من متعة الطبيعة إلى متعة الثقافة…. الدروز بين المقاومة والتجنيد…. !

أبو علاء منصور.

اصطحبتُ الصديق الجميل والمثقف العميق أبو نائل القلقيلي إلى ندوة في جمعية قرية كوبر شمال مدينة رام الله. وفي أمسية صحية مفتوحة وأجواء رائعة استمعنا لمحاضرة قيّمة بعنوان (الدروز ما بين المقاومة والتجنيد) قدمها المحامي يامن زيدان من بلدة بيت جن في الجليل ومما جاء في المحاضرة: (قبل النكبة كان عدد دروز فلسطين عشرة آلاف منتشرين في 18 قرية في الشمال. الحركة الصهيونية لم تخلق الطائفية لكنها غذتها، وإسرائيل تستقوي علينا بتفتيتنا. واجبنا كسر الصورة النمطية التي أرادت إسرائيل خلقها للدرزي في الأذهان. فالجندي الدرزي في جيش الاحتلال مُنتج مسلسل سياسات وإجراءات صهيونية طويلة، ووطنياً جرى تهميش دور الدروز في الحركة الوطنية الفلسطينية مع أنهم جزء منها، وهناك سيكولوجية الأكثرية والأقلية التي تستسهل اتهام الأقلية. فما حصل مع الدروز بعد النكبة هو الشيء ذاته الذي حصل مع كل الفلسطينيين، فقد استولت إسرائيل على أراضيهم وقضت على مصدر رزقهم).

أضاف: (بعد النكبة عانى الفلسطينيون من حالة ضياع للهوية، فجرى فرض التجنيد الإجباري على الدروز عام 1956، وظهرت صورة الجندي الدرزي على الحواجز العسكرية وفي المداهمات والسجون باعتباره جزء من الاحتلال. لم يظهر في هذه الصورة أن 50% من المطلوبين للتجنيد متهربون منه. ربما اكتشف الجندي الدرزي هويته الوطنية -الفلسطينية- من خلال التجنيد الإجباري. فأنا على سبيل المثال عملتُ كسجّان في سجن هداريم لمدة عامين، وكان هذا احتكاكي الأول مع الأسرى. هنا اكتشفتُ هويتي وتعرفتُ على نفسي، وكانت هذه نقطة تحول عندي. قبل هذه التجربة كانت فلسطين تعني لي الضفة وغزة. بعد ذلك وجدتُ نفسي على مفترق طرق فقدمت استقالتي وبدأتُ دراسة القانون، وقررتُ أن تكون قضيتي ضد التجنيد الإجباري ودعم قضية الأسرى. ودعمني مروان البرغوثي في توجهي بتعريف الدرزي كوطني وليس كجندي في جيش الاحتلال. فأنشأتُ عام 2013 حراكاً أسميته (ارفض شعبك بحميك)، والمقصود رفض التجنيد الإجباري. لا يمكن النظر لعام 1956 من منظور العام 2020، يومها كانت هناك هزيمة وخوف وتهجير. لم يكن الهدف الصهيوني من التجنيد الإجباري عسكرياً بل سياسياً، وهو تفتيت أواصر المجتمع الفلسطيني. فجرت محاولات سلخ الدروز عن محيطهم العربي عبر سلسلة إجراءات وحلقات، وأثناء ذلك حصلت مقاومة ورافضين من البداية. عام 1959 بدأت إسرائيل تتعامل مع الدروز كطائفة دينية مستقلة وليس باعتبارهم مسلمين، وعملت على قلب المفاهيم السياسية عبر تفريغ الطائفة من مناضليها وسياسييها، وفي العام 1961 أنشأت المحاكم الدرزية الخاصة، ثم تعاملت مع الطائفة كمذهب وقومية، واستبدلت إجازات عيد الفطر وعيد الأضحى بزيارة النبي شعيب وحولتها إلى عيد، علماً أن أعياد الدروز هي الفطر والأضحى. وفي العام 1971 جاء رابين لتهنئة الدروز بعيد النبي شعيب وأثناء ذلك فتح بعض الشباب المجاري. ومن يومها انطلقت لجنة المبادرة الدرزية. وفي العام 1976 أُنشأت وحدة التعليم الدرزي بمنهاج تعليمي هدفه الأسرلة والدرزنة، واستحدثت (منتدى السلطات الدرزية) المنفصل عن السلطات المحلية العربية وجرى فصل المحاكم كذلك. هكذا نجحت إسرائيل في بلورة هوية درزية، وأصبح التجنيد تحصيلاً حاصلاً. وقع ذلك في ظل ضياع الهوية الفلسطينية حيث كان الداخل شيء والضفة شيء، وغزة شيء، والخارج شيء وتعامل العالم مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية لاجئين فحسب، فأصبح الشعب الفلسطيني مجموعات شعبية فلسطينية، وقضايا مطلبية لكل مجموعة، قضايا فلسطينية بدل قضية فلسطينية -على هذه القاعدة استثني أسرى الداخل من صفقات التبادل، فقالت إسرائيل هؤلاء عربنا وليس عربكم- ولاحقاً تبلورت هوية الدروز الوطنية في سياق تشكل الهوية الفلسطينية بعد إقامة م. ت. ف في العام 1964. الدروز جزء من المشهد الفلسطيني وقضيتهم ليست خاصة ولا منفصلة. لكن المشروع الفلسطيني لم يعد واضحاً ما تسبب في البلبلة والخربطة. واستطاع الاسرائيليون تكبير الصهيوني في رؤوسنا، فتخيلناهم أكثر ذكاء منا ويعرفون كل شيء عنا. علينا أن نتخلص من هذا الوهم. أنا محظوظ أنني كنتُ مشروعاً للأسرى، وأنهم ودّعوني عندما استقلتُ من وظيفتي وتركت السجن. ابني كمال رفض التجنيد فسجن ستة أشهر، وقتها أدركتُ معنى السجن أكثر من أي وقت سابق -حين أصبح ابني سجيناً- لقد وقع كمال في تناقض بين البيت والمدرسة، في البيت علم فلسطين وصورة جمال عبد الناصر، والمدرسة ومنهاج التعليم نقيض ذلك، حاولتُ تخفيف حدة التناقض وخلق حالة توازن في الأسرة، فأقول لأبنائي كونك تحمل هوية إسرائيلية لا يعني أن وطنك إسرائيل، وطنك فلسطين، وكنت أضرب أمثلة من الأسماء العبرية المستحدثة للجبال والمناطق التي لها أسماء عربية في الوجدان والذاكرة ويتعامل معها الناس بناء على ذلك وليس وفق المنهاج التعليمي. لم تكن المسألة سهلة وعليّ أن أساعد أولادي، فالهجمة شرسة والمشهد شديد التعقيد).

مع تحيات أبو علاء منصور

31\10\2020