أوراق… من تجربة (عملية ومواقف وأحداث) كان يجب أن لا تقع!!

احمد الناصري.

من داخل المعتقل الحزبي الحجري، البارد والكئيب، في قرية بارزان الشهيرة، من تلك الأيام الحزينة والعجيبة، قررت ان أكتب رسالة إلى عزيز محمد وقيادة الحزب. طلبت أوراقاً وقلماً، حيث أن كل شيء كان ممنوعاً علينا، نعيش في عزلة مطبقة بلا أبسط الحقوق والوسائل العادية (صادروا جهاز الراديو واغلقوا شبابيك الزنانة التي هي تواليت مليئة بالفضلات اليابسة وكنا بلا حمام ولا تغسيل لليدين).

كتبت رسالة موجهة إلى عزيز محمد، الذي كان يشرف ويتابع عملية الاعتقال والتعذيب والتحقيق بنفسه، وقد قال ما قال من كلام لا يليق برفيق، ومنح صلاحيات كاملة لاستخدام كافة الأساليب (المقصود التعذيب وقد قتلوا منتصر بشكل غادر وجبان) للوصول إلى النتائج بسرعة، كمال قال الشرطي المحقق البائس صادق. وهو المسؤول الأول عن الحزب أينما يكون. وقد أدنت عملية الاعتقال باعتبارها خرق للنظام الداخلي ولحقوقنا كرفاق وتجاوز على وجودنا وحريتنا، وسابقة خطيرة في الحياة الحزبية الداخلية لا مبرر لها (وصمة عار)، باعتبارها خرق للعلاقات الرفاقية والإنسانية الطبيعية، وإن الخلاف والصراع الفكري والسياسي يجب حله بالطرق الطبيعية العادية وليس العدوانية والانتقامية. وذكرّت عزيز محمد بأنه ساهم شخصياً في شق الحزب وتشكيل منظمة أخرى هي راية الشغيلة عام 53، التي سماها الحزب راية البلاط، بينما نحن لم نلجأ إلى الانشقاق، ولدينا مواقف وأفكار معارضة ومختلفة عن نهج القيادة اليميني المتخلف. وطالبت بإطلاق سراحنا فوراً والقيام بإجراءات حزبية داخلية طبيعية وفق النظام الداخلي. بعد أيام أخذوني إلى جلسة تحقيق واستجواب جديدة، وقال الشرطي صادق بطريقة عدوانية واستفزازية فجة، بأننا اطلعنا على رسالتك وقد ضحكنا عليها. رددت عليه بأنني لم اكتب لكم نكات كي تضحكوا، لقد كتبت عن مشكلة حزبية وإنسانية كبيرة وانت تضحك على آلامنا! صمت وتلعثم واخرج سيجارة على طريقته الاستعراضية الغبية المضحكة وغير الموضوع وبدأ بالتحقيق والاستجواب، ضمن حلقة مفرغة بلا طائل ولا قضية، غير الانتقام والتنكيل البشع…

في المعتقل بدأ الشرطي المحقق حميد صريم يطرح ويسال عن معلومات شخصية خاصة، فقلت له هذه قضايا شخصية لا علاقة لأحد غيري بها. لكنني تعجبت حتى كدت أن اوقن بداخلي أن الحزب فعلاً يعرف كل شيء (حسب مقولة شائعة بالعربي والكردي)، بعد فترة أخبروني بوصول رسالة شخصية لي من صبية صديقة، أرسلتها من الخارج بواسطة رفيقة أخرى، ذكرت فيها اشياء خاصة، وانكشف سر ومصدر المعلومات التي جرى استخدامها بطريقة سخيفة. في الأوراق المتبقية من الرسالة كتبت نص عما أفكر به. من بين ما كتبت من داخل زنزانة المعتقل الحزبي الحجرية الباردة والكئيبة…

للناصرية البعيدة

للأصدقاء

للحزب

للجبال التي طاردتني

للمجلات الملونة

للشوارع

للنساء والصبايا

للرسائل التي لم تصل…

في أحد الأيام داهموا زنزانتي وفتشوها (لا أعرف عم يفتشون؟)، وصادروا بقايا الأوراق والقلم ومن بينها هذا النص البسيط. بعد أيام جاءوني بالرسالة واشيائها الخاصة الجميلة وعرفت مصدر معلومات المحقق الخطير حميد صريم وأسئلته المفاجئة.

انها اوراق من تجربة كان لها ألا تقع!

*تنويه…. الأوراق القادمة ستكون صادمة ومرعبة (عن التعذيب وقتل منتصر) ننصح أصحاب القلوب والعقول الضعيفة تجنب الاطلاع عليها…

 

2020-10-31