الورقة السادسة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل الجزء الثاني!
بقلم أعلية العلاني*

تُعتبر إقامة الخلافة مطلبا رئيسيا لدى تيار الإسلام الراديكالي خاصة القاعدة وداعش وحلفاؤهما، فهُم يعتبرونها ركنا هاما في الدين. ولا نستغرب من تنقّل عشرات الآلاف من الجهاديين بعد 2011 التابعين لهذا التيار إلى سوريا والعراق من أكثر من مائة دولة لتحقيق حلمهم في إحياء الخلافة الإسلامية. ورغم أن هذا الحلم لم يتحقق بالصورة التي تَخَيّلُوها إلا أن الفكرة ما تزال تسيطر على عناصر التنظيم إلى اليوم بما فيهم المعتقلون الذين يُراد تأهيلُهم.
1) الخلافة لدى داعش تختلف عن تنظيم القاعدة
تُعتبر الخلافة لدى تيار الإسلام الراديكالي ضرورة دينية وسياسية في نفس الوقت، لكن هناك اختلاف في الشكل بين تنظيمي القاعدة وداعش. فالقاعدة تضع شروطا صعبة في تقلد منصب الخليفة في حين كانت شروط داعش أكثر تساهلا. وقد فوجئ تنظيم القاعدة بتوقيت إعلان دولة الخلافة من طرف داعش وانقسم معسكر الجهاديين منذ صائفة 2014 إلى قسمين متباينين (القاعدة وداعش). ويحلل الباحث في تيار الاسلام الراديكالي ماتيو بوغليس في مقال له نقلا عن كتاب كولن كلارك: (ما بعد الخلافة)، “أن الخلافة في تنظيم داعش تُمثل ذروة تطور غير مألوفة في نشاط الجماعات الجهادية العالمية وظاهرة مبتكرة من جوانب عدة” (مقال ماتيو بوغليس، ما بعد الخلافة: تنظيم الدولة الإسلامية موقع بتاريخ 24 يونيو 2019) والسبب هو أن داعش استطاعت السيطرة على eeradicalization.com
أكثر من 100 ألف كلم مربع بين سوريا والعراق ” وأن تستقطب ما يقرب من 43 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 120 دولة، ومع ذلك ووفْقا لوثائق داعش نفسه، اعتبر التنظيم أن 5 بالمائة فقط من المجندين الوافدين، لديهم معرفة متقدمة بالإسلام، في حين وصف 70 بالمائة منهم بأنهم لا يملكون سوى فهم أساسي للدين”، يقصد فهم ما هو أساسي من الدين فقط (نفس المصدر). وتكمن أهمية داعش حسب هذا الباحث في أنها لا تستند إلى ماض تاريخي مثالي للخلافة الأصلية، وكل ما يهُمّها “أن ثمّة خلافة حديثة قد تحققت في الذاكرة الحية للجميع، وستظل في الذاكرة الحية لعقود مقبلة” (نفس المصدر). وأن هذه الخلافة لا تعترف بحدود سايكس بيكو (انظر مقال فرانشيسكو برجوجليو إيريكو، مقتطفات داعشية، موقع أُوراديكاليزاسيون بتاريخ 24 أغسطس 2020). ويورد فرانشسكو مقتطفات من أول خطبة لزعيم داعش أبوبكر البغدادي عند إعلان دولة الخلافة في 29 يونيو 2014: “أيها المسلمون في كل مكان.. لديكم دولة وخليفة لذا هلموا إلى دولتكم … العربي وغير العربي، الأبيض والأسود، الشرقي والغربي كلهم إخوة” (المصدر السابق).
2) الخطاب البديل لمسألة الخلافة
لا بد من التأكيد خلال التحاور مع معتقلي التطرف العنيف في موضوع الخلافة على ثلاثة أشياء: أولا، أن الخلافة مؤسسة مدنية وليست دينية بدليل أنه تمّ إحداثها بعد وفاة الرسول. ثانيا، أن الشروط التي وضعها الفقهاء والباحثون مثل الماوردي في كتابه، “الأحكام السلطانية” لتقلد منصب الخلافة لم تكن دائما معيارا ثابتا ومطبقا في اختيار الخليفة، فشروط العلم والاستقامة والكفاءة في الخليفة لم تكن محترمة عبر العصور لأن الخلافة تؤول لمن له الغلبة والسطوة. وثالثا، أن خلافة داعش التي استمرت 4 سنوات كانت دموية بامتياز لا تمُتُّ للإسلام بصلة فقد أُحرق معاذ الكساسبة وذُبح أقباط مصريون في ليبيا، وتم اغتصاب اليزيديات وغيرهن بشكل فظيع في العراق تحت مسمّى السبايا، والأهم من كل ذلك أن الخليفة البغدادي اختفى وفرّ من المعارك بمجرد تشديد القصف عليه من طرف دول التحالف تاركا وراءه آلاف الأنصار الذين واجهوا القتل والتشريد وقُتل في النهاية وهو هارب في أحد الأنفاق. ويُستحسن أن يُدلي المعتقلون الذين عادوا من بؤر التوتر بشهاداتهم أمام المعتقلين الآخرين عن حقيقة دولة الخلافة. مع الإشارة إلى أن المتشبثين بالخلافة يُعبّرون في الحقيقة عن إحباط يعيشونه بسبب فشل الحَوْكمة في بلدانهم، فيأتي حُلم العيش في ظل دولة الخلافة التي تحقق لهم- في نظرهم – أُمْنيتين: مادية (تحسين وضعهم المادي لأن هذا من مهام دولة الخلافة)، وروحية (الفوز بالجنة في الآخرة). وهذا ما يجعلهم يقبلون الموت من أجل إقامة دولة الخلافة، وبالتالي، ولكي ينجح برنامج تأهيل هؤلاء المعتقلين لا بد من دمج التأهيل الفكري (عَبْر إعادة تفكيك المقاربات وهندستها من جديد) مع التأهيل الاجتماعي الذي سنتحدث عنه لاحقا.
البطاقة القادمة: الورقة السابعة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل الجزء الثالث

أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة – تونس
‎2020-‎10-‎31