أميركا: معارك استعادة الصورة!

ايهاب شوقي.

المراقب لتداعيات الأحداث في أمريكا بعد السوابق التاريخية المتمثلة في انهيار صنم الديمقراطية الامريكية عبر مشهد تعاطي ترامب مع نتيجة الانتخابات واقتحام جماهيره لمبنى الكابيتول، وهو مشهد لا يقل في دلالاته عن مشهد انهيار سور برلين والذي ارخ لنهاية الحرب الباردة وولادة نظام عالمي جديد، يرى ولادة لحقبة تاريخية جديدة يمكن رصد أهم معالمها كما يلي:

أولًا: هناك جهد أمريكي كبير سيتم بذله ووقت طويل سيمر في اطار السعي وراء استعادة الصورة الامريكية المصدرة على أنها قبلة للحريات والديمقراطية، ناهيك عن تغير مرتقب للتنافس التقليدي بين حزبين رئيسيين يتم تناوب الحكم بينهما، بعد ان نجح ترامب في شق صفوف الحزب الجمهوري، وربما تتشكل حركة أو حزب جديد يتسم بالفاشية بقيادة ترامب وبومبيو، وهو ما سيقلب موازين السياسة الداخلية والخارجية الامريكية ويكشف سوءاتها التي حاول كلا الحزبين مداراتها عبر عقود من التجاوز والتمرير لبعضمها البعض باعتبارهما شريكين في عصابة اجرامية كبرى تشكل قوة عظمى تسمى الولايات المتحدة الامريكية.

وكلا الجهد والوقت المبذولين لترميم الصنم الامريكي، وبقاعدة عدم وجود فراغ في السياسة، سيسمح لقوى أخرى بالوثوب لمسرح الحكم العالمي، سواء من حلفاء أمريكا أو خصومها.

وهذا السد للفراغ الأمريكي يجعل العالم مرشحًا للتوتر، حيث يتوقع أن تبذل جهود للتعطيل والالهاء عبر نشر حروب صغيرة متناثرة على حدود من يخشى احتلالهم للمكانة الامريكية او القفز الى درجة متقدمة في سلم التوازن الدولي، أو توريط القوى المرشحة للتقدم في حروب مباشرة لاستهلاكهم واستنزاف قوتهم وامكاناتهم ريثما تستفيق أمريكا من كبوتها وتحاول استعادة توازنها.

ثانيًا: النموذج الأمريكي الذي استخدمته أمريكا لابتزاز الدول وسلّطته سيفًا على خصومها، لم يعد ناجحًا أو ذا مصداقية رغم المليارات التي أنفقت لترويجه عبر منظمات ومؤسسات دولية كبرى تعمل في مجال الديمقراطية والحريات، وبالتالي هناك حاجة لولادة نموذج بديل يعمل كذراع استعمارية. وبالعودة للوراء تاريخيًا، فإننا نرى ان نموذج الليبرالية الغربية استحدث للهيمنة بديلا عن الاستعمار التقليدي توفيرًا لكلفته، والى حين ابداع نموذج جديد، ربما تحدث ردة لأدبيات الاستعمار التقليدي، وهو احتمال للتصعيد يضاف الى الاحتمال السابق!

ثالثًا: مخلفات الحرب الأمريكية بنسختها الأكثر فجاجة والمتمثلة في ترامب، وأنظمة تابعة فقدت مصداقيتها الكاملة وفرطت في جميع أوراق قوتها، وأريق ماء وجهها كاملًا، تعيش مأزقًا حقيقيًا، حيث اضطرت للمضي في اجراءات تعرف بداياتها، ولا تعرف نهاياتها، مثل التطبيع المجاني مع العدو الصهيوني، والعلاقات العضوية مع التكفيريين، ووجدت نفسها مطالبة باستحقاقات غير مستندة الى أصول أو استعدادات، وحملت نفسها أعباء وعداوات دون مبرر وألقت بجميع أوراقها في سلة ترامب وربطت مصائرها بمصيره الملتبس، وهو ما يدفع الى ارتباكات اقليمية من جهة، وداخلية مع شعوبها من جهة أخرى، وخاصة مع تردي الأوضاع الاقتصادية المتفاقم بفعل جائحة عالمية، حيث شكل الرفاه الاقتصادي بعض الضمانات لصمت الشعوب وهو في طريقه الى التدهور، حتى ما قبل الجائحة، بسبب الفشل في التنمية والاعتماد الوحيد على الريع.

هنا نحن أمام مشهد تصعيدي بامتياز، ربما يتم اللجوء فيه لقلاقل داخل الدول على نمط (الربيع العربي)، كمحاولة للالهاء وفرصة لالتقاط الانفاس الامريكية، وهو ما نرى محاولات له في العراق ولبنان، ومحاولات لاحياء “داعش” وتنشيطها، ومحاولات لخلق حروب متناثرة في المغرب العربي وافريقيا مثل الاوضاع على الحدود السودانية الاثيوبية، وربما تخلق في الايام القادمة قلاقل على حدود روسيا والصين او في الداخل مثل تايوان وهونج كونج والقرم.

وربما نشهد محاولات لتوتير الحدود الايرانية أو محاولات جديدة لفتن داخلية مثل تصريحات تبث الفتنة في الداخل الايراني أو اللبناني أو العراقي.

باختصار هناك قنابل دخانية متوقعة يشارك العدو الاسرائيلي وأصدقاؤه من المطبعين العرب في تفجيرها بغرض معاونة أمريكا على استعادة توازنها، وربما تصل الأمور بهؤلاء الى التورط في مواجهات شاملة بسبب ربط مصيرهم بالمصير الامريكي، واهدار جميع فرص الاستقلال الوطني والتخلص من عبء الهيمنة والاستعباد الامريكي.

أما الشعوب، فهي فاقدة للقيادة والقاطرة، حيث تم تجريف الحياة السياسية وما يمكن أن تشكله من ضمانة للتماسك والمواجهة، فقد انهارت الاحزاب بفعل ارتهانها لقوى خارجية، وانهارت الحركات الوطنية، ولم يتبق في وطننا سوى فصائل المقاومة والتي تحمل مشروعا ومنهجا للمواجهة والحماية من الاندثار والسقوط التاريخي.
هو مشهد انتقالي بامتياز للتوازنات الدولية وتشكيل نظام عالمي جديد، وانتقالي بامتياز في الداخل العربي لاعادة تشكيل الحياة السياسية وعودة الاعتبار للقوى الشعبية والسياسية لمواجهة استعمار عائد بشكله التقليدي العنيف.

2021-01-12