الحرب في الميدان الديبلوماسي‎!

ليلى عماشا.

تفرضُ الجغرافيا المواجهةَ التي تغيّر مجرى التاريخ. وللمواجهة في كلّ حرب كيفيّاتها ومساراتها وميادينها. وإن كان قدر بلادنا عاليًا إلى الحدّ الذي جعلها مركزًا رئيسيًا في جغرافيا الحرب وتاريخها، فإن هذه الحرب لم توفّر ميدانًا إلّا وأتاحت فيه المواجهة، بحيث يمكن لكلّ من يجد في نفسه روحًا تناصر الحق وتسعى لإحقاقه أن يختار الميدان الذي يناسب قدراته ليواجه ولو بالكلمة، وإن كانت أعلى المواجهات الرصاص.

تاريخنا الحديث، الموثّق والمصوّر والمتداول والمتاح، مكنّنا من متابعة مجريات المعارك بالعين وبالقلب. من مواجهات حرب تموز في لبنان عام ٢٠٠٦ إلى الحرب على الإرهاب التكفيري في سوريا والعراق، ومن المواجهات المباشرة ضد الأميركيين إلى مواجهة أدواتهم السعوديين ومَن لفّ لفّهم في اليمن، كنا دائمًا أمام المشهد، نخوضه بقلوبنا مع صوت المقاتلين.. وكان من السهل على كلّ فرد أن يحدّد موقعه من الاشتباكات التي دارت وتدور.

فساحة الاشتباك كانت وما تزال الأكثر وضوحًا من بين كل ميادين المواجهة.

إلّا أنّ الحرب تخطّت ساحات الاشتباك، وفرضت المواجهات في ميادين الاقتصاد والإعلام والتواصل والبنية الثقافية والاجتماعية، كما فرضتها في ميدان الديبلوماسية. وهنا، يمكن القول إنّ الديبلوماسية العربية عمومًا واللبنانية خصوصًا، انقسمت بين قامات تنصر الحق، ومرتزقة يخذلون بلادهم وناسهم لصالح العدو، تمامًا كما في كلّ معركة.

قبل الدخول في تفاصيل النموذج اللبناني كمثالٍ على الحرب الديبلوماسية، يستوقفنا النموذج الذي حارب من أجل الحق السوري في كلّ العالم، وواجه أعتى جيوش المرتزقة في المحافل الدولية، وانتصر لبلاده، لبلادنا، لحقّنا بالمقاومة حتى حين كثر المهاجمون وأدواتهم، والتزم الحقّ سلاحًا ديبلوماسيًا حتى عندما اشتدّ ظلم ذوي القربى. وليد المعلّم، أسد الديبلوماسية السورية الذي ارتحل منذ أيام، بعد أن أدّى قسطه للعلى، والذي عاش ومات حرًّا مسلّحًا بالحبّ وبالوفاء لأرضه وقضاياها.

إذًا، في الحرب الديبلوماسية، أو لنقل في الميدان الديبلوماسي من الحرب، يُعرف الرجال بكلمة الحق التي كحدّ السّيف البتّار، ويُستدلّ على الخونة بلغتهم الحافلة بمفردات الهزيمة والارتهان. وفي لبنان، أمكن أن نكون شهودًا على النموذجين بكل التناقض بينهما.

جميعنا يذكر حوارات مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية مع فخامة المقاوم الرئيس اميل لحّود، والتي تمحورت حول ترسيم الخط الأزرق الذي أرادته أولبرايت مطابقًا لاشتهاءات الصهاينة، وجميعنا يتذكر كيف خاض لحود المواجهة مع متعجرفة مدجّجة بعنجهية بلادها، وكيف رفض ما تطلبه وكيف شكّل الرفض صدمة بالنسبة لبلادها التي ظنّت أن “طلباتها أوامر” وأن ليس في لبنان “رئيس” أو “ديبلوماسي” يجرؤ على عدم تلبية الأوامر.

بالمقابل، وبعيدًا عن أي توصيف مضاف، تحدّث مروان حمادة ذات اعتراف (أو ربّما لحظة حماس) كيف تعاملهم أميركا كفريق يلبّي مصالحها. ونظرًا لسوء اللفظ وتحفظّنا عن تكرار الألفاظ النابية، يمكن للجميع العودة إلى أرشيف حمادة ومراجعة الوصف المشين الذي منحه لنفسه وزملائه فيما يخص العلاقة مع الأميركيين.

وليس بعيدًا من اليوم، لا يمكن لأحد أن يتجاهل حركة السفيرة الأميركية الحالية في لبنان المدعوة دوروثي شيا، والتي تخطّت كل حدود العمل الديبلوماسي المتعارف عليه دوليًا وأعطت لنفسها الحقّ بالتعامل بشكل مسيء مع الكثير من السياسيين اللبنانيين رغم كون العديد منهم يستجيبون لهاتف عوكر بطواعية وانبطاح، وكيف أحيت حفلة كذب فتنوية ضد وزير خارجية لبنان رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل، فقط لأنّه رفض الخضوع لأوامر سفارتها، وآثر الوقوف مع الحق ولو كلّفه ذلك إدراج اسمه في خانة المعاقبين أميركيًا.

وإن أردنا اختصار النموذجين والفروق بينهما بمقياس الكرامة الوطنية والشخصية وعزّة النّفس التي من المفترض أنها فطرة بشرية، يكفي الرجوع إلى وثائق ويكيليكس التي أظهرت بما لا يقبل الشكّ أو الشرح كيف تصرّف الكثيرون كمخبرين مأجورين “رخيصي” السعر والقيمة لدى عوكر، وكيف تخوض القامات الديبلوماسية المواجهة مع الأميركيين بلغة الحقّ، مهما كانت العواقب والأثمان.. بل يكفي التحديق مطوّلًا في قافلة موكب السفير الأميركي في لبنان لنعرف أن سفراء أميركا يأتون إلينا بمسمّى موفد ديبلوماسي، ويتصرفون كحكام عرفيين لا يُردّ لهم طلب أو رغبة، وأن من دعاهم لذلك هم حفنة من النموذج المرتهن، الذي بدوره يستصعب أن يرى في لبنان نموذجًا آخر، نموذج يجيد قول لا، مهما ارتفعت المغريات التي تدعوه للالتحاق بالنموذج المعتاد لدى الأميركيين.

2020-11-20