الفساد في العراق. الادارة والاقتصاد!
ابو زيزوم.
كما يدير الأفراد امورهم الاقتصادية فإن الدولة تدير الاقتصاد العام . وكما ان هناك خطط او نماذج متبعة في التدبير المنزلي فإن هناك مدارس عديدة في التعامل الحكومي مع الشأن الاقتصادي . المدرسة الرأسمالية القائمة من حيث المبدأ على ترك الاقتصاد للمبادرة الفردية معروفة ولا تحتاج الى كثير توضيح ، خصوصاً وأن بلداننا منذ نشأتها الحديثة ليست جزءاً منها . يوجد في الجانب الآخر نموذجان من التعامل الاداري مع الاقتصاد ليس بينهما النظام الاشتراكي الذي خرج من المعادلة . أولاً النموذج الصيني الذي يعتبر شذوذاً عن المسار الاشتراكي الذي انتهى الى الفشل . التجربة الصينية نموذج للنجاح قل نظيره في التاريخ . وأخطر ما فيه انه سليل الوصفة المحكوم عليها بالفشل ( وصفة الاشتراكية). لن نتوسع في الحديث عن الجوانب الفكرية والثقافية للتجربة الصينية وانما نشير فقط الى الجانب الابرز فيها وهو الجانب الاداري وركن التخطيط فيه . قد لا نجد في عالمنا المعاصر نجاحا إدارياً بالقدر الذي أحرزته الصين وارتفعت به الى قمة العالم .
ثانياً : النموذج الإماراتي ، وهو نموذج لا يمكن تكراره لسبب بسيط وهو ان رجلاً كان يسير وأمامه حقل ألغام يحيط بكنز من الذهب ، وهو لا يدري ان أمامه ألغاماً وخلفها كنز . فسار على رسله متمهلاً مطمئناً وشاءت الاقدار ان لا يطأ لغماً فوجد أمامه الذهب . هل يمكن تكرار مثل هذه التجربة بوعي ودراية ؟ بالطبع لا . الإماراتيون عندما تشكلت دولتهم وتفجرت فيها ينابيع النفط كانوا ما يزالون في أقصى البدائية . ولأن الشيخ زايد بطبيعته ميّال الى الاستجابة اكثر من ميله الى الرفض كان كل مبادر يجد تشجيعاً بعدم التدخل الحكومي . الأجانب بالأساس ثم المحليون كقطاع تابع . هناك حالات لا يحتاج فيها المجتمع من الحكومة سوى النأي بنفسها عن قطاع من القطاعات لكي ينمو مثل نباتات البراري . ولما كان الموقع في مدخل الخليج وغزارة الاموال المتدفقة كلها عوامل اغراء للنشاط الاقتصادي أدى عدم تدخل الدولة الذي يشبه الغياب الى نمو تجربة اقتصادية تبدو للوهلة الاولى عشوائية الا انها تكاملت مع الأيام وأصبحت رائدة . تلك مرحلة أولية لم تتجاوز السبعينيات لكنها أسست لثقافة ادارية استمرت حتى بعد ان نهضت الدولة وحتى بعد ان صعد قادة مختلفون عن نفسية زايد ومزاجه .
العراق كغيره من البلدان العربية الاخرى لم يشهد مرحلة نجاح اقتصادي . فالذين تولوا اموره على طول الخط سياسيون او عسكريون ولم تتهيأ الفرصة لرجال الاقتصاد ان يمسكوا بالقرار . هنا لا بد من الإشارة الى نقطة هامة ؛ وهي ان اكتشاف النفط في بلد من البلدان لا علاقة له بالنجاح او الفشل الذي نتحدث عنه . تلك أقدار لا دور للفعل الإنساني بها . فالشخص الذي يعثر على كيس مملوء بالنقود وهو يمشي ويصبح غنياً لا تدخل حالته في الدراسات وانما في القصص والأساطير .
المبدأ الاقتصادي الذي تحاول ان تنتهجه جميع الدول والأفراد هو زيادة التصدير بحيث يتفوق على الاستيراد . وبما اننا استثنينا النفط من الموضوع فإن العراق لم يحقق اي نجاح تجاري او إنتاجي في تاريخه الحديث . خذ مثلاً في المرحلة البعثية التي تعتبر الأطول زمنياً وشهدت بعض الفواصل من الاستقرار وكانت فيها الادارة مقتدرة وفعالة ، وضعت الدولة تسعيرة للتمر وتعهدت باستلام المحصول من الفلاحين . ولم تشجع اي عمليات تصدير يقوم بها القطاع الخاص او الشركات الأجنبية . كانت تستلم المحاصيل بملايين الأطنان وتكدسها في العراء الى ان تأتي الأمطار وتتلفها ، فتباع اعلافاً للماشية . ولأن التسعيرة منخفضة ( كانت في السبعينيات 29 فلساً للكيلوغرام ) عزف الفلاحون عن الاعتياش على بساتينهم واتجهوا الى الوظائف وأعمال اخرى . كانت الدولة توفر جميع احتياجات الفلاح من المعدات الزراعية بأسعار مناسبة وبالاقساط ، فيستلمها الفلاح ويستفيد منها في غير مجال الزراعة . وأصبح النخل الذي يفترض انه الثروة الوطنية الاولى يترك بلا تلقيح وأخذت البساتين تهمل وتتناقص .
بعد الاحتلال يفترض المنطق ان ينضم العراق الى متبنّي الاقتصاد الحر ، مذهب الاحتلال ، الا ان الذي حصل امر شديد الغرابة ذلك ان البلد لم ينتهج اي نهج اقتصادي معروف وانما ابتدع نهجاً خاصاً به لا مثيل له في التاريخ او الجغرافية . وسنتحدث عنه في منشورات عديدة غير متتالية .
( ابو زيزوم _ 970 )
‎2021-‎01-‎13