الورقة الحادية عشر في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. الجزء السابع!

بقلم أعلية العلاني*

 بعد أن تحدثنا عن التداعيات الأمنية لمبدأ الولاء والبراء ومفهوم التكفير نُقدّم في هذه الورقة الطرح البديل لهذا المفهوم، والمنهجية المُقترحة في تأهيل معتقلي التطرف العنيف حول هذه المسألة.

1) الخطاب البديل للولاء والبراء ولمبدأ التكفير

لم يعد الولاء والبراء، كما ظهر في قرون الإسلام الأولى، يحمل نفس المضامين اليوم. ففي بداية الدعوة الإسلامية في عهد الرسول كانت الحاجة مُلحّة لتكوين جماعة متماسكة من المؤمنين بالدعوة الجديدة والسّاعين لتكوين نواة دولة، فكانت مسألة الولاء والبراء مرتبطة بالصراعات التي كانت تخوضها الدولة في عهد الرسول – ص-  مع خصومها. ولما اشتد عود هذه الدولة وتمدد النفوذ الإسلامي إلى مساحات جديدة في العالم لم تَعُدْ هناك خشية من انقراض الدعوة الإسلامية، وتغيّرتْ حاجيات الدولة كثيرا منذ عهد عمر بن الخطاب الذي أنشأ الدواوين (بمثابة الوزارات)، وكذلك في العهد العباسي مع الخليفة المأمون الذي انتشرت في عهده حركة ترجمة العلوم والفلسفة من طرف مترجمين مسلمين وغير مسلمين وأصبح هناك مستشارون ووزراء في الدولة الإسلامية من أديان ومذاهب مختلفة، وولاؤُهم قائم لهذه الدولة، وبالتالي لم يعُدْ هناك ذلك الخوف من تَنَكُّر غير المسلمين للمسلمين. وفي العصر الحالي لم تَعُدْ هناك دولة إسلامية كبرى واحدة أو ما نُسميه “الدولة الأمة” كما كان الأمر في القديم بل أصبحت هناك عدة دول، وتحوّلت مسألة الولاء للمسلمين من الأمة الواسعة إلى الدولة القُطْرية. كما أن هذه الدول الحديثة قائمة على مبدأ المواطنة وليس على ثنائية مسلمين/ وكفار الذي تُروّج له التيارات الجهادية الراديكالية. وأصبح الولاء للوطن، ولنظام الحكم الذي يُطبّق الحَوْكَمة وينشر العدل ويُؤَمّن  الخدمات للناس، وهذا ما يُنادي به الإسلام والأديان الأخرى. ومثلما تَخلّى الفقهاء عن استمرار العمل بنظام العبودية لتطور الزمان والمكان، فإن تَخَلّيهم عن تطبيق مفهوم الولاء والبراء ممكن أيضا بعد تغيّر مفهوم الأمة وتشابك المصالح بين الدول، إسلامية كانت أو غير إسلامية. والمعلوم أنّ الاجتهاد الفقهي يتأثر بتغيّر المكان والزمان كما يقول مؤسس المذهب الحنفي الإمام أبو حنيفة النعمان (توفي في 767 ميلادي وهو من التابعين).

2) منهجية لجنة التأهيل في تناول مسألة الولاء والبراء مع المعتقلين الراديكاليين

يُستحسن أن تعمل لجنة تأهيل مُعتقلي التطرف العنيف في مراجعتها لهذه المبادئ على التركيز على أربعة أشياء:

– أولا: التأكيد على أنّ الولاء بالنسبة للمسلمين في العصر الحالي يجب أن يكون لمبادئ الحق والعدل  والتضامن الإنساني التي تمثل جوهر الدين.

– ثانيا: أنّ الولاء للوطن يُعَزّز الدين ويحفظ تماسك الشعب ويحمي حقوقه الأساسية ومنها حق ممارسة شعائره الدينية في كَنَف ما يُقرّه الدستور ومنظومة حقوق الإنسان الدولية، ويستوجب الولاء للوطن الدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي.

– ثالثا: أنّ البَراء من الكفار والمشركين لم يَعُد مطروحا لأن المجتمعات الإسلامية وخاصة في عصر العولمة لا تستطيع العيش إلا في ظل تعاون اقتصادي وأمني وثيق مع كل الدول.

– رابعا: يُستحسن عند التأهيل في هذه المسألة، تنظيمُ ورشات عمل (مثلا 3 ورشات) تضمّ كل واحدة منها بين 3 و5 أفراد، فتُركّز الورشة الأولى على مبرراتها في تَبَنّي عقيدة الولاء والبراء ومبدأ التكفير كما يراه الجهاديون. وتُركّز الورشة الثانية على تحفظاتها تُجاه هذه المبادئ، أما الورشة الثالثة فتسعى إلى صياغة فكرة تأليفية تجمع بين قراءة جديدة للشريعة وللقانون الوضعي في المبادئ المذكورة. وبهذا التمشي نكون قد قطعنا شوطا في خلخلة المُسَلّمات التي دخل بها معتقلو الإرهاب إلى السجن، وهي خلخلة تختلف من شخص إلى آخر، لكنها ستكون بالتأكيد مفيدة إذا أُضيف لها الإدماج الاجتماعي لهؤلاء المعتقلين بعد انقضاء عقوبتهم وهو ما ستكون له تداعيات إيجابية على المستوى الاقتصادي والأمني محليا وإقليميا ودوليا.

البطاقة القادمة: الورقة الثانية عشر في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. ج8

*أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة- تونس

2020-12-05