-المادة العقلية-و-العقل- وحاملهما؟

عبدالامير الركابي.
“المادة العقلية”و”العقل”وحاملهما؟(2/2)
هل ثمة نقطة تحول يمكن ان تطرا على مسار الصيرورة العقلية وتاريخها، او سرديتها،قبل الوصول الى الطور الانتقالي مابعد العضوي، فيتغير حضور وفعاليّة”المادة العقلية”، بحيث تتراجع عن كونها ماهي عليه الان، لصالح بداية جديده/ يأخذ معها وعندها ملمج، او بداية الحضور العقلي، بالغلبه، بحيث تشرع المقاييس بالتبدل، وزاوية النطر للضرورات والاولويات التي يتعامل معها وبها الكائن البشري، مع انتظام هذه داخل هيكلية تصورية مختلفة، مركزها وهدفها المحوري المحرك، “العقل”، لا الجسدية والارضوية المجتمعية، كما ظلت، وكما هي عليه الان؟
احتمال كهذا لن يكون اقل من انقلاب غير عادي، يؤشر لبداية تراجع الهيمنه الجسديه، ووطاة حضورها على “العقل”،كما على البنية الحياتيه المجتمعية، ومن بين ماقد تعود الكائن البشري “الانسايوان” على تسميته بالخطوات التقدميه ضمن المسار المعدود تاريخيا، يحتل مثل هذا المتغير اذا حدث بالفعل، مكانة استثنائية، من نمط وصنف مختلف كليا عن غيره من المعروف بمراحل التاريخ، ومايسمى “الحضارة”، هذا بالاخض اذا امكن والحالة هذه، ان تتوفر الأسباب الضرورية اللازمة لقلب الأولويات الحياتيه على مستوى المحور الناظم لانشغالات الكائن البشري، مع مايترتب على ذلك من انقلاب في التقييم المعتمد عند النظر لمختلف الشؤون المعاشة، واولها جعل “العقل” وتشكله المستمر، مقياسا محوريا لخطوات البشر، وقراراتهم المستقبلية المتعلقة بحياتهم ومختلف شؤونهم.
كمثال وكموضوع رئيسي، يفترض ان تتراجع مكانة مفهوم السعادة الارضوية الجسدية، وطلبها كمطمح، بما هي في الجوهر إرضاء للحاجات العضوية، ومايتبعها من اشكال التنظيم الحياتي الموافق لدفع الحاجات البشرية الحياتيه، فضلا عن ان تظل محورا أساسيا، بضوئة يتقرر الفعل الاسلم والأفضل قاسا على المتاح من مخارج، بغض النظر عن اية احتسابات اخرى، كمثال اعتبار العدالة المطلقة والمساواة بين البشر، قضية أساس غير خاضعه للنقاش مبدئيا،ما يستوجب صياغة اليوتوبيات المختلفة، والجمهوريات الافلاطونية، وصولا للاشتراكية، والشيوعية على سبيل المثال، ولا يدخل هنا، وفي مثل هذه الحالة، عامل الرغبة او الميول الخاصة لوحدها ضمن الاعتبار، بقدر ماتكون المراجعه، وإعادة القراءة والتحليل، متصلة بانفتاح باب البديل، المتعدي للوضع الموعى اليوم، قصوريا عقلا. ومايتيحه من إعادة نظر في المعطيات القابله للدخول في باب الممكن والواقعي، المتلائم مع خاصيات الحياة والمجتمعية العقلية، وحقيقة كينونتها وبنيتها، بماهي كاداة بخدمة غرض آخر ابعد، هو الاسمى، وهو الجدير باخضاع المقتضيات الحياتيه الجسدية المجتمعية لاشتراطاته، ولما يتلائم مع، ويسهل الاقتراب منه، والوصول اليه، مع احتساب ماينطوي عليه من استحالات، هي من ضمن تامين فعل محركاته، مثل القصور العقلي المؤقت، واستحالة العدالة.
مستجد كهذا يفترض ان يترافق مع انقلاب في الرؤية المجتمعية، تكون مساعدة على اكتشاف آلياتها، ومنطوياتها الفعلية، ماوراء الارضوية الجسدية، وهو انقلاب ينتمي الى طور الاقتراب من العقل، مع بدء تراجع وقرب انتهاء زمن “المادة العقلية” المسماة “عقلا” اعتباطا، مثلما هي الحال بالنسبة ل “الانسايوان”، المعتبر هو الآخر”انسانا” قبل الأوان، ومن دون وجه حق، الا بحكم قوة المصادرة الجسدية وغلبتها.
فاذا تم اكتشاف الخاصية “التحوليّة” التشكلية المميزه للعملية المجتمعية، واميط اللثام عما هو خاف ودال على قصور المقاربة العقلية، وتدني مستوى ودرجة احاطتها، بحكم كونها حالة تصيّر داخل المجتمعية، فان مجمل المفاهيم المعتمدة حتى حينه، تكون قد أصبحت عرضة للتبديل والتغيير، بينما نصير امام لحظة ينجلي عندها اهم ماكان يعيق العقل وهو في حال التشكل، عن ادراك المضمر والهدف المجتمعي، فالمجتمعية غير المماط عن منطواها اللثام، وغرضها، هي مجتمعية العقل التشكلي كمادة لم تتحول بعد الى “عقل”، وهي في الوقت نفسه، ضرورة تشكلية عقلية تصيرية الزاميه، مفروضة على المادة العقلية، وواجبة لزوما قبل، ولاجل ان ترتقي لمستوى يقربها من الاكتمال العقلي، الذي هو غرض الظاهرة المجتمعية، وسبب وجودها.
ليست الظاهرة المجتمعية اذن غاية بذاتها، لاهي ولا مادتها الأساسية، وخليتها الحية ” الانسايوان”، الا ان المجتمعية والكائن الحي معا، ينطويان في الوقت ذاته، على غاية ابعد منهما، لاتتحقق الا بالمرور بهما، ومن خلالهما، وهما والحالة هذه، ظاهرة ابتداء، وكيانيه قصورية منطوية على تناقضات، وأسباب عدم كمال بنيوية، من المستحيل التفكير بازالتها، او الانتهاء منها، لضرورتها التفاعليه، ولزومها في تامين أسباب الحركة الداخلية، والاليه الضمنية الموصولة أخيرا بالزوال والاختفاء، بعد أداء المهمه والدور الضروري.
المجتمعات والظاهرة المجتمعية “تحولية” أصلا وابتداء ومضمرا، مقرر لها ان تمر بطورين الأول ارضوي، يكون المتوفر من مادة عقلية متصيرة اثناءها، قاصر وعاجز عن وعي خاصيات ومضمرات الظاهرة المجتمعية، يعقبها طور عقلي، يصير عندها العقل هو الراجح المتحرر من وطاة الجسدية، حيث تنقلب كليا، المفاهيم والمنظور، واشكال الفعل والتفاعلية داخل الظاهرة المجتمعية، مع غلبة الميل الفاعل الى تحرير العقل والجسد، ابتداء من وطاة وثقل ” الحاجة” الجسدية المعتبرة محورا لتشكيل الدوافع، ويحضر هذا الاستراتيج المجتمعي ويصير محوريا، مع توفر الوسائل والأسباب التي تتيح تحققه ماديا، بعد ان ظل محصورا ضمن البنيوية التحولية غير المهيأة للتحول، الامر الذي كان قد تطلب زمنا يمتد لالاف السنين من التفاعليه المجتمعية الارضوية الأحادية، قبل انبثاقه ابتداء من الانتقال الى الإنتاج “الالي”، ومن ثم ” التكنولوجي”.
اين يقف ياترى المسار الارضوي الجسدي من “تاريخ” الظاهرة المجتمعية، وماالمؤشرات التي تدلنا عليه؟ في التعبيرات الكبرى واللحظات المميزة الفاصلة، لاينبغي ان نهمل التعبيرية البنيوية غير القابلة للتحقق، الابراهيميه النبوية ابتداء، قبل الاوربية الحديثة الاليه الراهنه، وما تحقق معها وعندها من انتقال ضروري الى “الالة” و”التكنولوجيا”، والى الاستكماليه التعبيرية الأحادية الارضوية باعلى، وغاية وقمة اشكالها، ومايتصل بها مما يعتبر “علما”، لابل منتهى واخر غايات العلم الارضوي الأحادي، وقد تجلى على مستوى مايوفر كل ماهو ضروري من الأسباب اللازمة للاحاطة بالخاصية التحوليّة المجتمعية.
انتهى الزمن الارضوي الجسدي من تاريخ المجتمعات، في الوقت الذي انغلقت فيه أسباب وممكنات انطواء الغرب الأحادي على أي افاق تتعداه، في الوقت الذي صارت المجتمعية المفقسة خارج رحم التاريخ/ الولايات المتحدة الامريكيه/، هي المحورية غير الناطقة، وغير القادرة على التعبير عن ذاتها، ماقد كتب عليها منذ ان صارت “كيانيه مزدوجة” ابراهيمية/ راسمالية، بانتظار كلمة “التاريخ” الفاصلة التحققية، مابعد النبوية، بطبعتها “العليّة” الرافدينيه، تاتي من الموضع الأكثر آهلية بنيوية وتاريخيه مراحلية للتعبير الثاني/ المكمل للأول النبوي، عن الذات والعالم، عند لحظة، ومع توفر أسباب الانتقالية التحولية العقلية التي كانت غير ممكنه، واضطر الكائن البشري لان يخوض غمار التفاعليه القرنية، مرتقيا باتجاهها، وعلى امل بلوغها والوصول لعتبتها المضمرة المؤجلة.
ليس الغرب الحديث، الا الحلقة الأخيرة من حلقات المجتمعية الأحادية الارضوية باعلى ممكناتها وصيغها، قبل العقلية، أي انها ليست قمة “الحضارة”،ولا المجتمعات، الا بالمقياس الأرضوي، وليس العقلي التحولي، معها تدخل البشرية بطورها الأحادي الارضوي، انسداد صنفها، لينفتح الباب امام تاريخ العقل.
وهنا عند هذه اللحظة، يحين الأوان، ويدق الناقوس الاكبر، فيصير “قران العراق” المؤجل على امتداد ثلاث دورات تاريخيه، وانقطاعين، لزوما، لااستمرار للوجود الحياتي، وللجنس البشري، من دونه!!!!!!

لقراءة الجزء الاول

http://www.sahat-altahreer.com/?p=72889
‎2020-‎12-‎30