أوراق من سيرة والدتي….. 4!
مصير مدللة….

أبو علاء منصور.
تطلقت مدللة من ابن عمها محمد وتزوجت محمود سليم لتصبح والدتي. وفي حديث مقتضب عن ماضيها قالت لي: لا أحب الخوض في الماضي الأليم، الذاكرة الأليمة مقبرة صاحبها. العيش في الماضي يَحول دون الاستمتاع بالحاضر، وربما يحيل المظلوم إلى حاقد أو مجرم. لم يكن ميراثي عن والديّ الثمن الأغلى الذي دفعته في صفقة طلاقي، بل طفلتاي اللتان تركتهما وإحداهما رضيعة. لن تدرك ذلك يا ولدي حتى تصبح أباً، وفي هذا الموضوع الأم مختلفة. إياك أن تصبح أسيراً لماض أليم، هذا مرض ومرض الذاكرة أشد فتكاً من مرض الجسد. بعدما أصبح لي زوج وأولاد -أنتم- ، كان واجبي أن أبث فيكم السعادة، لا أن أحمّلكم وزر مأساة ماضيّ، لم يكن ذلك سهلاً فقد احتاج إلى صبر وقوة تحمُّل كبيرة.
من أين لوالدتي هذه الشخصية؟ كيف تطور وعيها على هذا النحو الرفيع رغم قساوة تجربتها وأنها أُمية؟ نعم تتشكل حياتنا من ردود أفعالنا! لكنها تختلف من شخص لآخر وفق عقليته وطريقة تعامله مع الواقع، فهناك من ينشأ في بيئة سعيدة ويضحي متشائماً، وآخر يولد في كنف أسرة أرستوقراطية ويميل لصالح المستضعفين! والبعض تُحوله قسوة الحياة إلى جلاّد وفاجر.
كان يحزنني وأنا أتطلع في عينيّ والدتي أن جزءاً من بؤبؤ إحداهما عليه رشقة بيضاء. قيل إن السبب قشة شعير -سفّيرة- دخلت عينها أيام الحصاد. كانت والدتي تتحدث عن الرشقة ببساطة وكأنها غير موجودة، لكني كنتُ أستشعر ألماً في داخلها. من هنا ربما أضحت حساسة تجاه الاهتمام بعيوننا. فقد قالت إن عيون شقيقتي حليمة كانت مخبصة بالقذى في صغرها، وأنها عجزت عن علاجها حتى قدم بدوي -بائع ملح- إلى القرية فشاهد عينيّ الطفلة ونصح الوالدة بأن تغمس قطعة قماش في رقبة جمله وتمسح عينيها بعرقه. فعلت ذلك وكانت النتيجة طيبة. وعندما انكسرت -شيشة اللامظة- بين يديّ وأنا أحاول تنظيفها من الشحار استعداداً للدراسة وأصابت شظاياها عينيّ، أسرعت بي الوالدة إلى مستشفى العيون في البقعة بالقدس، ولاحقاً اعتادت إعطائي حبوب زيت السمك.
مع تحيات أبو علاء منصور
29\11\2020