الاحتجاجات والاعتصامات معضلة الاقتصاد التونسي!

تونس – روعة قاسم.

رغم مرور قرابة العشر سنوات على الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في تونس، ما زالت معضلة الاضطرابات الاجتماعية تؤرق مضاجع الجميع. فمطالب المحتجين الذين خرجوا في شهر ديسمبر 2010 ضد النظام التونسي المطاح به، لم تتم الاستجابة لها إلى اليوم، وانصرفت الطبقة السياسية إلى مسائل أخرى لا تهم عموم التونسيين في شيء.

فاتفاق الكامور الذي حصل مؤخرًا بين الحكومة التونسية ومعتصمي الكامور، الذين أوقفوا ضخ النفط من حقول ولاية تطاوين، والذي بمقتضاه رضخت الحكومة التونسية لمطالب المحتجين اعتبره البعض وبالًا على تونس. فقد قبلت الحكومة أن يتم استغلال الثروة النفطية الوطنية لولاية تطاوين في تنمية الولاية وهو ما سيجعل كل ولاية من ولايات البلاد تطالب من خلال الاعتصامات أن تنتفع بثرواتها.

إذ يخشى، وعلى سبيل المثال، أن يقوم أهالي ولاية القيروان والشمال الغربي بإيقاف ضخ المياه من السدود المتواجدة بهذه الولايات حتى تستجيب الدولة لمطالبهم التنموية، ويمنع سكان ولاية قفصة والحوض المنجمي إنتاج الفوسفات. وفعلًا فقد عمد بعض أهالي أرخبيل جزر قرقنة إلى إيقاف إنتاج الغاز بالحقول المتواجدة بالجزيرة وينتظر أن يمتد الأمر إلى إنتاج النفط في ولاية نابل وربما يطال الأمر القطاع الفلاحي وحتى السياحة التي تحتضر بفعل انتشار فيروس كورونا.

ويالتالي فقد تحول اتفاق الكامور برأي البعض إلى محفز لكل جهات البلاد لتنتفض وتطالب بنصيب من الثروات الوطنية الواقعة في جهتها وهو ما يمس استقرار الدولة وخصوصًا من وحدتها الترابية. فالثروات الوطنية وفي أي جهة من جهات البلاد هي ملك لجميع التونسيين والدولة هي التي تتولى التصرف في المداخيل المتأتية من هذه الثروات إما لسداد دين أو لصرفها في نفقات داخلية حسب سلم أولويات.

ولعل السؤال الذي يطرح هو ما مدى استعدادات الدولة للاستجابة لمطالب المحتجين من مختلف جهات الجمهورية وهي التي استجابت لكل مطالب جماعة الكامور؟ هل في خزينة الدولة ما يكفي لإرضاء المحتجين من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبها؟ وما الذي سيحصل في حال لم تتمكن الحكومة من الاستجابة إلى مطالب المحتجين في قادم الأيام؟ ألم يكن من الأفضل لو قامت الدولة بتنمية الجهات الداخلية من خلال خطة وطنية تشمل الجميع حتى تضمن الاستقرار؟

الاحتجاجات والاعتصامات معضلة الاقتصاد التونسي

يرى البعض في تصريحات رئيس الحكومة هشام المشيشي التي اعتبر فيها أن اتفاق الكامور هو خطوة في الاتجاه الصحيح ويمكن أن يكون نموذجًا يمكن تعميمه على كل جهات الجمهورية،  هروبا واستمرارا في الخطأ. فقد كان من الأجدى بحسب هؤلاء أن لا يتم إبرام الاتفاق منذ البداية، أو الاعتذار عنه لاحقًا مع التعهد للجهات الداخلية بتنميتها في حال تحسنت الظروف وانتعشت الميزانية بتوفر موارد جديدة للدولة التونسية.

وتؤكد أطراف عديدة أن رئيس الحكومة قد فعل ما فعل في الكامور لإرضاء طرف سياسي بدا وأنه على علاقة بهؤلاء المعتصمين وضغط من أجل الاستجابة لمطالب المحتجين. فرئيس الحكومة من التكنوقراط ولا حزب سياسي له قادر على دعمه في البرلمان لتمرير مشاريع القوانين التي يحتاجها سير عمل الدولة وبالتالي فهو بحاجة إلى دعم أكبر قدر من الأحزاب السياسية الداعمة لسياساته داخل قبة البرلمان.

الحكومة اليوم، وبعد اتفاق الكامور، قامت بإخراج مارد الاضطرابات الاجتماعية من قمقمه وباتت في مأزق حقيقي، فإما أن تفرغ خزينة الدولة وتحقق مطالب المحتجين في الكاف وباجة وقابس وسيدي بوزيد وقرقنة وغيرها من مناطق البلاد، أو انتظار أشهر عجاف من الاضطرابات الاجتماعية التي لن تتوقف. فأبناء الجهات المحرومة المنتفضون على سياسة التهميش عازمون على المضي قدما، وفقا لتصريحاتهم، في نيل مطالبهم وهم يرون المبالغ الطائلة تمنح لولاية تطاوين وتتم الاستجابة إلى المطالب هناك رغم ارتكاب المعتصمين لجرائم يعاقب عليها القانون وفي مقدمتها إيقاف ضخ البترول وتعطيل الإنتاج الذي أدى إلى خسارة الدولة لخسائر فادحة.

وللإشارة فإن تونس ونتيجة للاعتصامات والاحتجاجات المتكررة اضطرت منذ أشهر إلى استيراد الفوسفات بالعملة الصعبة وهي ثاني منتج له على مستوى العالم وذلك من أجل تشغيل المجمع الصناعي الكيميائي الذي لديه التزامات دولية تصديرية. فبعد أن كانت هذه المادة، استخراجا وتحويلا، مصدر فخر للاقتصاد التونسي تدر عليه مداخيل هامة  تحولت بفعل الاعتصامات إلى عبء حقيقي، حيث تنفق الدولة مبالغ هامة على رواتب موظفي وعمال شركة فوسفات قفصة (الشركة الوطنية التي تحتكر مرفق عام انتاج الفوسفات) مقابل توقف الإنتاج.

وتدفع هذه الاعتصامات المتكررة على مدى عشر سنوات الدولة التونسية إلى الاقتراض من الخارج ومراكمة الديون في حين أن ثرواتها التي تتيح لها تحقيق انتعاشة اقتصادية قابعة في مكانها لا تستخرج.

2020-11-20