهم مسيرة البلاد بعد الاحتلال ونشأ كل شيء على شاكلتهم . إلتحقت بهم فيالق من الفاسدين وتفوقت عليهم وتفننت في اختلاق الوسائل للسرقة ويبقى المؤسسون مؤسسين للظاهرة ويتحملون المسؤولية التاريخية عنها .
سيقول قائل ان الفساد بدأ على نطاق واسع في التسعينيات وعندما وفد الحكام الجدد وجدوه أمامهم كأمر واقع . هذا صحيح لكن يوجد فرق جوهري بين هذا الفساد وذاك الفساد ، ليس من ناحية الكم فقط بل من ناحية اخرى ستكون لنا وقفة عندها في هذا المسلسل .
( ابو زيزوم _ 975 )
‎2021-‎01-‎17