ثاثة انهار وصحراء وشرفه؟/7!
عبدالامير الركابي.
هل الانتقال الأوربي الى الاله صدفة، ام انه عملية خاضعة لاليات ولحكم ضرورة وحتمية، كانت كامنه كصيرورة مستقبل في البنيه الطبقية الانشطارية الأعلى ضمن مجتمعات الأحادية، متوقف تحققها على مسار الاليات المجتمعية التفاعليه عبر الدورات وتبادليتها، وصعوها الارتقائي من الدورة الأولى التاسيسية النهرية الشرق متوسطية، الى الدورة الثانيه الابراهيمية الختامية الانتقالية الإمبراطورية الممهدة للمرحله الالية، يوم توفرت الشروط والأسباب الضرورية للانتقال المنشود، الامر الذي يضعنا امام احتمالية مضمرة أخرى، تتعلق بمابعد الاله والمصنعية، بينما يشخص التساؤل حول مااذا كانت هنالك مجتمعات مهيأة كينونة ومستقبلا لمثل هذا الانتقال الى ماوراء الآلة، بما يجعل من الانقلاب الراهن من الإنتاج اليدوي الى الالي بمثابة محطة ومعبر ضروري نحو مابعده، وليس نقطة انتهاء شامل ومنطو على التعميم البديهي والحتمي على مستوى المعموره.
لم يكن الانتقال الى الالة والمصنعية ورادا في ذهن احد قبل ان يصير حقيقة وواقعا معاشا، وماكان لاي عقل قبلها ان يتوقعه، او يتخيل امكان حصوله مع ماينجم عنه من مترتبات غير عادية، وهذا هو الحاصل اليوم مع احتمالية الانتقال التحولي التكنولوجي، المبعد تماما وكليا عن التفكير”الانسايواني”، العاجز باية حال عن الاحاطة باحتمالاته، وليس هنالك من شك في ان مانحن بصدده هو حزمة تحققات وظواهر تلائم كينونة ارتقائية بشريةعقلية، فما عاشه ويعيشه الكائن البشري من بدايات المجتمعية الى اعلى ذرى التحول الالي، هو زمن في المسار والصيرورة التحولية البشرية “انسايواني”، سابق على ظهور الكائن الاخر المنتمي لعالم “الانسان” حيث انتهاء زمن هيمنة الجسدية على العقل كطور ومرحلة انتقالية ضرورية بين حالتين : انسايوانيه، الجسد وضروراته ومتطلباته الارضوية تكون خلالها حاكمة للعقل، وأخرى لاحقة تتهيأ معها أسباب وبدايات التحرر العقلي من بقايا الحيوانية الباقية عالقة به من الزمن السابق، قبل انبثاق العقل في الجسد الحيواني.
ليس هذا وحسب، ف”الانسايوان” لم يكن ممكنا له ان يكون تحوليا عقلا، قبل ان يمر بزمن التشكل المجتمعي الارضوي، كشرط لازم قبل الارتقاء داخله، وفي غمرة تفاعليته، وبناء لحكم آلياته مجتازاحالته القصورية الحيوانية العالقة به ماتزال، والتي تتبدى بصورة نكوص وامتناع عن ادراك الحقيقة التحولية المودعة في الظاهرة المجتمعية. مع افتراض ان يكون متناقصا باطراد لصالح الادراكية العقلية، حين يتطابق النضج العقلي مع المجتمعي التحولي الباقي مطموسا وخارج النظر والبحث، بما انه فائض عن الطاقة العقلية المتاحة على الإحاطة، ومحفزا بقصوره في الوقت ذاته، على تنامي الطاقة العقلية بالتراكم والتفاعل، سدا لنقص أساسي لاتاخذ المجتمعية مع استمراره، مكانها التي هي موجودة وكائنة بالاصل لاجل تأديته من دونه، بعد ومع اشتراط التطابق العقلي / المجتمعي.
هنا يلوح لنا احد اهم وابرز مناحي التصورية العقلية كما هي متمثلة في انعدام الرؤية المجتمعية التحولية، واستمرار العقل بحالة النكوصية عن التعرف على الحقيقة المنطوية في الظاهرة المجتمعية تكوينا وابتداء، مامن شانه تعطيل وإلغاء احتمالية النظر التصوري لحركة المجتمعات وتفاعليتها واليات تصيّرها وأهدافه، يضاف لذلك بالاصل، القصور الاخر الهام المتاتي من عدم التوفر على أسباب معرفة المسار التحولي البشري اللاحق على انبثاق العقل، وبالاساس اذا كان الكائن البشري “وحدة” ـ يجري تكريسها وتستعمل، وهي مستعملة الى الان كشكل هيمنه وغلبة للجسدية على العقل، كما حال الأحادية المجتمعية وهيمنتها ـ ام ان الكائن الحي الحالي هو كينونة ازدواج ( عقل /جسد)، مايزال يسري عليها قانون النشوء والارتقاء بعدما تغيرت عناصره وموضوعه الرئيسي تحوليا، ولم يعد موكولا الى الكائن الأحادي الأول الحيواني، بالعلاقة بالطبيعة وتدخلها الحي المواكب للخاصية “التحولية ” الكامنه في الكائن الحي، فرديا بداية، ومجتمعيا لاحقا وبعد انبثاق العقل في الكائن الحيوان المنتصب، الذي صار يستعمل يديه.
كل هذا من الأسباب من شانه ان يقلب تماما نظرتنا الى المجتمعات كظاهرة حية “تحولية ” ازدواجية، ( الازدواج المجتمعي يقابل ويناظر بنيويا الازدواج داخل الكائن البشري وهو من مقومات التحول الكامن في الظاهرة مدار البحث) مثلما من شانه حتما، تغيير سرديتنا التاريخية التصيّرية المجتمعيه، بالنظر الى علاقتها او شكل علاقتها بالبيئة ( الطبيعة) التي لم تتوقف حضورا، وباعتبارها طرفا حيا وفاعلا في العملية الحيوية النشوئية، ومفعولها المستجد كما يتبين في توزعات واشكال الممارسة الإنتاجية المجتمعية، وفقا لانماطها، ابتداء من الازدواجية التاسيسية العليا المجتمعية الرافدينيه، وماتنتجه ابتداء من شكل تعبيرية ازدواجية مجتمعية سما/ أرضية، لاتلبث ان تعم الكرة الأرضية تقريبا، مجسدة في “الابراهيمه” مقابل “الرؤى الارضوية الاحادية”، وكل هذا اذا ظل مطموسا وغائبا عن العقل ومقارباته لذاته ووجوده، واساسا للمجتمعية التي تحتويه، لايعود هنالك من تعرف على الظاهرة مدار البحث، ويظل الكائن البشري مهما اعتقد وتصور خارج ماهو مكتنف به، ويعيش داخله، ويشكل خليته ووحدة كيانه.
وثمة أيضا من بين الغائبات الأساسيات عن الادراك، ابدية الظاهرة المجتمعية كما يقاربها العقل اليوم، مقابل مؤقتيتها، حيث يسود مفهوم الأبدية المجتمعية مع اطراح اية احتمالية كينونه تغيريه تفضي لانتهاء الصلاحية، والى احتمال لابل حتمية الذهاب الى “مابعد مجتمعيه” مع مايقتضية احتمال من هذا القبيل من تعيين ضروري للاشتراطات، والمسارات، مقترنه بالبنيه الموافقة والمطابقة لاشتراطات التحول، ومن ذلك القول او الذهاب الى محاولة التعرف على الوسيلة المدخرة في المجتمعية، او الوسيلة الأعلى الارفع، المطابقة لاشتراط التحول المجتمعي لمابعد مجتمعية، مع كيفيات تولدها وأين، وممكنات عملها، ويمكن من هذه الزاوية تخيل التدرج الثلاثي الاتي انتاجيا من ( اليدوية/ ثم الالية/ ومن ثم التكنولوجية) بشرط الخروج لاجل رؤية دلالات ومنطويات هذا التقسيم من دائرة الاحادية التابيديه من ناحية،ومن ثم من وطاة ماهو واقع مؤخرا من رضوخ لهيمنه الالية، وتعبدها وكانها نهاية النهايات، ومنتهى الغايات التصيّرية التاريخيه.
والأخطر الأسوأ في الطور الالي المستمر الى اليوم هو إصراره على ادراج المرحلة القادمه الاخذه في التبلور منذ بدايات انبجاس التكنولوجيا في قلب الالية، وحجرها ضمن اشتراطاتها ونطاقها العملي والمكاني، بالتصرف وكان التكنولوجيا ملحق مضاف الى الطور الالي، وليس طورا ومرحلة بذاتها مستقلة وحاسمه على المستوى التحولي الانتقالي، ماينتج عنه تشوية وحرف لمنطويات وسيلة الإنتاج الجديده، وهو شكل مستجد من اشكال ومحاولات الراسمال الربحي غير المقيد بالمنطويات المجتمعية الطبيعية التوافقية البيئية، استعمال الممكنات المستجده من خلال التكنولوجيا، لخدمه أغراض الربح وتعظيم التناقض الخطير الحاصل في العملية الإنتاجية أصلا، مع الانتقال للالة وحلول زمن امكان التفارقية المجتمعية البيئية، وماتقدم من وجهة استعمال للتكنولوجيا، هو الصورة “الرجعية” بحسب مفاهيم الاليه نفسها، وهو تأخري كابح للمكنات التحولية الوشيكة، والتي تبدا اليوم بالاقتراب من لحظة الدخول في الزمن التحولي التكنولوجيي مابعد الالي، ومابعد المجتمعي.
في الوقت الذي تتوائم فيه البنية الأحادية الارفع الانشطارية الطبقية الأوربية، مع الاله وممكناتها، فتكون مهياة لافرازها من داخلها، لاتكون كذلك او على نفس الاستجابة المطلوبة مع الانتقال من الزمن الالي، الى التكنولوجي، مايعيد الى الاذهان حدث اللاتوافقية البنيوية بين البنيه الازدواجية المجتمعية الرافدينيه والشرق متوسطية، والاله، وتوقفها دون العبور نحوها، باعتبار كينونتها مابعد الاليه التكنولوجيه، مايجعل التبادلية المتوسطية على الضفتين تتحول الى تبادلية موحده بفصلين، لامسافة زمنية بينهما، كما كان عليه الحال ابان الدورتين، الأولى والثانيه، وهو مايتجلى مع النصف الثاني من الالفية الثانيه بصيغة وشكل تفاعلية “التفارقية الرباعيه”.
تتلازم التحولات الموضوعية، وتبلورات المراحل والفترات، مع مايتصل بها ويحايثها من أفكار واشكال نظر مناسبة، ومن طبيعة المستجد المادي الموضوعي، بما يمكن اعتباره بمثابة عملية واحده متلازمة الابعاد ماديا وتصوريا، “نظريا” تبيانا لشكل ارتقائية العقل/ مجتمعيا بحسب المتغيرات وتتابعها، الامر الذي تختلف اشكال تجليه ابان الانتقال الأكبر الأخير التحولي، حيث يحتل التصور النظري مكانا مختلفا ومتقدما، يكاد يكون هو الحاسم ضمن حزمة التبلورات والمتغيرات المرافقة، والمواكبة كضرورة لعملية الانتقال النهائية الكبرى، وبالذات وتحديدا، في منطقة وكيانيه الأنماط المتعددة الشرق متوسطية.
ـ يتبع ـ
‎2020-‎10-‎31