عرض اغتيال نصرالله: كيف ردّ الاسرائيليون؟ 

د. ليلى نقولا.
كان حديث السيد حسن نصرالله على قناة الميادين في “حوار العام” شاملاً صريحاً، فيه من الاستراتيجيا والمعلومات واستشراف المستقبل. ولعل اللافت ما كشفه الأمين العام لحزب الله حول أن السعودية حرّضت على اغتياله منذ وقت طويل خاصة بعد حرب اليمن. وبحسب قوله فإن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طرح مسألة اغتياله – خلال زيارته لواشنطن – بعد انتخاب دونالد ترامب، وأن ترامب وافق على الأمر، واعدًا بأن يعهد الى الاسرائيليين تنفيذ هذا الطلب، بينما أكد السعوديون أنهم “حاضرون لدفع كامل تكلفة الحرب” التي سيسببها الاغتيال.
وهنا، يطرح موضوع الطلب السعودي وعرض البدل المادي على “اسرائيل” لتنفيذ المهمة على بساط البحث، فكرة وجود “اسرائيل ككل”، فهل هي مجرد منفذ اغتيالات مقابل بدل مادي، أم أن مصالحها الاستراتيجية والقومية ومصالح شعبها هي الأهم في خياراتها ومدى رغبتها في الذهاب الى حرب خارجية؟.
كما يظهر أن ولي العهد السعودي ومثله ترامب يقيسان جميع الأمور بتكلفتها المادية، من دون احتساب الأكلاف البشرية وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ككل، علماً ان السيد نصرالله لم يفصح عن ماهية الردّ الاسرائيلي على هذا العرض!.
تشير المقاربة العقلانية في العلاقات الدولية، أن صاحب القرار العقلاني قادر على اتخاذ القرار اذا واجه مجموعة من الخيارات؛ وهو يعمد الى تصنيف الخيارات المتوفرة بشكل تسلسلي، من الافضل الى الاسوأ؛ ثم يعمد الى اختيار الخيار الافضل استنادًا الى منطق “الربح المتوقع” أي أن جميع الخيارات والقرارات تبنى على أساس ان هناك ربح ما، يتوقع تحقيقه مقابل خسائر يمكن تحملها. علماً أن مصلحة الدولة سواء الاقتصادية أو الأمنية أو الاستراتيجية هي ما يقيسه أصحاب القرار عندما يتخذونه بناء على تحليل يعتمد عملية تحليل “الربح – الخسائر” Cost – Profit analysis.
وانطلاقاً من تلك المقاربة، نفهم أن صانع القرار “الاسرائيلي” – في معرض ردّه على عرض ولي العهد السعودي- سيأخذ بعين الاعتبار الارباح التي سيجنيها “الاسرائيليون” من اغتيال نصرالله، لكن من دون أن يغفل ما يلي:
1- لقد أثبتت الشواهد التاريخية أن اغتيال قائد حزب الله السابق السيد عباس الموسوي قد أثّر بصورة عكسية عما كان يريده الاسرائيليون من ذلك الاغتيال، إذ ازداد حزب الله قوة وأتت شخصية السيد نصرالله القوية والانفتاحية والعقلانية الهادئة، لتوسع آفاق انفتاح بيئة حزب الله على المكونات اللبنانية الأخرى، وبات الحزب أكثر قوة على عهد نصرالله مما كان عليه خلال قيادة الموسوي.
2- إن تجربة حرب تموز وما تلاها، ثم انخراط حزب الله في الصراع الدائر في سورية، قد أكسبه خبرة قتالية هائلة أضافت الى قوة الردع التي يملكها الحزب مقابل “اسرائيل” ، وبالتالي بات “الاسرائيليون” يتحسبون لرد الفعل كلما تسببوا بمقتل أحد أفراد حزب الله في سورية، فكيف سيكون الأمر في حال قيام “اسرائيل” باغتيال نصرالله شخصياً؟ على الأرجح أن ضبط النفس والرد في المكان والوقت المناسب لن يكون خياراً متاحاً أمام الحزب، وأن الحرب ستقع لا محالة، ولكن من الصعب التنبؤ بتطورها ونتائجها.
3- إن الاستناد الى التقارير الاعلامية التي تشير الى ضعف حزب الله نتيجة الضغوط القصوى الأميركية على لبنان ككل، وإن انهيار القطاع المصرفي وانهيار سعر صرف الليرة أثرا سلباً على قدرة حزب الله المالية، قد أثبتت زيفها.
بات معروفاً أن الرواتب والأجور والمصاريف التشغيلية للحزب تدفع بالدولار الأميركي وأن الحزب لا يستخدم القطاع المصرفي اللبناني في تحويلاته ومعاملاته المالية، وبالتالي أن ارتفاع قيمة الدولار وانهيار سعر الليرة سيؤثر بشكل عكسي، علماً أن الحزب حوّل التهديد الى فرصة، إذ أن انهيار القطاع المصرفي اللبناني دفع مؤسسات القرض الحسن الى افتتاح ماكينات صراف آلي خاصة تدفع بالدولار الأميركي.
وهكذا، لا يبدو أن حسابات نتائج اغتيال نصرالله ستكون تماماً كما يريدها ترامب وولي العهد السعودي، كما أن ظروف اغتيال سليماني والمهندس وضبط النفس الذي مارسته طهران مع الولايات المتحدة الأميركية، لن يكون متوافراً في الحالة اللبنانية، فأي عقلانية في دفع المنطقة الى حرب قد تتدحرج لتصبح حرباً شاملة يُعرف كيف تبدأ ولا يُعرف كيف تنتهي؟ على الأرجح، أن الاسرائيلي بدا غير معني بالعرض السعودي لكلفته الكبرى غير المتناسبة مع المنفعة المحققة والبدل المادي المعروض.
‎2020-‎12-‎29