ما هي الدّروس المُستفادة من الكشف عن فضيحة أويحيى وسبائك الذهب الخليجيّة التي باعها في السّوق السّوداء مُقابل انتِهاك كرامة الجزائر والتّفريط بثرواته؟

وماذا لو لم ينتفض الشّعب الجزائري في حِراكه الحضاري النّموذجي؟

نعترف أنّنا في هذه الصّحيفة “رأي اليوم” تعاطفنا مع أحمد أويحيى، رئيس الوزراء الجزائري الأسبق، وتألّمنا عندما ظهر مُكبّل اليدين بالأغلال مُحاطًا برِجال فرقة التدخّل السّريع الخاصّة التّابعة لجِهاز الدرك بعد سماح القاضي له بالمُشاركة في تشييع جنازة شقيقه ودفنه في مقبرة “فاريدي” بالعاصمة في حزيران (يونيو) الماضي، فقد كان المنظر مُؤلِمًا ومُهينًا لرجل تولّى رئاسة وزراء بلاده خمس مرّات، علاوةً على مناصبٍ أُخرى مِثل تولّيه وزارة “العدل” ورئاسة مكتب الرئيس بوتفليقة، وتزعّمه لرئاسة الحزب الوطني الديمقراطي لأكثر من عشرين عامًا، وهو الذي يُعتَبر حزب السّلطة الثّاني.
التّعاطف جاء من مُنطَلقٍ إنسانيٍّ صِرف بالنّظر إلى ضخامة حجم القسوة والإهانة لرجلٍ كان على قاب قوسين أو أدنى من تَولّي كُرسي الرئاسة، وكان أكرم له، وللسّلطة التي قدّمته إلى المحكمة بتُهم الفساد، أن يُشارك في جنازة شقيقه، ومُحاميه في الوقت نفسه، دون أن يكون مُكبّلًا بالأغلال، خاصّةً أنّ فُرص فراره تبدو معدومةً في ظِل ضخامة عدد رجال الأمن من حوله، ولكن تبيّن لنا أنّ ما تعرفه الدولة عن حجم فساده كان يُبَرِّر لها، في نظر البعض بالتّعاطي معه كمُجرم خان الأمانة والمسؤوليّة وتعمّدت إظهاره بهذه الصّورة أمام الرأي العام، والحِراك الشّعبي الذي كان له الفضل في هذا الإنجاز، أيّ فضح الفاسدين وتعريتهم واجتِثاثهم من جُذورهم، ولولا هذا الحِراك ربّما لأصبح هذا الفاسِد رئيسًا للدولة.
اليوم وبعد الاطّلاع على اعتِرافات السيّد أويحيى بتلقّيه سبائك ذهبيّة من أربعة أُمراء خليجيين باعها في السّوق السّوداء، بلغت قيمتها 2.6 مِليون دولار، مُقابل السّماح لهؤلاء بالصّيد في أرضٍ جزائريّة، تَحظُر القوانين الصّيد فيها، حِفاظًا على الطّيور والحيوانات النّادرة التي تُعتَبر ثروةً وطنيّةً، وتبخّر هذا التّعاطف، خاصّةً بعد إدانة الرّجل بالسّجن حواليّ 39 عامًا لارتِكابه هذه الجريمة وغيرها.
هُناك فرق شاسع بين السيّد أويحيى رئيس الوزراء وشقيقه المحامي العيفة أويحيى، الذي اختلف معه، وابتعد عنه في ذروة سطوته ونُفوذه، ولكنّه وقف إلى جانبه مُدافِعًا عنه أمام القضاء بعد أن تخلّى عنه الجميع، انطلاقًا من واجبات المِهنة، وتوفّي في بيتٍ مُتواضعٍ في حيّ شعبيّ في العاصمة.
فضح واقعة الرّشاوى هذه جاءت تَعرِيَةً للمُنافقين ناهِبي المال العام الذين يُحرّكهم الجشع ومباهج الدّنيا الفانية، خاصّةً أنّهم كانوا يتَمتّعون بحياةٍ رغيدة، وامتِيازات كبيرة ويعيشون في قُصور.
الشُّكر كلّه للحِراك الشّعبي الجزائري الذي سرّع بالإطاحة بالحُكم الفاسد، وأسقط الأقنعة عن وجوه رموزه التي امتصّت عرَق البُسطاء البرَرَة أبناء الشّعب الجزائري وبدّدوا ثرواته، وقادوا البِلاد إلى الإفلاس على الصُّعد كافّةً وعزاء هذا الشّعب أن هذه الرّموز تَقِف حاليًّا خلف القُضبان لمُواجهة العِقاب الذي تستحق، ولن تنفعهم الأموال التي سرقوها من أموال الشّعب الجزائري العظيم.
الجزائر تعيش مرحلةً انتقاليّةً جديدةً واعِدةً تتسارع خطواتها على طريق الإصلاح، بثقةٍ واقتِدار، وإن كُنّا نعترف بحُدوث بعض الأخطاء، والمأمول أن يتم تجاوزها في أسرعِ وقتٍ مُمكن، لضمان استِمرار عمليّة التّغيير المُتسارعة، والسلميّة في الاتّجاه الصّحيح، فيكفي الحِراك الجزائري فخرًا دوره الكبير في هذا المِضمار بعيدًا عن العُنف والفوضى، واحتِرام قوّات الأمن في المُقابل لهذا السّلوك الحضاري النّموذجي، وعدم اللّجوء إلى الرّصاص والقتل مثلما حدث في دُوَلٍ أُخرى.
إدانة أويحيى، وكُل الزّمرة الفاسدة، واطّلاع الشّعب بالكثير من الشفافيّة، على مِلفّات فسادهم، يُؤكِّد ولادة “جزائر جديدة” مُختلفة، وبخطواتٍ مُتدرّجةٍ، أو هكذا نعتقد، ويظل أهل مكّة أدرى بشِعابها.. واللُه أعلم.
“رأي اليوم”
‎2021-‎01-‎13