الورقة التاسعة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. الجزء الخامس!

بقلم أعلية العلاني

تَعَرّضْنا في المقال السابق إلى تصحيح مفهوم الجهاد وكيف تمّ تنزيله في عهد الرسول – ص – . وعندما أصبح للمسلمين دولة قائمة بعد وفاة الرسول، وانتشر الإسلام في ربوع العالم لم يَعُدْ الجهاد المسلح مطروحا دينيا إلا لردّ العدوان. أمّا ما حصل من حروب أو فتوحات إسلامية في القرون الأولى فإن ذلك يدخل ضمن مشروع التوسع الترابي أو ما نسميه اليوم بالبحث عن المجال الحيوي الذي تمارسه عادة الدول القوية عسكريا واقتصاديا سواء كانت دول مسلمة أو غير مسلمة. وبالتالي فإن إصرار التيارات الجهادية الحالية مثل القاعدة وداعش على ممارسة الجهاد المسلح ضد أفراد وجماعات آمنة بتعلة فرض حكم الله في الأرض وتطبيق الشريعة على طريقتهم يتعارض مع جوهر الدين نفسه.

1) حتى لا يصبح الجهاد مُسَيَّسا

لقد حاولتْ تيارات التطرف العنيف إسْباغ طابع ديني سياسي على مفهوم الجهاد استنادا لتقسيم العالم إلى دار كفر ودار إيمان لفرض ما تُسميه الجهاد المسلح. ويظهر ذلك في كتب المُنَظّرين الجدد مثل أبو مُصعب السوري وكتابه “دعوة المقاومة الإسلامية العالمية،” وأبو بكر ناجي وكتابه “إدارة التوحش” وعبد الله بن محمد وكتابه “المذكرة الاستراتيجية” وأبو عبد الله المهاجر وكتابه “مسائل في فقه الجهاد” إلخ. ويشترك هؤلاء في تكفير الحكام المسلمين وشعوبهم وجواز قتالهم، بالإضافة إلى قتال غير المسلمين، ويدعون إلى قتل الشيوخ والنساء والأطفال بدعوى انتمائهم لملة الكفر وهو ما يتعارض حتى مع موقف الفقهاء القدامى الذين يُحَرّمون التعرّض لهذه الفئات، (انظر كتاب عبيد خليفي، الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة، دار مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس،2018). ويقدمون فتاوى شرعية لعمليات التفجير عبر المفرقعات والأحزمة الناسفة التي لا يعتبرها أبو مصعب السوري انتحارا بل تضحية بالنفس “من أجل حماية دين الله ونُصرة شريعته من دون هَمّ ولا غمّ” (أبو مصعب السوري، دعوة المقاومة الإسلامية، مصدر مذكور، ص 1145). و أصبح مفهوم الجهاد مُسَيّسا بامتياز، فالقاعدة تُبيح قتل أطفال وشيوخ ونساء الشيوعيين، في حين تنادي داعش بقتل الجميع دون استثناء. وهو موقف أنْتج ردود فعل غاضبة جدا في المجتمعات الغربية، على إثر ثلاث عمليات إرهابية شنيعة  في باريس ومدينة نيس الفرنسية وفيانا بالنمسا في أكتوبر ونوفمبر 2020. ويُنتظر أن تَعقُبَها موجة من التمييز العنصري وانتشار لخطاب الكراهية وصعود اليمين المتطرف للحكم وعودة قوية لظاهرة الإسلاموفوبيا.

2) الخطاب البديل لمفهوم الجهاد المسلح 

لا بد من تحسيس لجنة تأهيل معتقلي التطرف العنيف بضرورة إيلاء أهمية قصوى للقيام بمراجعات فكرية لمفهوم الجهاد نظرا لتداعياته الأمنية محليا وإقليميا ودوليا. ومن المستحسن أن يتمّ عقْدُ جلستين أو ثلاث معهم لتفكيك مفهوم الجهاد وتمكينهم من التعبير بكل حرية عن رؤيتهم ومرجعياتهم الفقهية وفتاواهم، لأن هذا سيُمكّن لجنة التأهيل في اجتماعها المُوالي أن تُقدّم الردود المطلوبة.

ويتأسس الخطاب البديل لمفهوم الجهاد على ثلاث مقاربات:

المُقاربة الأولى: أن الجهاد الأكبر يتفرّع عنه جهاد النفس وجهاد العلم والجهاد الاجتماعي، فجهاد النفس يقلل من مخاطر الجريمة المنظمة والجريمة الإرهابية، ويُشيع فكرة التراحم والتضامن الإنساني أما جهاد العلم والتعلم فهو الذي يجعل دولتك مُهابة سياسيا، وقوية اقتصاديا، ومُشعّة ثقافيا وفكريا. وبخصوص الجهاد الاجتماعي فهو الذي يؤدي إلى تقلص البطالة وتوفير الخدمات وتحسين الحوكمة.

– المقاربة الثانية: أن الجهاد القتالي يقتصر على جهاد الدفع فقط لردّ العدوان، وأنّ جهاد الطلب (أي قتال الآخرين خارج أرضك) لم يَعُدْ مطروحا بعد وفاة الرسول، لأنه أصبح للمسلمين دولة. واليوم لم تعد هناك حاجة لتبليغ الدعوة الإسلامية عبْر الحروب والغزوات، فالأنترنات تُوفّر لك كل ما يتعلق بالأديان والمذاهب الإسلامية وغير الإسلامية، وفي فترة الإسلام الأولى وصل هذا الدين إلى دول القارة الآسيوية عبْر التُّجّار لا عبْر الحروب، ويَعُدّ المسلمون في العالم اليوم قرابة 2 مليار نسمة وتحديدا 1.8 مليار نسمة، نصْفُهم دخل الإسلام دون قتال.

– المقاربة الثالثة: أنّ الخطاب القرآني حمّال أوجه، وأنّ فهْمَهُ لا يقتصر فقط على ما قّدّمه الفقهاء القدامى، وأنّ نظرية المقاصد التي تبنَّاها في القرنين 19 و20 ميلادي المصري محمد عبده والتونسي الطاهر بن عاشور وقبلهما كان الإمام الشاطبي والعز بن عبد السلام والفقيه نجم الدين الطوفي (توفي في بداية القرن14 ميلادي) الذي يقول، أين وجدت المصلحة فثمَّ شرع الله، هذه النظرية خلقت ديناميكية في فَهْم النص الديني بطريقة أكثر عقلانية. كما لا نُغفل قراءة السياسي والمفكر الإسلامي عبد العزيز الثعالبي (1874- 1944) لآية القتال الواردة في سورة التوبة (يا أيُّها الذين آمنوا قاتلوا الذين يَلُونَكُمْ من الكفار ولْيجدوا فيكم غلظة) والتي يعتمدها مُنَظّرو التيار الجهادي لتعبئة قواعدهم للقتال فيقول أن هناك تأويلا خاطئا لهذه الآية أدى إلى “خلْق العداوة بين المسلمين والأديان الأخرى وحرمهم من التعايش والتعاون مع الشعوب العربية ليستفيدوا من مكاسبهم العلمية والحضارية” (كتاب عبد العزيز الثعالبي، روح التحرر في القرآن، ص 47). كما يرى الباحث في الإسلاميات عبيد خليفي “أنّ آيات القتال يجب أن يُنْظَرَ لها في تاريخيتها أو ما سمّاه الأصوليون بأسباب النزول التي يقفز عليها بعض الفقهاء ويُصَعّدون النص لكل زمان ومكان، فسورة التوبة ارتبطت بأحداث حربية معلومة وآياتها تخصيص للفعل وتداعياته” (عبيد خليفي، الجهاد…مصدر مذكور ص 193)

ويجب أن تصل هذه المعطيات بشكل مُبسّط لمعتقلي التطرف العنيف، فإذا اقتنعوا بهذا الطرح تزول نسبة هامة من التطرف

البطاقة القادمة: الورقة العاشرة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل. ج 6

أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة- تونس

2020-11-21