تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (5)!

د. عمر ظاهر.

المعترضون على داروين من معاصريه.
إن أكاديميين، وعلماء، وخبراء معتبرين اعترضوا بقوة على الترهات في “أصل الأنواع” حين صدوره، وواحد من أولئك كان السيد جورج ميفارت Mr. St. George Mivart الذي يقول عنه داروين نفسه أنه عالم جليل:
وقد قام مؤخرا عالم جليل في علم الحيوان هو السيد سانت جورج ميفارت Mr. St. George Mivart، بجمع كل الاعتراضات التي تسنى لي ولغيري تقديمها على الإطلاق ضد نظرية الانتقاء الطبيعي، والتي قد تم إعلانها بواسطة السيد والاس Mr. Wallace ومني شخصيا، وقام بإيضاحها بمهارة وقوة تستحق الإعجاب. وعندما يتم استعراضهم بهذا الشكل، فإنهم يكونون طابورا هائلا لا يقهر. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 350)

السيد ميفارت لم يكن فقط من أشد المعترضين على ترهات داروين، بل وجمع الرجل اعتراضات الآخرين عليه بهدف إبراز مدى الرفض لتلك الترهات، وكثرة الرافضين – ويعترف داروين بأنهم كانوا طابورا لا يُقهر. لذلك فإن داروين يبدو وكأنه يتهكم بمهارة ميفارت في إيضاح تلك الاعتراضات قائلا إن تلك المهارة قوية وتستحق الإعجاب. ويُفهم من الاقتباس أن داروين نفسه كانت له اعتراضات على نظرية الانتقاء الطبيعي! غريب حقا. صاحب النظرية يعترض عليها. أين فعل ذلك؟ وداروين يستنجد بالسيد والاس لتقوية موقفه، فالآراء لم يعلنها بوحده بل سوية مع السيد والاس. لسان حاله يقول إن هذه الآراء يؤكدها العالم الكبير الأستاذ ألفريد راسل والاس أيضا، فلماذا تعترضون؟

ومن جهة أخرى يتبين أن اعتراضات السيد ميفارت نفسه، وتلك التي جمعها، كانت كثيرة فعلا، بحيث أن داروين اضطر إلى كتابة باب جديد (الباب السابع) للرد عليها، مع أنه يقول إنه يختار الرد على بعض من الاعتراضات فقط بذريعة ضيق المكان. ونحن نورد هنا بعض تلك الاعتراضات وردود داروين عليها.

حديث الزرافة والنعامة
قبل أن يأتي داروين إلى اعتراضات السيد ميفارت يرى أنه من المستحسن أن يشرح لنا – مرة أخرى، كيف سيقوم الانتقاء الطبيعي بدوره في جميع الحالات العادية، فيعطي – وهذا جانب مهم من شرحه للانتقاء الطبيعي، أمثلة من التدجين على يد الإنسان:
فالإنسان قد قام بتعديل البعض من حيواناته دون الحاجة للاهتمام بتفاصيل خاصة في التركيب، وذلك ببساطة عن طريق الحفاظ والاستيلاد من أسرع الأفراد، كما في حصان السباق وكلب الصيد السلوقي، أو كما فعل في حالة ديك المصارعة، وذلك بالإنسال من الطيور المنتصرة. وهذا هو الحال مع الزراف في بداية نشوئه تحت ظروف الطبيعة، فإن الأفراد التي كانت ترعى أعلى ولو ببوصة أو بوصتين فوق الآخرين، فهي التي كانت غالبا سوف تبقى، وذلك لأنها سوف تكون قد جاست خلال كل بقاع القطر بحثا عن الطعام. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 352)

ويُفهم من هذا أن الطبيعة أنتجت الزراف بنفس الطريقة التي يستولد بها الإنسان سلالات محسنة من حيواناته. الإنسان يرى، مثلا، أن هذا الحصان، أو ذاك الكلب السلوقي، أو ذاك الديك المصارع، أو غيرها من الحيوانات تبلي بلاء حسنا فيقوم بتضريبها، فيحصل على حصان سباق أفضل، وكلب سلوقي أكثر قدرة على الصيد، وديك أقدر على صرع منافسيه. وبنفس الطريقة ترى الطبيعة، أو يرى الانتقاء الطبيعي، أو يرى داروين، أن أفراد الزراف كانت تبلي بلاء حسنا فهي كانت أصلا ترعى أعلى من الآخرين، ولو ببوصة واحدة أو بوصتين، فقرر أن يبقيها على قيد الحياة في زمن القحط، فصار يزيد في عدد فقرات رقبتها، ويمكنها من الوصول إلى أعالي الأشجار. ورغم تناوله المتكرر لموضوع الزراف لا تفسير لدى داروين لانطلاق عملية زيادة فقرات رقبة الزراف غير القحط الذي جعله يجوس خلال كل بقاع القطر، حسب تعبيره، فيمد رقبته أعلى فأعلى. إنه لا يخبرنا عن فترة القحط، ولماذا لم تمد الحيوانات الأخرى أيضا رقبتها إلى الأعلى. ولا يفسر شيئا بسيطا، ألا وهو أن القحط لو استمر، مثلا خمس سنوات، فتلك لم تكن فترة كافية لإضافة عدة فقرات إلى رقبة الزراف، فكان الزراف قد انقرض بسبب الجوع. ثم لم تكن تلك أيضا فترة كافية لتكييف كل هيكل الزراف، وتعديل جهازه الدموي ليتناسب مع طول رقبته. بل لم تكن تلك فترة كافية لجعل الصغار التي تلدها الزرافات طويلةَ الأعناق فورا فكانت تموت من الجوع. ولو استمر القحط فقط لموسم واحد أو سنة واحدة، فإن الزراف لم يكن يحتاج إلى مد رقبته ليجعلها طويلة إلى هذا الحد.

إن المعترض يطرح هنا سؤالا، فيرد عليه داروين على هواه، فيذهب يمينا وشمالا. ويندهش القارئ من إجابات داروين التي تدخله في متاهات لا يخرج منها، وتجعله الآن يواجه اعتراض القارئ المعاصر، وليس معاصريه هو، مثل السيد ميفارت. وفيما يأتي واحد من الاعتراضات، والإجابة الظريفة عليه.

يورد داروين اعتراضا من ميفارت كالآتي:
إذا كان الانتقاء الطبيعي بهذه الكفاءة، وإذا كان الرعي على مستوى عال هو ميزة كبيرة، إذن لماذا لم تكتسب أي من الحافريات رباعية الأقدام عنقا طويلا وقواما سامقا مثل الزراف، أو إلى درجة أقل مثل الجمل، والغوناق، والماكروتشينا؟ – أو مرة أخرى، لماذا لم يكتسب أي عضو في هذه المجموعة خرطوما؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 354)

ويجيب داروين:
وهذا سؤال لا يمكن إجابته بوضوح، ولكنه من غير المنطقي توقع رد قاطع على مثل هذا السؤال، فهو مثل التساؤل عن لماذا لم تقع بعض الأحداث في تاريخ البشرية في قطر بعينه، بينما وقعت في قطر آخر. ونحن في جهالة فيما يتعلق بالظروف التي تحدد الأعداد والمآلف لكل نوع، ونحن لا نستطيع حتى أن نحدس ما التغيرات في التراكيب التي كانت مواتية لزيادتها في بعض الأقطار الجديدة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 354/355)

لماذا لا يمكن إجابة هذا السؤال؟ السيد داروين يقول إن هذا هو ما حصل للزراف فجعله الانتقاء الطبيعي يطيل رقبته بمدها إلى الأعلى، فهل كان الزراف الحيوان الوحيد في تلك المنطقة التي أصابها القحط؟ لماذا لم تفعل بقية الحيوانات من فصيلته أو طبقته نفس الشيء؟ لماذا انتقى الانتقاء الطبيعي الزراف وحده للتمايز برقبة طويلة؟ ومن أين عرف داروين أن أفراد الزراف كانت ترعى أعلى ولو ببوصة أو بوصتين فوق الآخرين؟

ثم أليس هذا ظريفا؟ مقارنة تاريخ “التطور” في الطبيعة بالأحداث في المجتمعات البشرية، فيدعي داروين أننا لا نعرف لماذا وقعت بعض الأحداث في بلد دون غيره! فمن أين له أن يعرف ما وقع في الطبيعة قبل ملايين أو مئات الملايين من السنين؟ ما يقوله داروين منطقي، فنحن أيضا نسأله كلما تحدث عن تاريخ الطبيعة: من أين عرفتَ ذلك؟ لكنْ هل حقا نحن لا نعرف لماذا يقع هذا الحدث في قطر معين وليس في غيره؟ بلى فعلوم التاريخ والاجتماع والاقتصاد، عندها تفسيرات مقنعة لحصول الأحداث هنا، وليس هناك. فلماذا لا تستطيع نظرية في البيولوجيا تدعي العلمية الإجابة عما يسأل عنه السيد ميفارت؟ لأن داروين ليس له سبيل إلى معرفة ذلك، فهو يفترض، ويخمن، ويضع الاحتمالات. الظريف هو اعتراف داروين هنا بالجهالة إلى حد عدم التمكن حتى من الحدس. على أي أساس، إذن، يفسر لنا طول رقبة الزراف، وهو يعيش في جهالة؟

يستمر داروين في استعراض الاعتراضات على نظريته، فيذكر:
وقد قامت اعتراضات من نفس النوع السابق سرده، بواسطة الكثير من الكتاب. وفي كل حالة قد كانت توجد مسببات مختلفة – بجانب الأسباب العامة التي قد فرغت توا من الإشارة إليها – التي تدخلت غالبا من خلال الانتقاء الطبيعي في الحصول على تراكيب يعتقد أنها ذات فائدة لنوع معين. وقد تساءل أحد الكتاب لماذا لم يكتسب النعام القدرة على الطيران؟ – ولكن برهة سريعة من التأمل تكون كفيلة بأن تبين أي قدر هائل من التزود بالغذاء سيكون ضروريا لإعطاء هذا الطائر، التابع للصحراء، القوة لتحريك جسده الهائل في الهواء. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 356)

يجب التنبه دائما إلى تعابير داروين الاحترازية، فهو يقول، مثلا (ونضع خطا تحت العبارات المعنية): (بجانب الأسباب العامة التي قد فرغت توا من الإشارة إليها – التي تدخلت غالبا من خلال الانتقاء الطبيعي في الحصول على تراكيب يعتقد أنها ذات فائدة لنوع معين). ليس دائما، بل غالبا. وليس ذات فائدة بالتأكيد، بل يُعتقد أنها ذات فائدة.

ويقول داروين أن النعام لكي يطير كان يحتاج إلى التزود بقدر هائل من الغذاء لتحريك جسده الهائل في الهواء! داروين ينسى في آخر الفصل ما قاله في أوله. فقد كان السيد قد قال سابقا أن النعام فقد القدرة على الطيران نتيجة وجوده في بيئة وفرت له الطعام بحيث صار يمشي إلى طعامه، ولم يعد بحاجة إلى الطيران. كان قد قال:
وقد يكون من الممكن أن نعتقد أن الجد الأعلى لطبقة النعام كانت لديه عادات مثل العادات الخاصة بطائر الحباري، وأنه مع الزيادة في الوزن والحجم الخاصين بجسده في خلال الأجيال المتتالية، فإن أرجلها كانت تستخدم أكثر، وأجنحتها بشكل أقل، إلى أن أصبحت غير قادرة على الطيران. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 233)

قال هذا حين كان يحتاج إلى دليل على أن عدم الاستخدام يُضعف أعضاء في جسم الكائن الحي، تماما كما كان قد حصل مع البط الداجن مقابل البط الوحشي (راجع: ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 67).

دعنا ننظر في معالجة داروين لاعتراض خطير آخر على نظريته. يقول:
وأخيرا فإن أكثر من كاتب قد تساءل، لماذا حدث ارتقاء في القدرات العقلية لبعض الحيوانات أكثر مما حدث لغيرها، حيث إن مثل هذا التقدم كان من شأنه أن يكون ميزة كبيرة للجميع؟ ولماذا لم تمتلك القرود القدرات العقلية التي يتمتع بها الإنسان؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 358)

يقول داروين:
وللرد على هذه التساؤلات فإن أسبابا مختلفة من الممكن أن تقدم، ولكن بما أنها أسباب افتراضية، وبما أنه لا يمكن وزن احتمالاتها النسبية، فإنه لا توجد فائدة ترجى من تقديمها. ووجود رد قاطع للسؤال الأخير يجب ألا يتوقعه أحد، بعد رؤية أنه لا يوجد من يستطيع أن يتوصل إلى حل لمشكلة أبسط، ألا وهي، لماذا ارتفع عرق واحد من عرقين همجيين في ميزان الحضارة، أكثر من الجنس الآخر، وهذا الارتقاء الحضاري ينطوي بداهة على زيادة في القدرة العقلية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 358)

إذن، داروين الذي وضع نظرية في التطور تقوم حتى الآن على تفسير الأشياء، بالتخمين، والافتراض، والاحتمال، عاجز هنا، مرة أخرى، عن تقديم حتى أسباب افتراضية لحدوث ارتقاء في القدرات العقلية لبعض الحيوانات أكثر من غيرها. وتبريره لذلك هو أن هذه الأسباب الافتراضية التي لا يقدمها، أصلا، ليس لها وزن نسبي، فلا فائدة من تقديمها.

ولكنْ هل هناك أرضية علمية لمقارنة التفاوت في القدرات العقلية بين الحيوانات بالتفاوت في ارتفاع عرقين من البشر في ميزان الحضارة؟ هذا ناهيك عن الخلط بين مفهومي “عرق” و”جنس”، هذا الخلط الذي سيؤدي لاحقا إلى اعتبارا البشر أنفسهم أنواعا، وليس أعراقا مختلفة.

يقول داروين فجأة، وكأنه انتهى من الرد على اعتراضات ميفارت:
وسوف نعود إلى الاعتراضات الأخرى المقدمة من السيد “ميفارت …”. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 358)،

هذا يوحي بأنه يتوقف الآن عن التعليق على اعتراضات السيد ميفارت، وسيعود إليها لاحقا، خاصة أنه يقفز مباشرة إلى موضوع آخر تماما يتعلق بقدرة الحشرات على التمويه لحماية نفسها أو لمهاجمة فرائسها. لكننا نجد بعد قليل أنه في الحقيقة يواصل الرد على السيد ميفارت – شرد ذهنه مرة أخرى، يقول:
… فإن الحشرات كثيرا ما تتشابه – من أجل حماية أنفسها – مع أشياء مختلفة في محيطها، مثل الأوراق الخضراء أو البالية، والغصينات الميتة، وقطع من الأشنة، والزهور، والأشواك، وبراز الطيور، والحشرات الحية، وأنا سأعود لهذه النقطة الأخيرة فيما بعد. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 358)

وواضح أن السيد ميفارت لم يقتنع بأن الانتقاء الطبيعي هو المسؤول عن هذه القدرة لدى الحشرات، على أساس أنه يحافظ على التمايزات المفيدة للكائن الحي – كما يدعي داروين، فهذه القدرة تفترض وجود وعي عند الكائن الحي نفسه بمنفعة شيء له، ووعي ببيئته التي يموه نفسه فيها. يقول داروين:
وهناك قوة فعلية في الاعتراض المقدم من السيد ميفارت، إذا كنا سوف نحاول أن نفسر التماثلات السابق ذكرها، بدون وضع الانتقاء الطبيعي في الاعتبار، وذلك من خلال وجود قابلية متقلبة للتمايز، ولكن بناء على ما نراه فلا يوجد أي شيء من هذا القبيل. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 359)

إن هذا الكلام يحتاج إلى تفكيك وتركيب حتى يفهمه القارئ، ففي الاعتراض قوة فعلية إذا كان سيحاول تفسير التماثلات السابق ذكرها، بدون وضع الانتقاء الطبيعي في الاعتبار، أي من خلال وجود قابلية متقلبة للتمايز، يرى داروين أنها غير موجودة. ما معنى “قابلية متقلبة للتمايز”؟

فكوك الحيتان ومنقار البط
أما في الحديث عن الحيتان فيظهر أن السيد ميفارت كان له اعتراض أيضا بخصوص فك الحوت، فقد علق على كلام لداروين أنه:
إذا كان الفك “قد وصل إلى هذا الحجم والتكوين لكي يصبح مفيدا على الإطلاق، فإن الاحتفاظ به وزيادته في الحدود المفيدة قد يتحقق عن طريق الانتقاء الطبيعي وحده. ولكن كيف لنا أن نحصل على البداية لمثل هذا التطور المفيد؟” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 361)

(واضح هنا أن نهاية إشارة الاقتباس يجب أن توضع بعد عبارة “وحده”، حيث ينتهي الكلام المقتبس من داروين، ويبدأ سؤال ميفارت).

بماذا يجيب داروين عن سؤال ميفارت؟ بالكلام التالي:
لإجابة هذا السؤال، فإنه يجب علينا أن نتساءل: لماذا لا تكون الأسلاف الممعنة في القدم للحيتان التي تحوز بالين، قد كان لديها فم مصمم على شكل المنقار ذي الصفائح الخاص بالبط؟ – فالبط مثل الحيتان يقتات بواسطة نخل الطين والماء، الفصيلة قد أطلق عليها في بعض الأحيان اسم الفوارز أو النواخل. وأنا أرجو ألا يساء فهمي ويؤول إلى أني أقول إن أسلاف الحيتان كانت تمتلك فعلا أفواها بها صفائح مثل المنقار الخاص بالبط. ولكني أود فقط أن أبين أن هذا ليس شيئا غير معقول، وأن الصفائح الخاصة بعظام فك الحوت الجرينلاندي، من المحتمل أن تكون قد تشكلت من مثل هذه الصفائح، عن طريق خطوات متدرجة بدقة، كل منها ليستعمل في خدمة الحائز عليها. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 361)

ليس مهما ما يخلطه داروين من حديث حول فكوك الحيتان ومنقار البط. ما يهمنا هو سؤاله: لماذا لا تكون الأسلاف الممعنة في القدم للحيتان التي تحوز بالين، قد كان لديها فم مصمم على شكل المنقار ذي الصفائح الخاص بالبط؟ إنه يسأل: لماذا لا تكون؟ بل السؤال هو، لماذا تكون؟ ما دليله على أنها كانت؟ دليله هو أن البط مثل الحيتان يقتات بواسطة نخل الطين والماء! غريبة حقا مثل هذه الاستنتاجات. ونتذكر أن داروين رأى في وقت سابق أن الحيتان أصلها دب أسود لأن كليهما يفتحان فمهما لصيد الحشرات.

هل يجوز للإنسان أن ينظر بجدية إلى مثل هذا المهازل التي يسطرها داروين؟ ألا يخجل العلم من إطلاق اسمه على هذه الهلوسات؟

وفي موضوع الحيتان نفسه نجد أن داروين يصف لنا جمال منقار البط المجرفي، وعدد الصفائح فيه، وغير ذلك، ويعقد مقارنة بين المنقار والبالين في فم الحوت. ويفصل في هذا الوصف الذي يشمل تدريجيا الإوزة المصرية، ثم يعود إلى الحيتان، وينقلب إلى الأسماك ذات الجنبيات، أو السمك المفلطح، فيعطي أيضا وصفا مسهبا للزعانف، والجانب الأيمن، والجانب الأيسر منه حتى يصل إلى النقطة التالية:
ولكن العيون هي التي تقدم أكبر ميزة جديرة بالملاحظة، ألا وهي أن كلتيهما موجودة على السطح الأعلى للرأس، مع أنهما تقعان كل واحدة مقابل الأخرى على كلا الجانبين، في مرحلة النمو المبكرة، والتي عندها يكون كل من جانبي الجسم متماثلين وكلاهما ملون بدرجة متساوية. وسريعا ما تبدأ العين الحقيقية للجانب السفلي في الانزلاق ببطء حول الرأس إلى الجانب الأعلى، ولكنها لا تمر من خلال الجمجمة مباشرة، كما كان يظن في الماضي أن هذا هو ما يحدث. ومن الواضح أنه لو لم تقم هذه العين بهذه الرحلة حول الرأس، فإنها لم يكن سيتم استخدامها بواسطة السمكة في أثناء رقادها في وضعها المعتاد على جنب واحد. (365/366)

ونفهم أن السيد ميفارت لديه اعتراض مهم على الكلام أعلاه، يعرضه داروين كما يلي:
وقد أخذ السيد ميفارت هذه القضية وعلق عليها بأن حدوث تحويل تلقائي مفاجئ في موضع العيون شيء صعب التصديق، وفي هذا أنا أوافقه تماما. وعندئذ يضيف “لو أن الانتقال كان تدريجيا، فكيف يتأتى إذن لمثل هذا الانتقال لعين واحدة، لجزء بسيط من الرحلة في اتجاه الجانب الآخر من الرأس، أن يكون ذا نفع، فإن هذا حقا لهو شيء بعيد عن الوضوح. وحتى إنه يبدو أن حدوث مثل هذا التحويل البدائي قد كان في الواقع شيئا ضارا. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 366)

المنطق في اعتراض ميفارت هو أن موقع عيني السمكة أو الحوت على جانبي رأسه كان مستقرا ونافعا، ثم حدث، كما يدعي داروين، تحول فجائي في موضع إحدى العينين. في هذه الحالة يختل التوازن ويصبح الانتقال ضارا للكائن الحي في الفترة الانتقالية، أي قبل أن تستقر العينان على حال أخرى. إن حصول التمايز في انتقال عين واحدة تمايز مضر يتناقض مع قول داروين بأن الانتقاء الطبيعي يحافظ فقط على التمايزات المفيدة.

داروين يدخل في سجال طويل مع ميفارت حول هذا الاعتراض وحول اعتراضات مماثلة، ويضرب أمثلة عديدة من أبحاث علماء عديدين في مجالات شتى، ثم يصل إلى النتيجة المذهلة التالية:
كما أن جميع التمايزات العفوائية، ما دامت في الاتجاه الصحيح، فإنها سوف تصبح بالتالي محفوظة، وذلك ما سوف يحدث مع الأفراد، التي سوف ترث بالدرجة الأولى، نتائج الزيادة والاستفادة من استخدام أي جزء. أما مقدار ما يمكن أن نعزوه – في كل حالة معينة – إلى تأثيرات الاستخدام، ومقدار ما يمكن أن نعزوه إلى الانتقاء الطبيعي، فهذا أمر يبدو أنه من المستحيل أن نقرره. (ص 369)

إذن، الاستخدام أو عدم الاستخدام أصبح شريكا للانتقاء الطبيعي في تطوير الكائنات الحية بالحفاظ على تمايزاتها المفيدة. المشكلة هي أن داروين ليس قادرا على توزيع هذا التأثير بينهما بشكل عادل، إذ يستحيل التفريق بين دوريهما. لكنْ طالما تقدير تأثيرهما غير ممكن، فهناك ثلاثة احتمالات: أن يكون التأثير متساويا، أو أن يكون تأثير أحدهما أكبر من تأثير الآخر. هناك، إذن،احتمال قدره 33.33 بالمئة ليكون تأثير الاستخدام أكبر من تأثير الانتقاء الطبيعي، وهو مساو لنسبة الاحتمال لصالح الانتقاء الطبيعي! تُرى لماذا صار عنوان النظرية “أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي” وليس عن طريق الاستخدام أو عدم الاستخدام؟

الحيرة في أصل الثدييات
ولعل أوضح عرض يقوم به داروين لاعتراضات السيد ميفارت يتعلق بحالة الثدييات، حيث يدعي داروين أن الحيوانات الثديية لم تكن في الأصل لها أثداء، بل حليمات منتشرة على مساحة واسعة من كيس جرابي، وأن الثدي ظهر لاحقا. يقول داروين:
الغدد الثديية شائعة في جميع طائفة الثدييات، وهي ضرورية لتواجدها، ولهذا فلا بد أن تكون قد تكونت عند عهد بعيد جدا، ونحن لا نستطيع أن نعرف شيئا إيجابيا حول طريق تكوينها. وقد تساءل السيد ميفارت “هل من المعقول أن الصغير لأي حيوان قد حدث أنه نجا من الهلاك عن طريق امتصاصه مصادفة لنقطة من سائل قليل القيمة الغذائية، من غدة جلدية تابعة للأم، تضخمت عن طريق المصادفة؟ – وحتى إذا كان الأمر كذلك، فما هي الفرصة التي قد كانت موجودة لاستمرار وتثبيت هذا التمايز؟” (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 370/371)

سأل السيد ميفارت، وجاء رد داروين:
ولكن القضية لم توضع هنا بشكل عادل. فإنه من المعترف به بين معظم المؤمنين بمذهب النشوء أن الثدييات قد انحدرت من شكل حي جرابي، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الغدد الثديية قد تم تكوينها في البداية في داخل الكيس الجرابي. فإنه في حالة سمكة البحر فبعد أن يفقس البيض، يتم احتضان الصغار لبعض الوقت بداخل كيس من هذا النوع. ويؤمن عالم أمريكي في التاريخ الطبيعي، هو السيد لوكود Mr. Lockwood، مما شاهده من التكوين للصغار، أنها تتغذى على إفراز ناتج من الغدد الجلدية الموجودة في الكيس. وهكذا فإن مع الأسلاف الأوائل للثدييات، وقبل أن تستحق أن تلقب بهذا التوصيف تقريبا، أفليس من المحتمل على الأقل أن تكون الصغار قد تمت تغذيتها بطريقة مماثلة؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 371)

دعنا نحلل هذا الاقتباس. داروين يرى أن السيد ميفارت لا يعرض القضية بشكل عادل، لأنه أولا:
من المعترف به بين معظم المؤمنين بمذهب النشوء أن الثدييات قد انحدرت من شكل حي جرابي ..

لم يذكر داروين ولا واحدا من هؤلاء المؤمنين بهذا المذهب الذين يعترفون بأن الثدييات انحدرت من شكل حي جرابي. إن الموضوع لا يتعلق بالقيمة العلمية لهذه المعلومة، بل بتوثيقها، وأيضا بالتوفيق بين هذا الكلام وبين قول داروين سابقا:
ولكننا من الممكن أيضا أن نجازف بالاعتقاد في أن العظام الكثيرة المختلفة الموجودة في الأطراف الخاصة بالقرد، والحصان، والخفاش، قد تكونت في الأصل، اتباعا لمبدأ المنفعة، غالبا من خلال الإقلال من عظام أكثر في العدد كانت موجودة في الزعنفة الخاصة بالأصل الأبوي القديم المشابه للسمك الخاص بكل طائفة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 322)

هل انحدرت هذه الحيوانات، وهي جميعا من الثدييات، من أصل أبوي قديم مشابه للسمك؟ أم من شكل حي جرابي؟

وثانيا، وبناء على اعتراف معظم المؤمنين يرى داروين:
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الغدد الثديية قد تم تكوينها في البداية في داخل الكيس الجرابي ..

هل هناك دليل علمي على هذا المستوى من الضحالة؟ هذه فلسفة، لا علاقة لها بمنهج البحث العلمي. داروين يقوم هنا ليس بدور الباحث، بل بدور الفيلسوف الذي يبني آراءه على نتائج أبحاث الآخرين الذين يسميهم “المؤمنين بمذهب النشوء”. وهنا لا ندري أصلا على أية أسس علمية أو بحثية يقيم معظم المؤمنين بمذهب النشوء اعترافهم بأن الثدييات قد انحدرت من شكل حي جرابي! ثم من هم هؤلاء المؤمنون؟ هل هم علماء طبيعيون؟ في أية أبحاث أو مصادر نجد أسس إيمانهم؟

وثالثا، انظر كيف يعزز داروين دليله الضحل، فيقول:
فإنه في حالة سمكة البحر فبعد أن يفقس البيض، يتم احتضان الصغار لبعض الوقت بداخل كيس من هذا النوع.

ما علاقة الثدييات، وهي حيوانات تلد وترضع صغارها بأثدائها، بسمكة البحر التي تضع البيوض؟ هناك في البحث العلمي طريقتان للتعامل مع البيانات: الاستقراء، أي الوصول من الخاص إلى العام (inductive)، أو الاستنتاج، أي استنباط الخاص من العام (deductive)، لكن بشرط توفر نفس الظروف والمجال. فهل (سمكة البحر التي، بعد أن يفقس بيضها، تحتضن صغارها لبعض الوقت بداخل كيس من هذا النوع) حالة خاصة يستخدمها داروين للوصول إلى تعميم يشمل حالة الثدييات أيضا؟ أم أن سمكة البحر (؟) هي الحالة العامة فيستنبط داروين منها الحالة الخاصة بالحيوانات الثديية بأنها انحدرت من نوع جرابي؟

ورابعا يقول داروين:
ويؤمن عالم أمريكي في التاريخ الطبيعي، هو السيد لوكود Mr. Lockwood، مما شاهده من التكوين للصغار، أنها تتغذى على إفراز ناتج من الغدد الجلدية الموجودة في الكيس.

صغار أية حيوانات شاهدها السيد لوكوود فآمن أنها تتغذى على إفراز ناتج من الغدد الجلدية الموجودة في الكيس؟

وخامسا يأتي الاستنتاج الفلسفي الكبير:
وهكذا فإن مع الأسلاف الأوائل للثدييات، وقبل أن تستحق أن تلقب بهذا التوصيف تقريبا، أفليس من المحتمل على الأقل أن تكون الصغار قد تمت تغذيتها بطريقة مماثلة؟

يسألنا داروين: أليس ذلك محتملا؟ وجوابنا: ما أدرانا أيها العالم الجليل؟ نحن ننتظر منك أنت أن تخبرنا بالدليل العلمي القاطع أن ما تقوله صحيح، وليس محتملا فقط.

هذا مثال نموذجي على عرض داروين للمعلومات من أبحاث الآخرين، واستنتاج عناصر نظريته هو.

وداروين يثير مسألة مهمة عندما يقول:
يعترف جميع علماء التاريخ الطبيعي في الوقت الحالي بالتطور بأي صورة من الصور. فالسيد ميفارت يؤمن بأن الأنواع الحية تتغير من خلال “قوة أو قابلية داخلية”، والتي لا يدعي أحد أن هناك شيء معروف عنها. وكون أن الأنواع لديها القدرة على التغيير، فإن هذا شيء سوف يعترف به جميع المؤمنين بالتطور، ولكن لا يبدو لي أن هناك ضرورة لتوريط أي قوة داخلية في هذه العملية أكثر من القابلية العادية للتمايز، والتي من خلال مساعدة الانتقاء عن طريق الإنسان قد أدت إلى إنتاج الكثير من الأعراق المدجنة الحسنة التكيف، والتي قد كانت من خلال الانتقاء الطبيعي سوف تؤدى بنفس الجودة، عن طريق خطوات متدرجة إلى أنواع أو أعراق طبيعية. وعلى العموم فإن النتيجة النهائية سوف تكون كما تم توضيحه بالفعل، هي تقدم – ولكن في بعض الحالات القليلة – انحطاط في التعضية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 387)

ملخص هذا الاقتباس الطويل هو أن ميفارت يؤمن بأن الأنواع الحية تتغير من خلال “قوة أو قابلية داخلية”، وليس عن طريق الانتقاء الطبيعي، وداروين يؤمن بأن التمايز قابلية عادية، وهو يؤدي في الطبيعة، بفضل الانتقاء الطبيعي، إلى نفس ما يؤدي إليه انتقاء الإنسان في التدجين إلى إنتاج الكثير من الأعراق المدجنة الحسنة التكيف. ثم إن التمايز يؤدي إلى تقدم التعضية (أي التكوين العضوي للكائنات الحية)، ولكن أحيانا إلى انحطاط التعضية. ونحن سنتناول موضوع انحطاط التعضية في مقالة منفصلة عن تعريف داروين للانتقاء الطبيعي وقدراته الخارقة. وكذلك نتناول في مقالة منفصلة أخرى موضوع التماثل بين عمل الإنسان في التدجين وعمل الانتقاء الطبيعي في الطبيعة، ذلك لأن ادعاء وجود هكذا تماثل يعتبر من أحجار الزاوية في ما تسمى ” نظرية داروين”.

العصر الكمبري
ونقطة اختلاف أخرى، وليس أخيرة، بين الرجلين، كما يعرضها داروين، هي:
ويميل السيد ميفارت أكثر من هذا إلى الاعتقاد – ويوافقه في ذلك بعض علماء التاريخ الطبيعي – في أن الأنواع الجديدة تظهر أنفسها “بطريقة مفاجئة وعن طريق تحورات تظهر على الفور”. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 388)

ونقطة الاختلاف هذه تتعلق بمسألة العصر الكمبري، أو عصر انفجار الحياة، حيث تم بشكل لا يقبل الشك اكتشاف ظهور مفاجي لأنواع حية لا حصر لها قبل حوالي ستمئة مليون سنة. انظر في:
https://ibelieveinsci.com/?p=16627

وهذا يناقض، طبعا، مبدأ ظهور التمايزات نتيجة الصراع على الغذاء الذي حاول داروين إثباته، ولم يفلح في ذلك حتى الآن.

يتبع ..
‎2021-‎01-‎112