تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (6)!

د. عمر ظاهر.

تناولنا في الحلقة السابقة الاعتراضات التي واجهتها ادعاءات داروين من معاصريه، والذي قال عنهم بنفسه أنهم كانوا طابورا لا يُقهر. وقلنا إن داروين خصص بابا كاملا للرد على بعض من تلك الاعتراضات. كانت ردود داروين، رغم خلوها من المحتوى العلمي الرصين، خطوة جيدة تُحسب في ميزان حسناته في التعامل مع المعترضين عليه. لقد كلف نفسه، على أية حال، عناء كتابة باب جديد في الكتاب لهذه الغرض. ورغم الفوضى في تبويب الباب، ورغم المراوغات العديدة والأساليب المعوجة في الرد، إلا إن الرد كان بحد ذاته يبدو تعبيرا عن أن داروين كان يأخذ الاعتراضات على ادعاءاته على محمل الجد. لكن ذلك لم يكن هو الواقع، فداروين كان له موقف آخر من الاعتراضات، غير الذي عبر عنه بالباب السابع. هذا الموقف يكشف حقيقة صادمة، وهي أن داروين كان لا أباليا إلى حد بعيد، وكان يتمتع بثقة بالنفس، لا نعرف سرها، بأن تلك الادعاءات ستلقى آذانا صاغية، وتحظى بانتشار واسع رغم المعترضين، ورغم عددهم الغفير، ورغم حججهم التي تُفحم كل اختلاقاته، فقد كان يراهن على أنه:
ومع القليل من الألفة والاعتياد فإن مثل هذه الاعتراضات السطحية سوف تجد طريقها إلى النسيان. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 162)

التفسير الواضح لهذا الموقف هو أن الناس بمرور الوقت وتكرار الاختلاقات، وإلباسها ثوب العلم، ستألفها وتعتاد عليها، فتنسى الحقائق. وربما كان هذا، إضافة إلى شواهد كثيرة، منها الهجمات المقرفة في كتابه على سكان أستراليا الأصليين، وتبرير انقراضهم بانعدام القدرة لديهم على التكيف مع الحضارة التي جلبها لهم الرجل الأبيض، وضد كل الشعوب التي كان داروين يسميها “غير متمدينة”، أمرا جعل بعض الناس ينسجون علاقة عضوية بين النازية والداروينية، فقد استلهمت الأولى من الثانية أفكارا عنصرية لعينة، مثل البقاء للأقوى أو الأصلح، أو المتفوق عرقيا، واستلهم غوبلز من هذه المقولة بالذات مبدأه الإعلامي: اكذب .. اكذب حتى يصدقك الناس.

نحن يهمنا، قبل كل شيء، أن داروين لم يكن يراهن على قوة حججه وأدلته العلمية، بل على اعتياد الناس على ما يهلوس به ونسيانهم الاعتراضات الرصينة.

أبحاث داروين
يظن بعض الناس أن داروين كان باحثا كبيرا يوصل ليله بنهاره في إجراء التجارب والاختبارات، وإطلاق المشاريع البحثية الواسعة في كل قطاع من قطاعات الطبيعة التي حاول التفلسف في النظام المتحكم بها. وكانت قصة رحلته على ظهر السفينة بيغل إلى جزر غالاباغوس تصور وكأنه قضى عشرين عاما يجول في غابات الأمازون المطرية، وفي أعماق أفريقيا، وفي الصحارى والسهول والوديان بحثا عن المعلومات! الحقيقة تختلف تماما، ففي كل كتاب داروين الذي يتناول عشرات المصادر من أعمال الآخرين وأبحاثهم لا تجد غير أربعة أبحاث، أو بالأحرى أربعة أصناف من الأبحاث، قام بها داروين بنفسه؛

الصنف الأول يتعلق بالحمام الداجن، وهو يستحق الثناء عليه فقد قام خلاله داروين إلى حد ما بالالتزام بما يتطلبه البحث العلمي الميداني، كما أوردنا في بداية هذه المقالات، حتى أن داروين، لكي يوفر البيانات عن الحمام الداجن، انتسب إلى ناديين لمربي الطيور. يقول:
لإيماني بأنه من الأفضل دائما دراسة إحدى المجموعات الخاصة، وبعد التروي في التفكير، قمت باختيار الحمام الداجن. وبالتالي فقد قمت باقتناء كل سلالة استطعت الحصول عليها أو شرائها، وحباني الحظ بتلقي جلود خاصة بالحمام من أرجاء عديدة على سطح الأرض، وبشكل خاص جدا من السيد المبجل هـ. إليوت (Hon. W. Elliot) من الهند، والسيد المبجل س. موراي (Hon. C. Murray) من فارس. ووجدت أن الكثير من الوثائق قد تم نشرها عن الحمام باللغات المختلفة. والبعض منها كان في منتهى الأهمية، وذلك لأنها كانت على قدر كبير من القدم. وقمت بمزاملة العديد من الهواة البارزين، وسمح لي بالاشتراك في اثنين من نوادي لندن للحمام. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 79)

هكذا. هذا شيء من منهج البحث الميداني – يدرس المرء مجموعة، أو عينة، أو جزء من الميدان، ويجمع المعلومات من مختلف أرجاء الأرض، بل وينتمي إلى اثنين من نوادي الحمام – خاصة أنه لم تكن لديه على ما يبدو “حقائق” جمعها عن الحمام الداجن من رحلة السفينة بيغل إلى جزر غالاباغوس. لا ندري كم استغرق هذا البحث في الحمام الداجن، لكننا نعرف أن نتائجه كانت كارثية، فقد توصل به داروين إلى أن كل أنواع الحمام الداجن في العالم كله تنحدر من نوع واحد، أو من أبوين اثنين من الطيور. يقول:
ومهما تكن الاختلافات كبيرة بين سلالات الحمام، إلا أني مقتنع تماما بقيمة الرأي العام الشائع بين علماء التاريخ الطبيعي، ألا وهو أنها جميعها قد انحدرت من حمام الصخور (حمام ليفيا)، ويندرج تحت هذا المصطلح العديد من الأعراق أو الأنواع الفرعية، ذات التوزيع الجغرافي، والتي تختلف عن بعضها البعض في أكثر الاعتبارات تفاهة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 82/83)

استنتاج كارثي بالفعل، لم يقتصر على الحمام الداجن، بل واستخدمه داروين لاحقا كحقيقة مسلم بها لإنشاء تصورات عن الطبيعة على هذا المنوال. بل واستخدم الرجل التدجين نفسه، على خلفية بحثه في الحمام الداجن، كمثل أعلى للانتقاء الطبيعي يقتدي به، ويمارسه بنفس الكفاءة، إنما ببطء.

متى بدأ الإنسان بتدجين سلالات الحمام؟ كيف درس داروين ذلك تاريخيا وفي كل أنحاء العالم؟ وهل فعل ذلك حقا؟ القارئ يكتشف في آخر المطاف أن هذا الاستنتاج يدور حول ثلاثة أنواع من الحمام يعتقد داروين أن اثنين منها ينحدران من الثالث (حمام الصخور)، مع أن الأنواع الثلاثة جميعها تعيش في الوقت الحاضر. يقول:
وقد تناولت في الحديث الأصل المحتمل للحمام الداجن ببعض الإسهاب، ولو أن ذلك غير كافٍ، وذلك لأنني عندما قمت في أول الأمر بتربية الحمام وراقبت أصنافه العديدة، مع معرفتي التامة بكيفية التزامهم بنقاء الأصل أثناء التكاثر، فقد انتابني الشعور الشديد بالصعوبة في تصديق أنه منذ القيام بتدجين سلالات الحمام فإن جميعها قد انبثق من أبوين مشتركين، وذلك يمكن أن يصل إليه استنتاج أي عالم في التاريخ الطبيعي فيما يتعلق بالأنواع الكثيرة من العصافير الدورية، أو مجموعات أخرى من الطيور الموجودة في الطبيعة … (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 89).

الكارثة الحقيقية هي أن داروين راح يعمم هذه النتيجة، افتراضيا، واحتماليا، على كائنات حية أخرى، مثلا الجياد. يقول:
ومرة أخرى، من الممكن أن نفترض أنه عند مرحلة مبكرة من التاريخ، فإن الرجال في إحدى الأمم أو إحدى المناطق قد كانوا في حاجة إلى جياد أكثر سرعة، بينما كان الرجال في منطقة أخرى في حاجة إلى جياد أقوى وأضخم في الجسم. ومن المحتمل أن الاختلافات المبكرة كانت بسيطة جدا، ولكن على مدى الزمن، ونتيجة للانتقاء المستمر للجياد الأكثر سرعة في إحدى الحالات، والأكثر قوة في حالة أخرى، فإن الاختلافات سوف تكون أكبر، وسوف تكون ملحوظة، كما لو كان قد حدث تكوين لسلالتين فرعيتين. وأخيرا، بعد مرور قرون، فإن هاتين السلالتين الفرعيتين سوف تتحولان إلى سلالتين متوطدتين ومتباينتين عن بعضهما. وكلما أصبحت الاختلافات كبيرة، فإن الحيوانات الأقل شأنا والتي تتميز بصفات متوسطة، مما يجعلها لا هي سريعة ولا شديدة القوة، لن يجري استخدامها بغرض الإنسال، وسوف تميل بهذا الشكل إلى الاختفاء، وهكذا فنحن نرى هنا في منتجات الإنسان التأثير الذي من الممكن أن نطلق عليه “مبدأ التشعب”، الذي يسبب اختلافات من الممكن بالكاد تقديرها في البداية، وتستمر في الزيادة باطراد، وإلى تباين السلالات في الطابع عن بعضها البعض أو عن آبائها المشتركة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – 199/200)

أما الصنف الثاني من الأبحاث، فهو عبارة عن نكتة بائسة، ويتعلق بمراقبة النمل وملاحظة النحل لثلاثة أشهر في بعض السنين (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – الباب الثامن عن الغرائز).

وأما الصنف الثالث فعبارة عن سلسلة من الاتصالات قام بها داروين مع بعض أصحاب الاصطبلات، ومربي الخراف، وسائسي خيول المسابقات، واستفسر منهم، فأخبروه بما يؤكد نظريته. ويورد مرارا أن سائس خيول أخبره ذات مرة بكذا وكذا، مثلا أنه رأى خطا أسود على قوائم حصان تشبه الخطوط على حيوان الزبرا. انظر إلى هذه الفقرة:
وعلى العموم، فأنا سوف أقوم بتقديم إحدى الحالات الغريبة والمعقدة، وذلك بالتأكيد ليس لأنها تؤثر على أي طابع مهم، ولكن انطلاقا من حدوثها في أنواع كثيرة مختلفة تابعة لنفس الطبقة، الواقعة بشكل جزئي تحت تأثير التدجين وبشكل جزئي آخر تحت تأثير الطبيعة. وهي حالة من المؤكد أنها خاصة بالارتداد. فالحمار لديه في بعض الأحيان خطوط عريضة مستعرضة واضحة على أرجله، مثل تلك الموجودة على أرجل الحمار الوحشي المخطط، وقد تم التأكد من أن هذه العلامات تبدو في أوضح صورها في المهر، ومن الاستفسارات التي قمت بها، فأنا أؤمن بأن هذا صحيح. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 266)

وإلى هذه الفقرة:
وأنا قد شاهدت بنفسي على أحد الجياد القاتمة من جياد السباق الصغيرة الحجم الخاصة بمقاطعة دفنشير (Devenshire)، وكذلك تم إعطائي وصفا دقيقا لحصان سباق صغير قاتم اللون من مقاطعة ويلز، وكان كلاهما لديه ثلاثة خطوط متوازية على كل كتف. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 267)

ومثال آخر:
كما سمعت من “الكولونيل بول، الذي أجرى فحصا لهذه السلالة لصالح الحكومة الهندية” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 267).

وانظر إلى هذا الدليل المدهش:
ويبدو أن المنتجات الخاصة باليابسة قد تم تغييرها بمعدل أسرع من المعدل الخاص بتغير المنتجات الخاصة بالبحر، وقد تمت مشاهدة مثال مدهش على ذلك في سويسرا. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 538/539)

هذه الحالات تسمى في لغة البحث (anecdotes)، أي حالات مفردة لا قيمة إحصائية لها، ولا تحتاج إلى أي بحث علمي، فالمرء يمكن أن يلاحظ حالة ما في بيئته أو مجتمعه. إنها لا تنفع كدليل علمي، لكن داروين كان يستخدم هذه الحالات المفردة من ملاحظاته أو ملاحظات الآخرين كأدلة علمية قاطعة على ما كان قد حدث في الطبيعة قبل مئات الملايين من السنين.

وكثير من الأشخاص الذين يتبادل داروين معهم الأخبار والمعلومات موجودون خارج بريطانيا. ولا ندري أية وسيلة للتواصل كانت متاحة لداروين غير البريد الذي ضاعت فيه مخطوطة ألفريد راسل والاس، واستغرقت إعادة إرسالها عاما كاملا.

أما الصنف الرابع من الأبحاث فنسمع من داروين أنه قام بها من خلال تصريحاته العديدة من قبيل “وأنا قمت بأبحاث عديدة في هذا المجال”، أو “وأنا جمعت حقائق كثيرة في هذا المجال”، دون أن يقدم لنا بحثا أو حقيقة واحدة في السياق، أو يخبرنا أين نجد تلك الحقائق والأبحاث. إنها تماما مثل الحقائق التي كان قد جمعها خلال رحلة السفينة بيغل إلى جزر غالاباغوس، ولم نر منها شيئا إلا في آخر كتابه عن أصل الأنواع.

انظر في الأمثلة التالية:
ولمعالجة هذا الموضوع بطريقة صحيحة، فإننا يجب أن نستعرض قائمة طويلة من الحقائق الجافة، ولكني سوف أدخر ذلك لعمل في المستقبل. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 110)

أو:
“… وأنه من الميئوس منه محاولة إقناع أي إنسان بصدق الاقتراح المذكور أعلاه بدون تقديم المجموعة المرتبة الطويلة من الحقائق التي قمت بجمعها، والتي من غير الممكن إطلاقا أن يتم تقديمها. وأنا أستطيع فقط أن أعلن اقتناعي بأن الموضوع يمثل قاعدة ذات عمومية عالية. وأنا على علم بالكثير من الأسباب المختلفة للخطأ، ولكني أرجو أن أكون قد قمت بإفساح مجال مناسب لها. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 252)

الحقائق سيسردها في عمل مستقبلي، أو من غير الممكن تقديم الحقائق التي جمعها، وعلينا أن نكتفي من الأدلة بأن السيد داروين، يستطيع فقط إعلان اقتناعه بأن الموضوع يمثل قاعدة ذات عمومية عالية! لماذا، إذن، يرفض الملحدون تصديق أنبياء الأديان، إذا كانت هذه هي أرضية ادعاءات داروين؟

أما باقي كتاب داروين “أصل الأنواع” فلا علاقة له بالبحث الميداني، بل هو شكل من أشكال الفلسفة التي يقوم فيها الشخص بتناول أبحاث العلماء وجمع أفكارهم، وعرضها والاستنتاج الفلسفي منها. داروين لا يفعل إلا سرد عمل الباحثين الآخرين، وتجيير أفكارهم لإثبات التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي. وهنا فإنه يرتكب مجزرة أكاديمية بحق مصادره، لم يستطع تبريرها إلا بمرضه المزمن الذي منعه من ضبط المصادر وتدقيقها، فهو يشير إلى الكتب بطريقة لا تُقبل من تلميذ في الثانوية العامة، فليس هناك من المعلومات عن المصادر، كتبا كانت أو مقالات، ما يعينك على العثور عليها في المكتبة، لتتأكد مما إذا كان ما يقتبسه من ذلك المصدر دقيقا، وفي السياق الصحيح؛ المهم هو اسم الباحث. بل إنه يشير أحيانا إلى أفكار لعلماء وباحثين يطلق عليهم أفخم الألقاب دون أن يسميهم. ويعتمد داروين أكثر ما يعتمد على ثقة القارئ بما يقوله ويخمنه. انظر إلى ما يقوله:
وهذه الخلاصة التي أنشرها الآن، هي بالضرورة ليست كاملة، فأنا لا أستطيع أن أسرد مراجع أو استشهادات لتصريحاتي العديدة، ويجب أن أطلب من القارئ أن يضع بعض الثقة في الدقة المعهودة عني. ولا شك أن بعض الأخطاء قد حدثت، بالرغم من أني آمل في أن أكون قد توخيت الدقة في الثقة بصحة المراجع المعتمدة فقط … (ص 56)

ولكن من أين للقارئ مثل هذه الثقة إن لم يخلقها الباحث بأدلته، وبحججه القاطعة، وببياناته وتوثيق مصادرها؟
حجج داروين هي احتمالات، وتخمينات، وظنون، وأشياء غامضة أو مجهولة. داروين ينهي أبواب كتابه بتقديم ملخص عما يسميها “الحقائق” التي أوردها في ذلك الباب، لكن القارئ لأي باب لا يتذكر أنه رأى أية حقيقة، فكل ما قاله داروين هو سلسلة من الاحتمالات والتخمينات والآراء الشخصية، بل وحتى أشياء يسميها “غير مفهومة” أو “غامضة”، أو “مبهمة”، أو “مجهولة”.

إن داروين هو الكاتب الوحيد في العالم الذي يعتبر جهله بالأشياء رصيدا علميا فينسج على غياب معرفته قصصا من خياله. في أحد فصول الكتاب (الباب الرابع) ترد عبارات من قبيل: (من المحتمل، من المفترض، ربما، قد، على الأغلب، تخمينا، غامضة، مجهولة) أكثر من خمسين مرة خلال عشر صفحات (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004 – ص 204- 214).

ثم يقول داروين بكل وقاحة أنه لا يقول شيئا دون دليل علمي!

إشكاليات بنيوية ومعرفية
هناك إشكاليات بنيوية ومعرفية فيما تطلق عليها تسمية “نظرية التطور” لداروين التي تبني على مبدأ “الانتقاء الطبيعي”، وهو مفهوم جوهري في النظرية. وكما بينا سابقا، فإن مفهوم الانتقاء الطبيعي نفسه يرتبط ارتباطا عضويا بمفهوم جوهري آخر ثبت بطلانه، ألا وهو الصراع على الغذاء في الطبيعة من أجل البقاء. وقد ناقشنا الإشكالية المتمثلة في غياب التعريفات الدقيقة للمفاهيم في النظرية، مثلا المقصود بالطبيعة والانتقاء الطبيعي، ووجدنا أن داروين قال بنفسه أنه أطلق صفة “طبيعي” على الانتقاء في الطبيعة فقط لتمييزه عن الانتقاء الذي يقوم به الإنسان في ظل التدجين، أي إن التسمية اعتباطية ولا علاقة لها بطبيعة الطبيعة.

مثل هذه التخريجة لا يمكنها حل الإشكالية البنيوية المتمثلة في أن النظرية تتعامل في الواقع مع وجود عوالم مختلفة في الطبيعة، منها عالم الحيوان وعالم النبات، حيث يتبين، حتى دون الدخول في التفاصيل، أن بعض المبادئ، الرئيسية والثانوية على حد سواء، التي يقحمها داروين في النظرية وكأن لها سريان عام في الطبيعة وفي عمل الانتقاء الطبيعي، ليست كذلك. مثلا: كيف ينطبق مبدأ الاستخدام وعدم الاستخدام على النباتات؟ وكيف ينطبق الصراع على الغذاء من أجل البقاء على النباتات؟ وكيف ينطبق الانتقاء الجنسي على النباتات؟ وكيف تنطبق قوانين الغرائز التي يربطها داروين بالانتقاء الطبيعي على النباتات؟ هذه بعض الأمثلة الظاهرة للعيان، وهناك مثلها وغيرها كثير في متن كتاب داروين.

هناك فوارق جوهرية عديدة بين عالمي الحيوان والنبات، يتجاهلها داروين، فيخلط العالمين بشكل تعسفي في بوتقة حكم الانتقاء الطبيعي، وملحقاته. إن القارئ سيكتشف حتى وهو في بداية جولته في الكتاب، أنه كان على داروين أن يفصل بين العالمين، ويضع نظرية يحاول تطبيقها على عالم الحيوان، وأخرى على عالم النبات. بل وهناك حاجة إلى نظرية تخص الحشرات وحدها، خاصة فيما يتعلق بقدرتها على التمويه في البيئات المختلفة بقصد حماية نفسها أو خداع فرائسها، وبأصل أجنحتها. إن داروين يدعي أن الطيور وأجنحتها تنحدر من ديناصور طائر. نحن بحاجة إلى معرفة أصل أجنحة الحشرات أيضا، وهل لها علاقة بالديناصورات؟ بل وحتى فيما يتعلق بعالم النبات نحتاج إلى تفسير لامتلاك بعض البذور أجنحة تساعدها على ركوب الهواء بقصد الانتشار. هذا ناهيك عن الحاجة إلى نظرية عن تطور الإنسان. كيف تسري أحكام الانتقاء الطبيعي على الإنسان، وهو جزء من الطبيعة؟ هذا الفصل الضروي بين العوالم المختلفة يفتقده القارئ في الكتاب (يدعي داروين في كتابه عن نشأة الإنسان، أن الإنسان لم يعد يخضع لحكم الانتقاء الطبيعي).

أما الإشكالية المعرفية فتتمثل في أن داروين، وكان جل معلوماته يتركز على النباتات الصغيرة في جنينة منزله، يعرض قصصا عن تمايز الحيوانات أو سلوكها، ثم عندما يريد أن يضرب أمثلة عليها، فإنه يعجز، فيأتي بأمثلته من عالم النبات. ويفعل العكس أيضا. وكذلك فإنه يختلق قصصا عن الطبيعة عامة، ويكتشف اختلاقه بنفسه عند البحث عن أمثلة في الطبيعة، فلا يجد، ويضطر إلى الاستعانة بأمثلة متخيلة. وليس نادرا أن نجد داروين يلقي في الهواء ادعاءات كبيرة، ويتركنا دون أن يوضح لنا ذلك بمثال واحد. ثم إن داروين يأخذ جل أمثلته ليس من أبحاث يقوم بها هو، بل من أعمال غيره. كذلك فإن داروين، وهو عاجز عن تفسير الطبيعة بأمثلة من الطبيعة، يحاول أن يقرب فكرة ما إلى أذهاننا بتشبيهات تدخله في متاهات لا مخرج منها سوى الاعتراف بالفشل، وعبارة “فشل” غير موجودة في معجم داروين. إنه يحاول، مثلا، أن يشبه التطور تارة بما يصنع الإنسان، وتارة باللغة ولهجاتها، وأخرى بالتدجين. والتدجين في نظرية داروين هو النموذج المثالي للانتقاء والذي استنسخته الطبيعة بأداتها الباهرة “الانتقاء الطبيعي”.

أمثلة داروين وتشبيهاته

سننظر في أمثلته في الجوانب أعلاه في الحلقة القادمة.

يتبع ..
‎2021-‎01-‎15