من رواية سيرة والدتي…. حلقة 31!
ما ورثته الطفلة عن أمها….

أبو علاء منصور.
من حيث الصفات والمناقب الشخصية، تكاد أن تكون شقيقتي نعيمة صورة عن والدتي، لكن الأمر مختلف في الواقع، ففيما نجت والدتي من تجرع المرارة حين عطف عليها القدر وأماتها وهي في الخمسين من عمرها، فقد تجرعتها نعيمة مرتين، الأولى وهي طفلة غضة يوم اعتقل شقيقي جمال وشُردتُ أنا وهدم منزلنا، فوجدت نفسها طفلة غضة وحيدة مع والد مكلوم وكبير السن بعد أربعة شهور من وفاة الوالدة، والثانية بعدما أصبحت أماً واعتقل ابنها شرار ولاحقاً ولديها بلال ووقاص.
بعد ثماني سنوات اعتقال تحرر شرار من السجن، فغادرنا منزلنا في رام الله لاستقباله في بلعين. كانت شقيقته آمنة -زوجة ابني خالد- أشدنا توتراً. ربما تكثف في خيالها ثقل ثماني سنين على فراق شقيقها، فبدا كأنها تقف على صفيح ساخن وهي تخشى أن يصل إلى القرية قبلنا، وهي تعلم أنه سيستغرق ثلاث ساعات على الأقل، ففي نطاق سياسة العقاب الجماعي لأهالي الأسرى، اعتادت سلطات الاحتلال إطلاق سراح المفرج عنهم بعيداً عن مناطق سكناهم. وبدل أن يُطلق سراح شرار من سجن عوفر القريب، ألقوا به في بلدة الظاهرية جنوب الخليل.
حين وصلنا إلى القرية كانت تتلألأ بالأضواء، وتتزين بأعلام فلسطين ورايات فتح. رجال ينتشرون على جانبي الطريق وصِبية وأطفال يتقافزون فرحاً منتظرين وصول الأسير المحرر. أما أنا فمستعجل لأشهد لحظة ولادة الفرح على قسمات وجه نعيمة. كانت تعج باحة المنزل بنساء يرقصن على أنغام أغاني ثورية تصدح بها الميكروفونات. جاء وقت فرحك يا نعيمة! مذ كنتِ طفلة وأنتِ ترتشفين ألماً من حفرة المعاناة. الكل يهمسن: (لم تفرح نعيمة في حياتها يوماً، نريد أن نُفرحها). أما هي فلم تتوقف عن (الرقص) فخلتها كأنها لا ترقص، ظلت تدور حول نفسها صامتة كإنسان آلي دون أن تظهر على شفتيها آثار ابتسامة! ما الذي كان يُشغل بالها! بمَ\بمن كانت تفكر! ربما بأمهات الأسرى اللواتي تجرعت معهن آلام زيارة فلذات أكبادهن في السجون، ووقفات التضامن معهم في الخيم وأمام مكاتب الصليب الأحمر! وربما انشغل ذهنها بمن بقوا خلف القضبان من رفاق ابنها!
كانت نعيمة تفرح بعودة كل أسير إلى حضن أمه كأنه ابنها. وها هن أمهات وشقيقات الأسرى فرحات لها، “رقية” أم نزال والدة المناضل محمود الدبّة، وشقيقة الأسرى المحررين صقر ومحمد وعرفات إلياس. أمهات أسرى كثر يهمسن بألم: (متى تنتهي رواية ألمنا؟). بأية عاطفة ستحتضن نعيمة فلذة كبدها! بفرحها بتحرره أم بحزنها على أمهات طال حلم احتضانهن لأبنائهن! بدا كأن الفرح شلال يتدفق من روح حنين شقيقة شرار، فظلت ترفرفف بثوبها المطرز كفراشة ربيع وتوزع الابتسامات. سيظل كل فرح الفلسطينيين مجروحاً حتى تتحقق أحلامهم بالحرية والاستقلال.
انفعل الحضور فجأة وقد قيل إن السيارة التي تقل شرار غادرت قرية كفر نعمه المجاورة باتجاه قريتنا. لحظات فرح عارمة بدا فيها كأن شرار لم يكن سجيناً! سبحان الله العظيم! ما أن يُفرج عن الأسير حتى يمحو الفرح الألم! كل مُرّ بمُرّ وعلينا أن نتجمل بالصبر. تجمدت العيون على رتل السيارات الآتي من الشرق! وأمام منزل نعيمة ترجل شاب بطلّة شامخة، عبر البوابة دون أن يلتفت للمحتشدين في الشارع، كأنهم غير موجودين. أراد الفدائي -شرار- أن يختص والدته بأول قطفة فرح. وقبل ذلك -في قرية كفر نعمة- مرّ على بيت والديّ الأسيرين مصطفى وعلاء غنيم. خنقتني الدموع وقد تذكرتُ يوم أُفرج عنّي من السجن قبل أربعة عقود. يومها عرجتُ أيضاً على منزليّ رفيقيّ في الخلية خضر قنداح وغازي فلنه، قبل أن أذهب إلى قريتنا لأُفرح أمي بتحرري. وحين وصلتها بعد ساعات لمحتُ والدتي المريضة تمتطي ظهر حمار عائدة من رام الله، كانت تتقصى أخبار اعتقالي في المدينة. تذكرتُ ذلك وشعرتُ بكثير من الاعتذار لروح المرحومة والدتي! تحت الاحتلال يصبح الأولاد هماً وقلقاً للأمهات، يجعلوهن يبكين في حالتيّ الفرح والألم. فاضت مشاعري فتساءلتُ وقد رُفع شرار على الأكتاف. بأية مشاعر عانق شرار هارون وزوجته اللذين خلّف ابنيهما وراءه في السجن؟ ما الذي دار في ذهن الزوجين؟لن يفلت المعتدي من العقاب، فكل احتلال زائل لا محالة.
مع تحيات أبو علاء منصور
9\1\2021