أوراق من سيرة والدتي….3!
الأغوار النفسية….

أبو علاء منصور.
في التداول اليومي كان يُنادى محمد يغنم -ابن عم مدللة الوحيد- محمد خديجة نسبة إلى والدته، فقيل إن والده أحمد يغنم سافر إلى نيكاراغوا -عام 1927- واحتضنته والدته خديجة، وأن مدللة ومحمد وهما من العمر ذاته تقريباً، ترعرعا في كنف عمهما عبد الصمد الذي لم ينجب أطفالاً تحت سقف واحد -هي يتيمة ووالد ابن عمها مسافر- كبُرت الطفلة وطلب شاب من القرية يدها للزواج، ولأسباب اختلط فيها الحب والحرص بالجهل والميراث، زُوجت وهي في عمر الرابعة عشر بابن عمها محمد الذي تربت معه كشقيقة، أنجبت منه طفلتين -فهمية وفهيمة- ولم يلبث أن تزوج بامرأة ثانية اسمها وسيلة من قرية كفر عقب فطلبت مدللة الطلاق.
ما الذي دفع مدللة لطلب الطلاق؟! ما الأسرار النفسية التي اكتنفت علاقتها العاطفية مع ابن عمها قبل أن يقترن بزوجته الثانية؟ هل اضطر للاقتران بوسيلة نظراً لتصدع علاقته العاطفية مع ابنة عمه؟ أم أن مدللة شجعته على ذلك لتحرر نفسها من عذاب نفسي تسبب به ارتباطها بابن عم تربت معه كشقيقة؟ أم أن خديجة -والدة محمد- رغبت في تزويج وحيدها بامرأة ثانية في أعقاب إنجاب مدللة بنتين؟ لا بد أن هناك قضية كبيرة دفعت مدللة لطلب الطلاق وتنازلت عن ميراثها مقابل ذلك. هناك من قال إنها باعت أرضها لعمها! ما الداعي لذلك إن لم يكن لشراء تحررها؟ لا بد أنها أُكرهت على ذلك.
كم من فتاة امتلكت شجاعة مدللة وكان لديها ميراثاً تشتري به حريتها؟ كم غيرها انكسرت ظهورهن فاستسلمن وانتحرن أو تشردن أو انحرفن أو أصابهن جنون؟ يا لبشاعة الجرائم التي تُرتكب في كهوف الجهل والطمع! نعم تطورت الحياة وتغير الواقع، لكن الطبيعة البشرية عصية على التغيير، وجرائم اليوم خير شاهد ودليل!
ذكرتني حياة مدللة الزوجية مع ابن عمها بما حدثتني به أسيرة محررة من سجون الاحتلال عن معاناتها النفسية بعد تحررها من السجن فقالت: (تحررتُ من السجن بعد أحد عشر عام اعتقال، كان بيتنا مهدوماً وأولادي مشتتين عند أمي. لحظات قاسية شعرت فيها أنني لم أعد أصلح زوجة، أن وظيفتي تقتصر على أن أكون أماً فقط. طغت عاطفة الأمومة على مشاعر الزوجة وسحقتها، لقد حرم السجن أولادي من حنان أمهم وكان عليّ أن أعوضهم ذلك. لحظات شديدة الوطأة اختُصرت فيها الأنوثة بالأمومة فقلتُ لزوجي: ابحث لك عن زوجة تسعدك واتركني لأولادي). وأنا أستمع للمناضلة العظيمة قبل سنوات تساءلتُ مع نفسي دون أن أتجرأ على طرح ذلك مع المعنيين: (كيف تصرف رجل مع زوجته حين تحرر من السجن بعد عقود من الاعتقال تاركاً خلفه فلذة كبده مؤبداً؟ ما النفسية التي استقبلته بها الزوجة في أول ليلة التقيا فيها في سرير واحد؟ هل تبددت طاقتهما الجنسية ولهفتهما للقاء فانزوى كل منهما في زاوية وبكى بمرارة؟ أم احتضنا بعضهما بلهفة اللقاء المنتظر؟ أكاد أتخيل صراعاً مريراً نشب في داخل كليهما بين كبت نفسي وآخر جنسي، فتغلب النفسي على الجنسي وأدار كل منهما ظهره لرفيقه كاتماً دموع ألمه؟ يا لفداحة الأثمان التي يدفعها الأسير والأسيرة وأطفالهم وذووهم!! يا إلهي!! طوبى لصبرهم وثباتهم وبقائهم بشراً أسوياء.
مع تحيات أبو علاء منصور
29\11\2920