المصالحة – الانتخابات وأوراق الخريف!
سعادة مصطفى أرشيد*
لم يكن ما ورد في صفقة القرن مفاجأة لأحد، فقد كان معروفاً ومعلوماً في معظم تفاصيله وحيثياته من خلال التسريبات الإعلامية المدروسة والتي سبقت الإعلان الرسمي بزمن ليس بقصير، الأمر الذي أعطى الفرصة والوقت الكافي للأطراف المتأثرة بالصفقة سلباً وإيجاباً بالاستعداد والتأهّب، الإسرائيلي بدوره كان في أعلى درجات الجاهزية لتلك اللحظة فخططه وبرامجه وطواقم عمله، باشرت بالعمل وتنفيذ ما ورد في الصفقة، لا بل عملت على تجاوزها إلى الأمام في محاولة منها لكسب المزيد وفرض أمر واقع سيكون من الصعب تجاوزه لاحقاً، فيما اعتمد الفلسطيني على الأنين والشكوى من قلة الحيلة، وضيق ذات اليد، وتخاذل الأهل والإخوان، وانتظار ما قد يحدث من معجزات وعجائب قد تأتي من عالم الغيب. لم يعدّ الفلسطيني خططاً أو برامج، ولم يفكر ببدائل لخياره الثابت الوحيد – التفاوض، ولم يتخلّ عن سياسة الانتظار، من دون فعل حقيقي على أرض السياسة، ولم ير أمام الهجمة الإسرا – أميركية فرصة لتمتين الوضع الداخلي بإنهاء الانقسام، أو محاولة الوصول إلى برنامج حدّ أدنى، وإنما قادنا العجز والحيرة التكتيكية إلى الاعتماد على مجموعة من النقاط تمثلت في ما يلي:

أولاً – الافتراض أنّ الحكومة الإسرائيلية تفتقر للانسجام، وأنّ أطرافاً شريكة في الائتلاف الحكومي، تعارض عملية الضمّ وبعض بنود صفقة القرن، ولكن الحقيقة ترى انّ ما يعارضه أولئك من عملية الضمّ يتعلق بالأسلوب والشكل لا بالجوهر، فلا أحد في المؤسسة الإسرائيلية يوافق على التنازل عن الأغوار التي تطلق عليها المؤسسة العسكرية اسم مصيدة الدبابات، ثم أن نتنياهو الأكثر مكراً وتجربة، قد استطاع تجريد خصومه في الحكومة من قدرتهم وجعل حضورهم باهتاً، وهو ماض في طريقه لتنفيذ الصفقة سواء بشكل صامت او صاخب فهذا من الأمور الثانوية.

ثانياً – انتظار الانتخابات الأميركية، ومغادرة ترامب للرئاسة، ومجيء بايدن، الذي لن يتفرّغ لملف الشرق الأوسط من فوره، إذ إنّ لديه أولويات عديدة ونحن لسنا منها، بايدن بأية حال لا ولن يستطيع إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، فما سيفعله نتنياهو على الأرض، سيبقى قائماً، ولكنه حسب النظرة المتفائلة تفاؤلاً غير مبرّر، قد قال ذات مرة انه يؤمن بحلّ الدولتين – هذا بالطبع إنْ أبقى ترامب ونتياهو مكاناً من الممكن أن تقوم به دولة ثانية.

ثالثاً – صعد الفلسطيني عالياً في 19 آب الماضي عندما أعلن الرئيس الفلسطيني عن مجموعة إجراءات أهمّها، وقف العمل بالتنسيق الأمني مع الاحتلال، وبالحرد عن قبض أموال المقاصة التي انتقصت منها الحكومة الإسرائيلية ما يعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية من مخصصات لعوائل الأسرى في سجون الاحتلال، الأمر الذي أدخل الاقتصاد في حالة بالغة من الركود بالطبع مع وجود عناصر عديدة منها جائحة كورونا، ولكنه أعطى الاحتلال ومنسّق نشاطاته دوراً في الاتصال بالمواطن الفلسطيني مباشرة.

رابعاً – العودة إلى بازار الحماسة المؤقتة برفع نبرة الخطاب الإعلامي، وتصعيد الصراع، ولكن مع شخص رئيس الحكومة الإسرائيلية لا مع الاحتلال، ورفع شعارات الصمود مثل: من امتلك الشجاعة بقول لا لأميركا أكثر من؟ هل تريدون وطناً أم رواتب؟

خامساً – العمل على تقطيع الوقت، بالعودة الموسمية لحديث المصالحة واستبدال مسؤول الملف التصالحي، بمن هو أكثر حماسة وأكثر سعياً لأن يكون قاسماً فلسطينياً مشتركاً في السياسة (فتح – حماس) وبالجغرافيا (الضفة الغربية – غزة) وبما يعزّز من فرص الوراثة، ومن ثم اللجوء لغطاء الأمناء العامين.

شهد الأسبوع الماضي انقلاباً في الحال، فقد عادت السلطة الفلسطينية إلى مربّعها (حليمة إلى عادتها القديمة)، ونجحت في استثمار لقاء الأمناء العامين وحوارات المصالحة، واستعمالها كقنبلة دخان، اختبأت خلفها الحوارات مع النرويج، وعبر هذه الأخيرة مع الولايات المتحدة و(إسرائيل) وكذلك مع الإمارات والسعودية، وأعلن عنها عند نضوجها بالرسائل التي أرسلها وزير فلسطيني لمنسق نشاطات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، تساءل بها إنْ كانت حكومته ملتزمة بالاتفاقيات المعقودة مع السلطة، وأجابه المنسق بتأكيد الالتزام وبأنّ السلطة هي من رفض قبض أموال المقاصة، هذا الأمر افترضته السلطة الفلسطينية انتصاراً، وانه يتضمّن قبول المطالب الفلسطينية وإسقاط عملية الضمّ وصفقة القرن والقبول بما تريده السلطة… هكذا ذرت الرياح لقاء الأمناء العامين اليتيم وقراراته، بعد أن حقق نتيجة واحدة حقيقية، وهي اعتراف من حضر وشارك من أمناء عاميين وقيادات وشخصيات عامة باللقاء، بشرعية قيادة السلطة ومشروعيتها، والأمر نفسه ينطبق على حوارات المصالحة والدعوات التي رافقت ما تقدّم عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وإطلاق انتفاضة ثالثة وانتخابات وما إلى ذلك.

دعونا نعترف للسلطة بقدرتها العالية ذكاء ودهاء، فهي منسجمة مع ذاتها، وعاملة في سبيل مشروعها، فما فعلته السلطة هو الأمر الطبيعي ويمثل استمراراً لسياساتها الثابتة،، فهي لا ولم تر ولا لمرة واحدة أيّ بديل عن التفاوض والتعايش مع الاحتلال وما يقدّمه من عطايا، الأمر الذي وصفه قيادي كبير في فتح وعلى ضفاف السلطة، في حديث صوتيّ عبر وسائل التواصل الالكتروني، أنّ (إسرائيل) هي حاضنة السلطة الطبيعية التي تزوّدها بالغذاء ومقوّمات الحياة عبر حبل سريّ، ودعونا نعترف أيضاً ونقرّ بما نشعر به من بؤس وإحباط وأسى على ما وصلت إليه الفصائل وأمناؤها العامون، من تردّ وبؤس حال، والإدراك أنها أصبحت من لزوم ما لا يلزم، اللهم إلا في حال استدعتها قيادة السلطة للقاء جديد لاستخدام ظرفي إنْ تطلبت الحاجة.

بالتوازي مع انقلاب الحال الفلسطيني، تتكاثف زيارات (الإسرائيليين)، دبلوماسيين ورجال سياسة وأعمال للإمارات والبحرين، اللتين عاد إليهما سفراء فلسطين الذين تمّ استدعاؤهم للتشاور (احتجاجاً) اثر الإعلان عن التطبيع مع دولة الاحتلال، والسودان، ثم قام نتنياهو بزيارة إلى مدينة نيوم السعودية ليجتمع مع ولي عهدها، وتمّ تداول وتسريب أنباء عن أنّ السلطة هي مَن وافق على مطالب الاحتلال، ورضيت بتبادل الرسائل مع مستوى أمني – عسكري متدنّ، لا من مستوى سياسي مرتفع، ولم نسمع تعليقاً أو رفضاً للقرار الأميركي الذي قضى بأن يكون الملصق المطبوع على بضائع المستوطنات الإسرائيلية ومناطق c التي ستكون مشمولة بالضمّ بموجب صفقة القرن مكتوب عليها (إنتاج إسرائيل)، فيما يكتب على ملصقات البضائع المنتجة في المناطق الفلسطينية (إنتاج الضفة الغربية أو إنتاج غزة) ويمنع دخول بضائع ملصق عليها إنتاج فلسطين أو حتى إنتاج الضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعتين، يعني ذلك بوضوح أنّ القرار الأميركي ذو بعد ومضمون سياسي لا مضمون إنتاجي تجاري، وهو يتضمّن وضوحاً وصراحة الاعتراف الأميركي بعملية ضمّ المناطق الوارد ذكرها في صفقة القرن، لا بل إنه يتجاوز ذلك، بقرار الفصل التام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

سياسة الانتظار، هي توأم سيامي لسياسة التفاوض ثم التفاوض في العقل السياسي الفلسطيني، بينما تتآكل الأرض، ويضعف الارتباط بها، وتتراجع استعدادات العمل العام والتضحية لدى الشباب الفلسطيني إثر ما يجري في ملف رواتب الأسرى وعوائلهم، سوف ننتظر تداعي الحكومة (الإسرائيلية) والدعوة لانتخابات مبكرة في القريب، فيما ننتظر تسلم بايدن مقاليد الحكم في واشنطن، وانتظار انتهائه من قائمة أولوياته الطويلة، الداخلية وما يتعلق باستنهاض الاقتصاد والتصدي لجائحة كورونا وترميم مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية ورتق صدوع المجتمع الأميركي بألوانه وأعراقه وثقافاته المتباينة، ثم الخارجية من الصين إلى إيران وروسيا، إلى أن يأتينا الدور إنْ أتى، وهكذا تستمر عجلة الزمن بالدوران…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سياسي فلسطيني مقيم في جنين – فلسطين المحتلة.
‎2020-‎11-‎26