العراق .ما أشبه اليوم بالبارحة!
نصير المهدي.
إزاء ما شهده العراق من نهب ولغف وسرقات واستيلاء على المال العام بعد الإحتلال تنبري الكثير من الأصوات والأقلام ” ولوحات مفاتيح الأجهزة ” الى سطر مقولات تعبر عن نوعين من التوجه فإما الجهل أو الكذب المتعمد وخديعة القارئ أو المشاهد أو المستمع وهذه الأكاذيب تعيد اسطوانه مشروخة عنوانها نزاهة العهد الملكي ولأن ذلك العهد اقترن باسم نوري السعيد فكثيرا ما تسطر القصص بل الأساطير عن نزاهته ونظافة يده ومع كل رجالات العهد الملكي .
وحقا هذه الأساطير وتأليف القصص والروايات لم ينجو منها طرف من الأطراف حيث يخترع كل منهم رواياته وقصصه على قاعدة كل حزب بما لديهم فرحون وهذه ” السوالف ” لم تقتصر على العهد الملكي بل وفي العهد الجمهوري الكثير منها لأنها لا تحتاج الى إيراد دليل وكونها شعبوية تحاكي المزاج الشعبي فسرعان ما تسري بين الناس ويصدقونها ويعيدون إنتاجها .
لو سئل أي من هؤلاء المروجين عن العهد الملكي الذي دمغه اسم نوري السعيد أكثر رؤوساء الحكومات استيزارا وصانع السياسات التي سادت في العهد الملكي لسمعنا حكايات من قبيل أن شخصا كان يعترض طريق نوري السعيد فيشتمه فيجيبه السعيد : ” لو تموت ما أحبسك ” ويا له من موقف باهر رغم أنه كذبة صلعاء كأخواتها الكثيرة ولكن من يدقق أو يحقق أما الظلم الذي لحق بالمواطن والوطن فلا أحد يقترب منه أو بالاحرى تتم تغطية نتانته بمثل هذه الروايات .
وكثيرا ما تجري المقارنة بين نظام صدام الاستثنائي ليس على مستوى العراق بل حتى على مستوى العالم وبين أي عهد آخر لتجميل قبائحه ومن ذلك العهد الملكي وهكذا مثلا كان يعامل السجين السياسي وهكذا تحدث الزعيم الفلاني وتحدى الحكومة وبقي حيا وإلى آخره وتتم إزاحة روايات حقيقية وثابتة من قبيل أن المئات من المواطنين دخلوا السجون وقضوا شطرا كبيرا من أعمارهم فيها وأن العنف السياسي تأسس في العهد الملكي .
سيحتاج من يريد أن يتناول موبقات ومساوئ العهد الملكي إلى مجلدات كي يبين بعضا منها وقد كتبت في أكثر من مناسبة بأن آثار جرائم صدام التي إرتكبت بحق العراق وأهله ستبقى آثارها الى عشرات السنين المقبلة وبجانب هذا الحقيقة ومعها دائما أن ما من مشكلة ظهرت في العراق خلال الستين عاما السابقة إلا ولها جذر في العهد الملكي .
ما دفعتي الى الكتابة في هذا الأمر الفضيحة التي مثلها كتاب وزير المالية بتخويل بعض موظفيه التصرف في أملاك الدولة العراقية ودائما مثل هذه الموجودات فضلا عن أنها تشكل مصدرا للدخل الحكومي فهي تشكل احتياطيا مهما لأوقات الأزمة والعوز خاصة كما نعلم بأن للدولة أملاكا كبيرة وواسعة ومع الأسف جرى تسريب الكثير منها خلال مرحلة ما بعد الإحتلال تحت عناوين الأوقاف وغيرها ولعل مثل أكاديمية البكر للعلوم العسكرية يكفي لحجم النهب ” الإسلامي ” لممتلكات الدولة فضلا عن تخريب صرح علمي متميز .
ومع أن الوزير ” يبدو أن فرخ البط عوام ” سارع الى لملمة الفضيحة بالغاء الامر إلا أنه كشف واقع الطبقة السياسية الفاسدة العميلة التي فرغت من تقاسم المنطقة الخضراء وتريد الإنتقال الى خارجها .
هذا ما فعلته حكومات العهد الملكي وعلى رأس رؤوسائها ووزرائها نوري السعيد الذي يحاول البعض أن يقدمه للناس نزيها وقديسا وعفيفا .
ومن المؤكد أن آل المجيد بزوا الأولين والآخرين في نهب العراق وهم أيضا يحاول كثيرون تقديمهم بمثل هذه الصورة من العفة والنزاهة رغم أن مذكرات حفيدة صدام وما أصدره المحتلون الأميركان من وثائق لبعض الموجودات التي صادروها أو عثروا عليها مخبأة أو مدفونة فضلا عن مذكرات برزان التكريتي شقيق صدام ورئيس مخابراته وغيرها من الوثائق الكثيرة تفضح بعض معالم وملامح الصورة .
وفي الأثناء كنت أقرأ في كتاب للباحث والسياسي السيد جعفر الحسيني ” ثورة في العراق 1958 – 1963 ” وهو حقا كتاب قيم فأستذكر مع صفحات الكتاب بعضا من سلوك الطبقة الحاكمة في العهد الملكي والتي تعيد أمجادها الغابرة الطبقة السياسية التي سلطها الإحتلال الأميركي في العراق .
*****************************
لقد كان الحاكمون وعلى رأسهم نوري السعيد مرتشين ينالون نصيبهم من شركة نفط العراق وغيرها من الشركات العاملة في العراق وقل ما أشبه الليلة العراقية بالبارحة وكانوا يستخدمون نفوذهم وسلطتهم عند تولي مراكزها في تعيين الأنصار والمؤيدين والتصرف بالمال العام من أجل تعزيز مكانتهم السياسية وما يلفت النظر من خصائص تلك الطبقة السياسية تداخلها العائلي بالقرابة والمصاهرة وهذا ما أعيد إنتاجه في ظل الإحتلال الأميركي حيث لم يكتفى بحصص الرجال فجئ بالنساء لملء شواغر الحصة النسائية التي أقرها بريمر من خالاتهم وعماتهم وبنات الأخوال والأعمام .
ومنذ الثلاثينات بدأ السياسيون بوضع اليد على الأراضي الأميرية وصاروا من كبار الإقطاعيين وكما تقاسمت الطبقة السياسية الجاثمة على صدر العراق اليوم القصور والأراضي فقد خص السياسيون أنفسهم بالمساحات الواسعة من الوزيرية التي تقاسموها بحجة بناء دور لهم ولم يبق سياسي منهم إلا ونال حصته من تلك الغنيمة فكان أقلهم عبد الكريم الأزري بألفي متر مربع وأكثرهم ياسين الهاشمي بستة عشر ألف متر مربع يليه نوري السعيد بعشرة آلاف متر مربع وتلك الأراضي في قلب بغداد شكلت ثروة كبيرة لسارقيها .
وكما يحدث اليوم فظهور فضيحة فساد في وزارة أو سفارة أو منصب حكومي يعاقب صاحبه بنقله الى وزارة أخرى أو منصب آخر هل تريد تذكيرا بالأسماء مثلا فنسأل كيف عوقب علي الدباغ بفضيحة الأسلحة الروسية بتعيينه سفيرا في الهند ومثله هناك حادثة ملكية لموسى الشابندر الذي تاجر بتهريب السلاح لفريقي الحرب الأهلية الإسبانية عندما كان قائما بأعمال سفير العراق في ألمانيا بالاشتراك مع زميله القائم بأعمال السفارة في فرنسا فكان هذا يزود فريقا والآخر يزود عدوه ويتربحان بدماء المتحاربين وحينما فضح الأمر وخضعا للتحقيق عوقب الشابندر بترشيحه نائبا عن العمارة التي لم يرها في حياته ومرة أخرى ومن باب التذكير بالمضحك المبكي أن بهاء الأعرجي ترشح عن الناصرية التي لم يزرها لا في حياته ولا فترة نيابته بل لم يكن يعلم بأنه نائب عن الناصرية إلا بعد انقضاء مدة نيابته .
***************************************
أيعيد التاريخ نفسه كما يقول كارل ماركس مرة كملهاة وأخرى مأساة وقبله بقرون كان الحديث النبوي الشريف : لتركبن سنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة .
وحقا شر البلية ما يضحك فقد كان علي حجازي مدير الشرطة العام يؤجر مراكز الشرطة ومخافرها للمعاونين ” ضباط الشرطة ” والمفوضين ويقدم حصة من الرشاوي لرؤسائه وكان الفساد في سلك الشرطة يؤدي إلى أن يعدم البرئ لتخليص الجاني وغيرها من الجرائم بحق الناس ألا يذكر هذا بما قامت به عصابات الإرهاب باستئجار الطرق والمنافذ لتمرير السيارات المفخخة التي تبيد الأبرياء وإلى يومنا هذا مازالت المنافذ الحدودية تباع وتشترى لتمرير كل شئ بما في ذلك المخدرات والمنتجات منتهية الصلاحية حتى الأغذية منها .
وكما هربت الطبقة السياسية التي وضعها الإحتلال البريطاني في مواضع الحكم والسلطة اليهود الى الكيان الصهيوني قام أشباههم في ظل الإحتلال الأميركي بتهريب كل شئ وبدون رادع أو وازع وفي الإتجاهات الأربعة .
فلننظر الى العهد الجمهوري وخاصة الفترة من 1958 إلى إنقلاب البعث الثاني في عام 1968 لم تسجل حادثة فساد واحدة ولم يعرف عن مسؤول أنه أثرى من خلال السلطة أو فعل ذلك واحد من أقربائه وقد أشاعت الخصومات السياسية عن حامد قاسم شقيق عبد الكريم قاسم بأنه أثرى واستغنى من وجود أخيه في السلطة حتى سمي بالبرنس ” الأمير ” قاسم واعتقل الرجل بعد إنقلاب 8 شباط 1963 فلم يثبت عليه شئ على يد خصومه الذين ما كانوا ليرحموه أو يتساهلوا معه ومثله استهدفت الخصومات السياسية طاهر يحيى حتى سمي في بيانات الأحزاب المعارضة للسلطة بحرامي بغداد ونسجت الأساطير عن ممتلكاته وكان أول المعتقلين بعد إنقلاب البعث الثاني وتعرض لتعذيب وإذلال كبير في سجن قصر النهاية وخرج نزيها عفيفا لم يستطع أعداؤه أن يجرحوا نزاهته بخدش .
قتل عبد الكريم قاسم وهو لا يملك بيتا ويسكن في بيت مستأجر وقتل خصمه اللدود عبد السلام عارف وليس له بيت يمتلكه وعاش خلفه عبد الرحمن محمد عارف من راتبه التقاعدي وحتى أحمد حسن البكر رغم أنه فتح الباب للمآسي التي وقعت بعده حيث سلط عشيرته واقرباءه على كراسي الحكم فنهبوا العراق عندما أتيحت لهم الفرصة بعد نهاية عهده كما لم يفعل حاكم في تاريخه قبلهم رغم هذا فلم يعرف عن الرجل فسادا ومن المفارقات أن زمنا جمع بين ابني الخصمين أحمد عبد السلام محمد عارف وعبد السلام أحمد حسن البكر يبحثان عن فرصة عمل في الإمارات وفي مقابلة صحفية اشتكت وفاء ابنة عبد السلام عارف من اهمال عمها الرئيس لهم بحيث لم يقدم لهم ما قدمه صدام حين توليه السلطة .
بينما صادرت ثورة 14 تموز عشرة آلاف دونم من الأراضي المملوكة صرفا لصباح نوري السعيد وبعد الثورة عاش رؤوساء حكومات ووزراء وغيرهم من مسؤولي العهد الملكي حياة الترف والبذخ في بريطانيا ومرة أخرى لا تقاس عائلة صدام وعشيرته بل وحتى مريديه وأعوانه بشئ فهؤلاء لا مثيل لهم في تاريخ العراق بل وحتى تاريخ العالم ولا حتى عصابات المافيا .
‎2020-‎11-‎21