وعراق الوطنيه النافيه للوطنيه؟/5!
عبدالاميرالركابي.
لايمكن ل “اللامجتمعية” ان تكون في الوقت ذاته، “وطنيه”، أي ان تتجلى كمفهوم مضاد لما مفترض بها الصدورعنه باعتباره جوهرها، والمقصود هنا والجاري الحديث عنه، يتعلق بالجوهر والكينونه المضمره والمستقبلية المنتهى والمستقر، مع انه ينسحب في الوقت نفسه على تجليات المسار الازدواجي ابان دوراته الثلاث، فارض الرافدين / العراق ظل من دون تجسيد تعبيري عن الذاتيه بما هي ازدواج مجتمعي، طيلة تاريخيه، لا بسبب طغيان وهيمنه الأحادية ومنظورها فقط، بل لانها متوفرة على أسباب التفارق التعبيري ضمن بنيتها، ماقد جعل مما يمكن اعتباره “وطنية الازدواج” غير واردة، وتخالف كينونتها الازدواجية بما انها “توحدها” ضمن مبتنى واحد قد يوحي بالاكتمال، فكان ان تجلت الازدواجية في الدورة الأولى ثنائية: “ابراهيمية”، مقابل “الحامورابية الشرائعيه”، و ” قرمطية….الخ انتظارية”،مقابل “العباسية” الابراهيميه الختاميه المؤقلمه ازدواجيا، في الدورة الثانيه، لتظل مسالة “الوحدة”مؤجلة بما هي نفي للتجسيد المجتمعي، الى حين اقتراب زمن تحققها، حين تظهر كنفي للازدواج التعبيري ضمن اشتراطات انفكاكه.
مثل هذا التجلي الانفكاكي، هو الوطنيه الرافدينيه / العراقيه المؤجله على المدى الزمني الفاصل، بين المجتمعية التحولية بنيويا المفتقرة لاسباب التحول المادي، والمجتمعية التحوليه الثانيه المتوفرة على الأسباب الضرورية للتحول ماديا، ابان انبثاق العوامل المادية خارجها، في ارض التحولية المادية، الانشطارية الطبقية الاوربية، حين تاتي هي لتغدو عنصرا أساسيا حيويا لاغنى عنه، لاجل توحيد العملية التحولية على مستوى المعمورة، في وقت تكون فيه آليات التحول الشامله قد غدت حتميه لازمة، لا مجال لاستمرار المجتمعية بمعنى انتقالها الى الطور الاخر المقرر لها كظاهرة اخذه بانتهاء الصلاحية، من دونها.
قبلها يمكن ان تحتل الرؤية الوطنيه الماخوذه عن الغرب، ابان حداثته مكانها كنوع من خيار وهمي اسقاطي، مؤسس على مسعى قولبة البنيه التحولية الازدواجيه وفقا للاشتراطات الأحادية الطبقية، كصيغة اكراه للبنيه العراقية الرافدينيه على الانصياع لمقتضيات النموذج الأحادي الغربي الأعلى، أساسه ومنطلفه صياغة تصور استعماري مفتعل للكيانية العراقية(1)، قائم على الفبركة الكليه، واختلاق صورة بلاد وكيانيه مجتمعية لاوجود لها، ولم يسبق ان وجدت ابان العصر الحديث نفسه كما يجري الحديث عنه، وعن تعيين تواريخ تحققه. خلافا للحقيقة التحولية التاريخية، والحاصل واقعا في العصر الحديث، وعلاقته بمسارات التصير التاريحيه كما وجدت.
وهنا نجد انفسنا امام اخطر مناحي إعادة صياغة السردية التاريخيه الحديثة للتاريخ البشري، مجازفين بالقول ان العصر الحديث يبدا في القرن السادس عشر من ارض الرافدين، مع عودة التشكل العراقي في دورته الثالثة، كما كان بدأ في مفتتح التاريخ المجتمعي تحوليا تحققيا هذه المرة واليوم، بعد ان كان تحوليا بنيويا مؤجل التحقق في الأولى، حين تتغير اليات التفاعليه المجتمعية، بالاخص في بؤرة الفعالية المجتمعية الكوكبية على ضفتي المتوسط، ولا تعود المراحلية والدورات خاضعه للايقاع التناوبي الذي حكم سيرورتها من قبل(1) لابل ويتبدل حتى إيقاع الدورات داخل الضفة نفسها، فالغرب الذي عرف دورته الحالية الحداثية الثانيه بعد الدورة الاغريقة الرومانيه الأولى اللاحقة على الدورة الشرق متوسطية الرافدينيه النيلية، صار اليوم محكوما الى تداخل الدورتين، الثانيه والثالثة التحولية، الامر الذي اصبح قائما مباشرة بعد الثورة الاليه التي ارست أسس نهاية الطبقية، الخاصية الأراس لبنية مجتمعات هذا الجزء من العالم، على العكس مما تصور ماركس والغرب بخصوص الطبقات التي تم اكتشافها في حينه، ومابني عليها، وعلى احتمالياتها التاريخيه الراهنه، ماكان قد ارتكزعلى احتسابات العملية التاريخيه كما كانت تسيرفي الزمن السابق على الالية.
هكذا يكون العالم قد صار مشمولا بالتحول ابتداء من النصف الثاني من الالفية الثانيه، وابتداء وواقعا مع بدء التشكل الرافديني الثالث في القرن السادس عشر، افتتاحا بفترة صعود غربي حداثي انقلابي المضمون الأساس، والتاريخي التحولي منه، والمحوري، منجزه الالي الضروري لقلب مسار الانشطارية الطبقية في المجتمعات الطبقية، وتهيئتها لكي تكون عاملا في توليد أسباب التحول عبر تناقضيتها الانتاجوية مع البيئه، ومايترتب عليها من اشتراطات مستجدة تأخذ العالم الى استحالة الاستمرارية، بعد تبدل ظروف العيش البشري الكلية على الكوكب الأرضي، ومع انبثاق التكنولوجيا وسيلة الإنتاج اللاارضوية المطابقة لاشتراطات التحولية القاضية بالانتقال من الإنتاج لتلبية الاغراض الجسدية الارضوية، الى الإنتاجية التحولية التي تتركز في قطع صلة الكائن الحي عن الحاجات والضرورات الراهنه الملحة جسديا، مايجعل من العقل محور العملية الانتاجيه المتطابقة مع ضرورات طور العيش على حافة الفناء، ونذره التي ستقلب اطرادا أساس العلاقة البشرية بالأرض، وممكنات الاستمرار عليها، ليصبح العقل من وقتها هو المخرج والسكن، وموضع التدبير والمجازفة الكبرى وسط التبدل الحاسم في اشتراطات الوجود الحياتي الانتهائية، الممتدة الى اول اشكال الحياة وصيغتها التحولية الابتدائية الحيوانيه على هذا الكوكب، المعبر الاخذ الى الاكوان العليا.
واليوم يبدا بالحلول زمن من الانتظارية الثقيليه الوطاة حيث الاملال مهيمن على كل مايتصل بالحياة والوجود، بينما تظهر بدل كتب الفلسفة والعلم والاقتصاد والفنون الغربية، كتابات تحمل عناوين من نوع ” نظام التفاهه”، او مايقاربه نوعا ومضمونا، بانتظاران تصبح من هنا فصاعدا منهجا ومبرر نتاجات العقل في الزمن الاجتراري، حيث كل مايتصل بالغرب ومنجزه قد تآكل وصار متهالكا، بينما البنى التي اريد اتباعها في البلدان خارج هذه الدائرة من العالم، بالاخص في الشرق المتوسطي، تتذرى وتنهار، وتصبح كومة مما يطلق عليه الفساد والفشل الذي سيتزايد ويصل حد الاختناق العام الشامل، بالاخص حين تنتهي المبررات الوهميه الباقية التي مازالت تظن او تعتقد ان “الإصلاح” ممكن على اصل بائد ميت، بينما العالم تتزايد وتيرة ذهابه الى حتفة، والاختلال الأعظم الوجودي، يتحول باطراد الى زمن معاش يجري الى اليوم العمل على تدبيره بالخداعيه، وبمحاولة الإيحاء بالتابيديه، وبان الوجود البشري الأرضي هو حالة لانهائية، بحسب ماهو عليه المنظور الأحادي الأصلي.
ليست الثورة اليوم من نوع او نمط مايسمى بالثورات الارضوية التابيديه المعروفة، المغمسه بالاوهام، وبخداع النفس النابع من القصور امام الاستحالة الارضوية الأساس، فالعالم على موعد اليوم ومن هنافصاعدا، مع الانقلابيه التحولية الكبرى، نظرية انتهاء الطور المجتمعي من تاريخ التصيّر الإنساني، وبدء محاولة تبين السبيل باتجاه المخرج المحايث لاحتماليه الفناء البشري، الامر الذي اوكل به وبالاضطلاع بادائه، الموضع نفسه الذي اعلن ابتداء بد وضع الخطوات الأولى المجتمعية التحولية الناقصة، جنوب ارض الرافيدين، سومر التي كانت تضع العصا اعلى الزقزرة لتقيس أيام السنه، فتعرف مع مرور الفصول من الربيع الى الربيع،ان مدار الففصول 360 يوما، فتبار لتعيين الأشهر ال 12 ولاتفلح في وضع أسماء لها، الى ان يأتي البابليون ويمهرونها بالاسماء، وتصبح للإنسان شهور واسابيع وسنوات وايام وساعات لايعرف غيرها الى اليوم، من هناك، عندما ابتدا النطق اللساني بالكتابة، سوف يبدا عصر “النطق العقلي” عصر التحول الأعظم.
عالم اليوم ينتظر “قران العراق” المؤجل منذ سبعة الاف عام.
ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من السذاجات الصبيانيه الحداثية في العراق، الشعور بالحيف اذا قيل بان العراق لاوجود له ككيانيه بحسب نمط الفبركة الاستعمارية، وهو من انصع الدالات على الانغلاق دون الذات وطبيعتها المتعدية للغرب ومفهومه الكياني “الوطني” .
(2) يرد في الاسفار القديمة:” لهذا قدر الله الملك في هذه المواضع وهذه الأمم: البابلي في الشرق، والقرطاجني في القبله، والمجدوني في الجوف (الشمال)، والروماني في الغرب، وكان بين السلطان الأول، بابيل، والسلطان الاخر وهو سلطان رومه. شبه السلطان الأول ـ وهو السرياني ـ بالوالد الموروث، وشبه السلطان الاخر ـ وهو الروماني ـ بالولد الوارث. واما الافريقي والمجدوني فانهما شبها بالوكيلين على الملك حتى كبر الولد الواجب له الميراث” ثم ” في الوقت الذي خرجت مدينه بابيل على يد جيرش الفارسي، خرجت رومه عن ملك الطركونيين ، يعني قد رؤي (انه في) زمان واجد سقطت تلك وكانت هذه، فكانت تلك كالميت الموروث. وكانت هذه كالولد الوارث المنبعث، اذ ذلك سقط ملك المشرق. وانبعث سلطان المغرب” اوريسيوس/ تاريخ العالم/ الترجمه العربيه القديمه/ حققها وقدم لها/ د عبدالرحمن بدوي/ صص 167 ـ 168 / المؤسسة العربيه للدراسات والنشر ـ بيروت.
‎2020-‎11-‎21